المبادئ التي تستند اليها النظرية الظاهراتية

1- تعتمد فينومينولوجيا هوسرل على التمييز بين ظهور الموضوعات في الوعي وحضورها المحايث له، وبين الفعل الذي يقوم به الوعي لإحضار الظاهرة فيه. وفي ذلك يبتعد هوسرل عن النظريات التجريبية والعقلية في نفس الوقت. ذهبت النظريات التجريبية إلى أن الموضوع حاضر في العالم الخارجي، وما على الوعي إلا أن يتلقاه سلبياً، وذهبت النظريات العقلية إلى أن العقل لا يدرك الموضوع نفسه، ذلك لأن مهمة إدراكه ملحقة بالحس، أما العقل فهو يدرك الكلي والمجرد من الموضوع.

2-أن الموضوع الحسي نفسه حاضر في الوعي لا في الحواس وحسب كما ذهبت التجريبية، كما أن العنصر العقلي أو الكلي والمجرد ليس مجرد أفكار جاهزة في العقل، بل هي نتاج تكوين وتأسيس قبلي من جانب الوعي. ومعنى ذلك أن الوعي يؤسس موضوع الإدراك الحسي ويؤسس العنصر الكلي فيه في نفس الوقت.

3-ويطلق هوسرل على حضور الحسي في الوعي مصطلح “مضمون الوعي” Noema، وهو يستخدمه ليشير إلى أن الحسي حاضر في الوعي لا في الحواس وحسب، ذلك لأن أعضاء الحس لا تفعل شيئاً إلا استقبال انطباعات حسية، أما الموضوع الحسي باعتباره كلاً مترابطاً فهو حاضر للوعي فقط وحضوره هذا نتيجة لأفعال قصدية من قبل الوعي، ويطلق هوسرل على هذه الأفعال مصطلح “فعل الوعي” Noesis.

4- يذهب هوسرل إلى أن كل تعين جديد يظهر في موضوع الإدراك يقابله فعل مختلف للوعي، فإذا أدركنا تغيراً في لون شئ يكون هذا التغير مصاحباً لتغير في فعل الوعي، بل الأحرى القول بأن القدرة على إدراك التغير تعتمد على قدرة الوعي في توجيه ذاته لكل تغير يحدث للظاهرة.

5- كما أن أفعال الوعي تستجيب لنوعية الموضوع المدرك؛ فإذا كان هذا الموضوع شيئاً مادياً كان فعل الوعي متخذاً نمط الإدراك الحسي، وإذا كان الموضوع فكرة مجردة أو نوعاً أو فئة اتخذ الوعي شكل الفهم أو العقل. ومعنى هذا أنه لا توجد في العقل ملكات متمايزة بحيث تختص كل ملكة بفعل معرفي معين كما وجدنا عند كانط، بل إن الإدراك الحسي والفهم والعقل والمخيلة ما هي إلا أنماط مختلفة لوعي واحد، أو أفعال وأحوال متمايزة للوعي نفسه. وتعتمد كل حالة منها على المضمون الذي يدركه الوعي، بحث يصبح الوعي إدراكاً حسياً عندما يكون موضوعه أشياء محسوسة، ويصبح فهمهاً عندما يكون موضوعه كليات ومجردات وقوانين وعلاقات، ويصبح عقلاً عندما يكون واعياً بذاته وبوحدة أفعاله المعرفية.

6-إن  لوعي ليس وعاءً يتم فيه جمع ما تتحصل عليه الحواس. فحضور الموضوع في الوعي يكون نتيجة قصد الوعي إليه. وليست القصدية (بالإنجليزية:Intentionality) هي أن يقصد الوعي إلى الأشياء الخارجية بهدف إدراكها، بل القصدية تكون نحو الموضوع الحال في الوعي بهدف معرفته وإصدار الحكم عليه.

7-أن الحكم ليس وضعاً لشئ خارجي تحت تصور أو مقولة، بل هو توجه قصدي من قبل الوعي نحو الموضوع الحال فيه منذ البداية. ونمط القصدية الذي يتوجه به الوعي نحو مضمونه هو الذي يحدد أشكال الحكم المختلفة؛ وبذلك يكون الحكم كلياً إذا قصد الوعي نحو الكلي في مضمونه، ويكون جزئياً إذا قصد الوعي نحو الجزئي؛ ويكون الحكم حول الكم إذا كان كم الظاهرة هو قصد الوعي، ويكون حول الكيف إذا كان قصد الوعي نحو كيف الظاهرة، ويكون شرطياً إذا كان قصد الوعي نحو علاقة ما بين الظواهر.

Pin It on Pinterest