المحاكاة والقهر الاجتماعى

حظيت فكرة المحاكاة أو التقليد باهتمام كبير من مفكري علم الاجتماع خلال القرن التاسع عشر, وقد أشرنا عند تناول أراء دور كايم إلى الحوار الذي دار بينه وبين جبريل تارد فيما يتعلق بأثر المحاكاة في الحياة الاجتماعية. فبينما يحفز الناس إلى تقليد بعضهم البعض, نجد أن دور كايم يصر على أن هذه العمومية ترجع إلى طبيعة الظاهرة الاجتماعية والوظائف التي تؤديها في المجتمع, والقهر الذي تمارسه على أعضائه. هذا وقد طرح هذا الحوار قضية العلاقة بين علم الاجتماع وعلم النفس, التي نوقشت في تاريخ الفكر الاجتماعي، وانعقد علم الاجتماع على الاعتراف بالتأثير المتبادل بين المتغيرات الاجتماعية والنفسية في الوقت ذاته.

وتنطوي مقدمة ابن خلدون على الكثير من الأفكار الخاصة بتأثير التقليد أو المحاكاة في الحياة الاجتماعية, وهو يطلق على هذه العملية مصطلحات كثيرة مثل المحاكاة, والتشبه, والإقتدار والتقليد, وهو يبدأ بالقول بأن التقليد ظاهرة قديمة قدم الإنسان ذاته, فيقول : « التقليد عريق في الآدميين وسليل », ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن القياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة.

ويرجع التقليد إلى أسباب نفسية أو ذاتية, فالحافز أو الدافع إلى التقليد هو نزعة داخلية تدعو الأفراد إلى تقليد بعضهم البعض, وتظهر هذه النزعة واضحة بالذات في ذلك النمط من التقليد الذي يطلق عليه ابن خلدون تقليد المغلوب للغالب, فالنفس تنتحل جميع مذاهب الغالب وتتسبه به. ذلك هو الإقتدار ومنشأ هذا الاعتقاد عن حقيقة مؤداها : أن النفس ترى الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه. ومن ثم فإن النظرة إلى الغالب تنطوي على التسليم بأنه قد انتحل من العادات والمذاهب ما مكنه من تحقيق هذا الموقف, ومن ثم يتعين محاكاة هذه العادات لما تتضمنه من كمال (26).

يجب ذكر المصدر عند الاقتباس: المحمداوي محمد جواد ،(2020):المحاكاة والقهر الاجتماعى ،استرجع من موقع عرب سايكلوجي بتاريخ: 3 مارس، 2021