القـدرة العقـلية

      حظي النشاط العقلي بأهمية كبيرة منذ القدم, ولازال يشكل محور التوجهات المعاصرة في دراسة الشخصية, إذ تعد دراسة القدرة العقلية من حيث طبيعتها العامة وقياسها, من أكثر الموضوعات إثارة في علم النفس التربوي, ويمكن القول بأنه لا يوجد موضوع أخر تمت دراسته بهذا الزخم وقل فهمه في الوقت ذاته مثل موضوع القدرة العقلية العامة أو الذكاء.

    ووفقا (لثورندايك, وهيجن)( Thorndike & Hagen 1989) فان هناك ميلا لعدم استخدام مصطلح الذكاء لما قد يحمله هذا المصطلح من فائض في المعنى والشعور, وبدلا من ذلك أصبح الكلام عن القدرة العقلية العامة أو الاستعداد المدرسي(ثورندايك وهيجن, 1989.ص287).كما اصطلح علماء التحليل العاملي على تسمية الذكاء بالقدرة العقلية العامة حتى تستقيم هذه التسمية والتنظيم الهرمي للقدرات العقلية المختلفة,والذكاء بهذا المعنى هو قدرة القدرات لأنه يحتل مكان الصدارة بالنسبة لجميع مجالات النشاط المعرفي (السيد , 1974,ص423).كما أن بعض التعريفات تضمنه القدرة على تحمل الضغط ومقاومة التشتت, والذي بدوره يتطلب اتزانا انفعاليا وثقة في الذات, كما إننا عادة ما نميز بين القدرة العقلية العامة والقدرات الأخرى والمهارات, وبناء على ذلك وضعت كثير من القدرات الفنية, والرياضية, والموسيقية, والميكانيكية جزئيا خارج ما نعرفه على انه قدرة عقلية عامة (جابر, 1994, ص15-16).

   واعتقد كل من( سبنسر )Speancer (وجولتن)Galton بأهمية وجود قدرة عامة اشمل من القدرات الخاصة, ومحددة في طبيعتها عن تلك القدرات, وقد تبنى وجهة النظر هــذه (هولنس)  Hughlingsو (ككسون)  ) Gackson(وشرنجتون )Sherington  , وقد ساير هؤلاء كثير من المختصين بعلم النفس مثل بيرت,إذ تقبل هؤلاء النظرية القائلة بوجود قدرة معرفية عامة قوامها الإعداد والعلاقات المعقدة, إلا أنهم لم ينكروا وجود القدرات المتخصصة, رغم وجود الوظيفة المتكاملة للقدرة العامة,وتأكيدا لرأي( جولتن ,وسبنسر) طور (سبيرمان) طريقة التحليل العاملي التي كان قد اقترحها بيرسون,وقد اظهر سبيرمان إن هناك أدلة إحصائية كامنة تشير إلى وجود القدرات الخاصة,ووفقا لذلك فالذكاء في حقيقته يمثل قدرة عقلية تحتل قمة سلم من المهارات العقلية (إبراهيم,2004,ص1023-1024).

    إن دراسة القدرة العقلية العامة لم تنفصل عن مبحث الفروق الفردية منذ زمن بعيد, لذلك فان جميع النماذج العاملية لبنية العقل تستند في جمع البيانات وتحليلها إلى مدخل الفروق الفردية Differential Approach دون الاهتمام بتفسير تلك الفروق, مما أدى ذلك إلى تركيز بحوث الذكاء في الآونة الأخيرة على الوظائف والعمليات المعرفية, وهذا لا يعني أن قياس الفروق الفردية ليس ضروريا, وإنما توجيه مزيد من الاهتمام على العمليات المعرفية التي تتحدد تجريبيا( حسين, 2003, ص60).إذ يعتمد قياس القدرات العقلية على القياس النفسي الذي يستند إلى قياس الفروق الفردية ,حيث تقارن فيه درجة الفرد بدرجات المجموعة التي ينتمي إليها لتحديد موقعه بالنسبة لهم, وهذا ما يطلق عليه بالاختبارات المرجعية المعيار(Norms  Reference Test) (الشرقاوي وآخرون 1996,ص82-100).

     إن قياس القدرة العقلية قياسا ماديا هو أمر مستحيل لأنه يستدل عليها بأثرها وتأثيرها وليس ببنائها او بكيانها, لذلك اتجه القياس العقلي إلى محاولة تكميم الفروق الفردية في القدرة العقلية وليس قياس ما يملكه كل فرد منها (Ghiselli , et.al,1981 p481)

    وتختلف القدرة العقلية عن العامل, فالعامل مجرد أساس أو مفهوم إحصائي للتصنيف, يوضح المكونات المحتملة للظاهرة المراد دراستها, أو تصنيف إحصائي موجز للمتغيرات والاختبارات التي تدخل في مصفوفة معاملات الارتباط, وبذلك يعبر عن تركيب يصل إليه الباحث نتيجة للتحليل العاملي لعلاقات الترابط بين عدد من المتغيرات المتعلقة بإحدى الظواهر, ويفسر العامل نفسيا بأنه قدرة عقلية إذا كانت الاختبارات الأصلية المشبعة به تقيس النشاط العقلي المعرفي, وقد يفسر العامل بأنه سمة انفعالية, إذا كانت الاختبارات المشبعة به تقيس نواحي انفعالية في الشخصية, وقد يكون العامل أي شئ أخر وفقا لطبيعة المجال الذي ستستخدم فيه التحليل العاملي, بمعنى العامل أكثر عمومية من القدرة(الشيخ, 1988, ص210).

Pin It on Pinterest

Share This

Share this post with your friends!