القديس توماس الاكويني

نشأ في عائلة إيطالية نبيلة درس الفنون ثم التحق برهبنة الدومينيكان وانتقل إلىباريس حيث تتلمذ على يدي ألبير الأكبر . حصل على درجة الأستاذية وصار أستاذاً في الحادية والثلاثين علّم في إيطاليا كما في باريس ووضع مؤلفات أهمها: 1. المجموعة الفلسفية ( أو الرد على المناوئين للديانة المسيحية ) 2. الشروح على أرسطو : مزج فيه بين فلسفة أرسـطو و بعض التوجهات المسيحية فقيل أنه نصّر أرسطو . 3. رسالة في وحدة العقل. 4. رسالة في أزلية العالم. 5. المجموعة اللاهوتية : هي أبرز كتبه تتألف من ثلاثة آلاف فصل ومن ردود على عشرة آلاف اعتراض . ينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام: الأول: في وحدانية الله والثالوث و الخلق ، الثاني: في الأخلاق ، الثالث: في العقيدة .

تشكل المجموعتان اللاهوتية والفلسفية طرحا مفصلا لمذهبه في الفلسفة و اللاهوت , وهما المعتمدتان في شرح مفاهيمه . سنة 1273 , أي السنة التي قبل وفاته وقبل أن ينهي مجموعته اللاهوتية تخلى عن التعليم والكتابة نتيجة أمر طارئ حدث معه خلال القداس قال عنه بعدئذ:”أوحيت إلي بعد الأمور جعلتني أرى كل ما كتبته هشيما”.

فـأكمل كـاتبه ورفيقه في الرهبنة الجـزء الأخير في المجموعـة . أقسـام مذهبـه : 1. وجود الله . 2. ماهية الله . 3. الخلق . 4. الإنسان . 5. الأخلاق . 6. السياسة .

1. وجود الله :

يوضح القديس توما خطأ بعض الأدلّة في إثبات وجود الله خصوصاً تلك التي تعتمد على التصور . فلا يكون ما يتصوره الإنسان موجوداً بالضرورة كالقول مثلاً بفكرة الكمال في الذهن لدى القديس أنسيلم . فإن امتلاكنا لفكرة الكمال لا يعني بالتأكيد وجود الكامل كإله خالق للكون . مثل هذه التصورات مبنية في أساسها على الإيمان . لذلك اعتمد الأكويني براهين أخرى هي:

أ. العلم الطبيعي يؤكد وجـود علة سببية للمعلولات . فالواضح أن الرجوع إلى ما لا نهاية له في أسباب الموجودات مستحيل . فلا بد من التوقف عند علة أولى .

ب. تؤكد الحركة في الدنيا أن كل متحرك إنما يحركه كائن آخر . و هكذا ننتهي إلى محرك أول غير متحرك . و هذا المحرك هو علة محركة فاعلة تنقل الكون من القوة إلى الفعل ، ثم تتسلسل العلل الفاعلة منه عبر الموجودات كي يتحقق في كل منها جوهر أو صورة

ج. في العالم كائنات معرضة للزوال ، فهي ممكنة الوجود لأنها قابلة للزوال . فإذا تسلسلت الكائنات كلها من ممكنات فقط لاستوجب هذا الأمر حدوث فراغ أو عدم لم يكن فيه أي موجود ، و لبات إنوجاد الكائنات بعدها مستحيلاً . فلا بد إذاً من وجود كائن واجب الوجود حكماً كي نفسر عملية إنوجاد الكائنات الزمنية التي هي كلها ممكنات .

د. الصفات العامة التي تحمل فيها إمكان أن تكون مطلقة ، كالخير و الجمال و الإرادة و العدل …إلخ . أي الصفات الروحية الملازمة لكثير من الكائنات بنسب متفاوتة تحمل كلها صفة خاصة و هـي أنها تعني غاية بعيدة تشد بها نحو المطلق . هذه الغاية البعيدة هي غاية الغايات لكل الصفات ، أي كمالها المطلق . هـذا الكمال المطلق هو إذاً علة لها . ذلك أن العلة الغائية هي أيضاً سبب سابق . مثلاً : الخير الكامل غاية الخير الجزئي ، فلو لم الخير الكامل قبل الجزئي لما وجد هذا الخير الجزئي .

ه. يتضح لنا من مراقبة نظام الطبيعة أن لكل شيء فيها غاية معينة تؤديها وظيفته في الدنيا بدون أن يدرك هذه الغاية فلا يعرف ماذا يفعل . و هي غاية تضيف دائماً الأفضل إلى الدنيا ، فتكون تأدية العمل إذاً صادرة عن قصد لا دور للمصادفة العمياء فيها . و عدم إدراكه الواعي لعمله الغائي هذا يدل على وجود كائن آخـر عاقل و عارف يوجهه نحو غايته ، كما يوجه سائر الكائنات إلى الأفعال التي تتحقق بها وظائفها و غايتها . كما يتضح لنا أيضاً من هذه المراقبة أن الكائنات الطبيعية منظمة بكليتها . لكي يكون كلٌّ منها نافعاً للكل . و هذا دليل على وجود كائنات منظمة بحيث يكون كلٌّ منها متآلفاً مع سائر الكائنات على الرغم من الفوارق بينها . و لا تتآلف الكائنات المتباينة إلا إذا نظمها كائن آخر عاقل قادر على وضع هذا التنظيم الكلي . إنه الله .

