المراهقة ظاهرة اجتماعية

يمكن اعتبار هذه الوجهة الاجتماعية جانبا من حركة فكرية واسعة ترى في عوامل البيئة على اختلاف طبيعتها من مادية واجتماعية القوى التي تكيف شخصية الانسان ويطبعه بطابعها ، وقد ظهرت هذه الحركة الفكرية في مذهب السلوكية كما عرضها العالم (واطسون ) وكما استمده اخرون من تجارب العالم (بافلوف) وكلتاهما ترى في الفرد جسما يستجيب للعوامل المادية في البيئة ..

حيث ينشا المراهق في مجتمعه فيتمثل في مقاييسه وقيمه فإذا كانت المقاييس والقيم موحدة فلا تكون المراهقة مرحلة الضغوط والصراعات النفسية ، اما اذا كانت المقاييس متناقضة ومتعارضة أي يوجد اكثر من مجموعة واحدة من المقاييس والقيم ومع تضاربها ببعضها فأنها تنعكس في نفس المراهق فتجعله في صراع ايها يأخذ وأيها يترك ؟ عند ذاك يمر في مرحلة التي تسمى عادة في بعض المجتمعات مرحلة الجهد والضغط (The stage of sfresses and stronise) وهناك بعض الدراسات التي تناولت اثار عوامل الثقافة السائدة في المجتمع في تطور شخصيات الناشئين حتى يقتربوا من نموذج الشخصية السائدة في ذلك المجتمع والتي قامت بها الباحثة (مارغريت ميد ) عن سكان جزيرة في جنوب المحيط الهندي تسمى (ساماوا) والتي تعتبر من اولى الدراسات التي تناولت فيها خصائص الفتاة المراهقة والفتى المراهق .

فالفتاة في تلك الجزيرة تجتاز فترة المراهقة بهدوء وسلام فلا شيء يميزها عن رفيقاتها التي سبقنها بسنتين او ثلاث سنين او ممن تسبقهن بسنتين او ثلاث في بلوغ المراهقة ، فالتغيرات الجسمية التي تطرا عليها حينذاك لا تحدث تغيرا واضحا في سلوكها وتصرفاتها وشخصيتها عامة .. فتقبل على مخالطة اقرانها من الفتيات في الاحتفالات بعد تشجيع من قبل الكبار لها وبذلك يقبل الفتيان والفتيات بعضهم على بعض وتتوثق العلاقات بينهم دون قلق او خوف .

لقد فسرت الباحثة (مارغريت ميد ) هذه المراهقة الهادئة في الانظمة الاجتماعية عامة وفي اساليب تربية النشىء على وجه الخصوص ، والى اعتدال المناخ في الجزيرة ، ووفرة الطعام ، وابتعاد هؤلاء الناس عن النزاعات والحروب ، وعن حدة التنافس والتزاحم ، وتصرفات الناس على سجيتهم ، وممارسة العمل دون قلق او تذمر يبدوا عليهم ، وعدم السعي الى التمايز وحب الظهور وينعكس هذا على تربية الصغار فلا شيء فيها يتصف بالشدة والانفعال وانما يبقى الطفل تتناوله الايدي في نطاق الاسرة في شيء من الهدوء والتقبل ، وعندما يكون صبيا يتولى رفاقه الذين يكبرونه في السن التدريب على القيام بادوار الكبار ومسؤولياتهم متى ما سمح نموه الجسمي بذلك من دون تعجل ، وهكذا تؤدي الحياة العامة في هدوئها واستقرارها الى اساليب في تربية الطفل تتصف هي الاخرى بالهدوء والاستقرار وتنتهي الى تشكيل الناشئين على غرار النموذج السائد في ذلك المجتمع

وتربية المراهق في هذه الجزيرة هو خلاف لما هو سائد في المجتمعات الصناعية المتقدمة حيث توصف فيها المراهقة بانها فترة طويلة عاصفة مضطربة وتتميز بحالات من الشدة والتوتر والقلق .

لقد اكد المجددون في التحليل النفسي والذين يعرفون باسم (الفرويديون الجدد) اهمية العوامل الاجتماعية في تكوين الشخصية وتطورها ويدعوا هؤلاء الى ان يتجه التحليل النفسي وجهة اجتماعية بدل الوجهة البايلوجية التي عرف بها ، وان يسعى الى الكشف عن بواعث السلوك الانساني التي تنشأ في المواقف الاجتماعية بدلا من التماسك في الغرائز البايلوجية .

ان الصراع كما يعتقد الفرويديون الجدد يتولد من تفاعل الطفل والعوامل الاجتماعية ومؤسساتها كالأسرة والمدرسة والمجتمع الذي يعيش فيه الطفل .

وما دامت هذه الظروف تختلف من مجتمع لآخر وتتطور من فترة الى اخرى فلا عجب ان تتولد عنها اختلافات في تطور الطفولة ، وفي ظهور بعض الحوافز الانسانية دون غيرها وظهور بعض الاضطرابات الانفعالية .

ومن الذين تزعموا هذه الحركة هي العالمة ( كارين هورني )التي اكدت على ان الصراع النفسي الذي يتولد عنه الاضطراب العصبي معظمه ناشئ من استجابات الفرد للمواقف الاجتماعية والقليل من الدوافع الغريزية .