استنتاج عام : نستنتج من كل ما تقدم أن المعرفة الطبيعية يجب أن تسبق الإيمان فقبل الكلام عـن أزلية العالم أو حدوثه كما عن بعض المعطيات الإيمانية الخاصة بماهية الله و صفاته مثلاً ، ينبغي البدء بإثبات وجود الله . لكي يتم الارتقاء إلى الإيمان الديني . فالإيمان أمر يجاوز الطبيعة ، و البدء به محصور بزمـن معين و بأناس معينين قادرين بالإلهام أو سواه على اعتناق المبادئ الدينية مباشرة . هكذا قادت الفرقة الطبيعية توما الأكويني إلى الله . والفرقة هذه قامت كما رأينا على خمسة أدلة : المحرك الأول و الفاعل الأول , الواجد و الوجود بذاته ، الكائن الذي تنبثق عنه كل الكمالات ، و القادر على تنظيم الدنيا و كائناتها .

– 2ماهية الله :

أ. ينصرف الأكويني إلى الكلام عن ماهية الله بعد التأكد من وجوده. فيقول: ينبغي التدليل على الفوارق بين الذات الإلهية وسائر الكائنات انطلاقاً من أمرين أساسيين : إثبات بساطتها و كمالها لأن كل الكائنات مركبة وناقصة .

يستحيل أن يكون الله مركباً وإلا صار مادة قابلة للتجزؤ ، فيقع في النقص . إنـه روحٌ محض منزه عن الكثرة في ذاته وعن القابلية للانقسام . وهو بالتالي فعل خالص لا تمييز فيه بين القوة و الفعل كما في المادة حيث يتم الانتقال دائماً، وبفضل الحركة، من القوة إلى الفعل لأن المادة أو الكائنات المادية ناقصة وخاضعة للتبدل. وهو ما لا يصح على الله فنقول إنه ثابت على حاله ، فعل خالص لا تبدل و لا تجزؤ . لأجل هذا يكون الله ” واجب وجود ” قائماً بذاته كعلة أولى هي أيضاً علة ذاتها ، لذلك قال لموسى : أنا هو الكائن .

وهكذا تكون بساطته و كماله ميزتين تدلان على أن الخصائص الإلهية لا مثيل لها في عالم الزمان ، وبين الذات الإلهية و سائر الكائنات هوّة عميقة .

ب. عندما نقول إنه الموجود القائم بذاته نحصل على ما يلي : هو كامل خير أعظم في ذاته ، لا تناهي له و لا حدود ، علة لكل الموجودات حالة فيها ، ثابت لا تبدل فيه ، سرمدي بحياة كاملة لا تغير فيها و لا تعاقب. هذه كلها تعني أن الله واحد أحد . فلو وجد أمثال له ، أي آلهة ، لوجب تكون بينهم فوارق ، فيكون للواحد ما ليس للآخر ، أي يقع كل واحد في النقص ، عندئذٍ تبطل إمكانية الدلالة على العلة بينهم .

ج. نطلق بعض الصفات على الله كالعناية والقدرة والعلم …إلخ . بعضهم يقول : إنها مترادفة أي العناية تعني القدرة و القدرة تعني العلم و كلٌّ من هذه الصفات تعني الأُخرى ، لأن الصفة التي تطلق على الله هي ذات الله و هذا خطأ لأن كل صفة تحمل دلالة مختلفة عن دلالة أخرى ، و هي ممكنة لدى كل الموجودات أيضاً . فهل يجوز استعمال الصفات نفسها و على سائر الكائنات ؟

بعضهم الآخر يقول ( كأبن ميمون مثلاً في كتابه دلالة الحائرين و هو فيلسوف يهودي ) : إن الصفة عند الله تشير إلى المعنى السلبي ، فكلمة روحاني مثلاً تعني أنه ليس مادياً ، و كلمة علم أنه ليس جاهلاً …إلخ . و هذا أيضاً خطأ لأن المعنى السلبي لا يعين ما هو الله فلا نعرف من هذا المعنى السلبي شيئاً . لابد إذاً من استعمال الصفات حسب مبدأ المماثلة أي استناداً إلى ماهية الكائن الموصوف . فتكون الصفة المطلقة على الله مناسبة لماهية الله، والصفة المطلقة على الإنسان مناسبة . هكذا نعني بكلمة قادر لدى الله ما لا نعنيه لدى الإنسان، فتكون صفة كل كائن حسب ماهيته . هكذا يكون للإنسان علم و لله علـم . و لكن علم الله كامـل في الماضي و الحاضر والمستقبل . ولا نكون قد أضفنا إلى ذاته صفة خارجية فأنقصناه كما يعتقد بعضهم ، لأن العلم هو بذاته حالة من حالات الكمال . و لا يجوز القول مع ابن سينا إن الله يعرف الكليات و لا يعرف الجزئيـات لأنه أسمى من الغموض إلى الكثرة المادية المتحولة الناقصة ، فيلحق به النقص . هذا كلام خاطئ لأن علم الله يكون حاصلاً فيه قبل وقوع شيء وخلال وقوعه و بعد وقوعه ، بدون أن ينقص الله . على أن علمه هذا ليس تفصيلياً تتابعياً مركباً بل هو علم مباشر بسيط و كل مثل ذاته المتعالية البسيطة الكلية .

Pin It on Pinterest