وهي ترى ان القلق الذي يعانيه الفرد ينتج عن استجابات لعوامل البيئة القاسية المليئة بالعداء والبغضاء ، فهو يستجيب لها بالانصياع والانقياد مرة ، والتحدي مرة اخرى ، والانكماش والانطواء في حالة ثالثة ، وجميع هذه الاستجابات غير موفقة تتصارع فيما بينها ، وكلما اشتد الصراع او اندفع الفرد الى احدها بصورة قسرية نشأ العصاب .

ان لهذه الدراسات فضل على التأكيد في اهمية العوامل الاجتماعية في تطور الشخصية وتكاملها .

المعنى الثالث : المراهقة ظاهرة نفسية :

من الدراسات التي اهتمت بالعوامل الاجتماعية في تطور الشخصية هي دراسات عالم النفس (ليفين ) وهو احد اصحاب مدرسة الهيئة (الجشتالت )والتي عرفت نظريته التي توصل اليها بنظرية (المجال )والتي نشأت في ظل علم النفس الاجتماعي وهو احد الباحثين الذين يرون ان المراهقة ظاهرة نفسية في طبيعتها العامة ومن ارائه ان المراهقة تمثل بصورة عامة فترة انتقال تتميز بناحيتين :

1-اتساع نطاق المواقف التي يواجهها المراهق من مجتمع وزمان ومكان فالمراهق ينتقل في اماكن جديدة ومتعددة وهو ينظر الى المستقبل البعيد ويتطلع الى مصيره فيه وكذلك يتصل بجماعات جديدة خارج نطاق الاسرة والمدرسة .

2-غموض تلك المواقف الجديدة وعدم انتظامها في اشكال محددة ومستقرة بحيث يسهل عليه ادراكها وفهم طبيعتها .

ومن ارائه ايضا ان المراهقة تمثل فترة انتقال اجتماعي حيث يكون على المراهق ان يتجاوز عالم الطفولة الى عالم الكبار ..وكذلك يرى انها فترة انتقال فسلجي حيث تحدث للمراهق تغيرات فسلجية مهمة تتناول الوظائف التناسلية بصورة خاصة وعلى هذا يمكن استنتاج بعض الخصائص النفسية العامة للمراهق على النحو التالي :

1-عدم وضوح المواقف التي يواجهها المراهق وعدم انتظامها بصورة محددة ومستقرة مما يؤدي الى التردد والخجل وشدة الحساسية وأحيانا العدوان

2-الصراع الذي يتولد عنه التوتر الانفعالي لدى المراهق وذلك نتيجة اختلاف الاتجاهات وأساليب السلوك واختلاف القيم والمفاهيم بين اعضاء المجتمع الذي يعيش فيه المراهق

3-حالة التناقض التي يعيشها المراهق نتيجة الانتقال والتحول السريع في الجانب الفسلجي والاجتماعي ، ويحدث هذا كلما كانت الانظمة الاجتماعية تفرض تمييزا واضحا بين مرحلة المراهق ومرحلة الكبار حيث يواجه المراهق صعوبة في اندماجه بمجتمع الكبار .

ترى نظرية المجال ل(ليفين) ان النشاط الحيوي يحدث في مجال يمثل الكائن الحي احد طرفيه وتمثل عوامل البيئة الطرف الثاني وبقدر ما تكون البيئة موضوعا يدركه الكائن الحي ويستجيب لها بأنواع السلوك التكيفي توصف حينذاك بأنها بيئته النفسية وعكسها تكون فقط بيئته الفيزياوية

فالنظرية النفسية تعتبر المراهقة انواعا من السلوك يصدر عن الافراد ، وحيث لا تعتبر الفرد كائنا بايلوجيا من ناحية وكائنا اجتماعيا من ناحية اخرى ، فهي تسعى الى التوحيد بين الناحيتين .

ان النظريتين البايلوجية والاجتماعية حين دراستها للمراهقة تبدأ بالبحث عن الاسباب البعيدة للسلوك ، في حين ترى النظرية النفسية البدء بالسلوك الحالي الصادر عن الافراد سواء كانت اسبابه بايلوجية او اجتماعية او خليطا ناتجا من تفاعل كليهما كما يحدث في اغلب الاحوال .

ومن الحقائق المقررة في علم النفس ان السلوك يصدر عن الانسان بوحدته الكاملة جسما وعقلا وانفعالا ، وانه يخضع في تطوره لعوامل الوراثة وانه يتأثر بالخبرات السابقة بالمؤثرات الحاضرة معا .

وتحدد طبيعة المراهقة من وجهة النظرية النفسية بأنها مرحلة من مراحل التطور في الشخصية ، حيث يحدث التطور الجسمي والعقلي والانفعالي  ، وتكشف عن خصائص عامة في السلوك نتيجة التفاعل للعوامل البايلوجية والاجتماعية في شخصية المراهق والتي تهدف الى تكيفه لتلك العوامل وقيامه بالمهام التي تتطلبها تلك المرحلة من التطور ، ما يؤدي الى بلوغه الرشد واستمراره في التطور والتكيف .

 اهمية دراسة المراهقة :

1-تهم المراهق نفسه لمعرفة خصائص هذه الفترة من حياته واكتشاف الغموض في جوانب حياته

2-تهم الاباء لمعرفة ما يعصف بحياة اولادهم الجسمية والنفسية

3-تهم المدرسين للوقوف على مميزات المراهقة لغرض توجيه تلاميذهم وإتباع اسلم الطرق والأساليب التربوية بقصد الوصول الى ما يفيدهم ويفيد مجتمعهم

Pin It on Pinterest