المقدمات الموضوعية لظهور علم الاجتماع التربوي وتطوره

اذا كان علم الاجتماع العام هو العلم الذي يباشر الظواهر الاجتماعية بالدراسة والتحليل وفقا لأسس ومناهج البحث العلمي , فان علم الاجتماع التربوي فرع من فروع علم الاجتماع تفرد في تناوله للظاهرة التربوية بوصفها ظاهرة اجتماعية في ديناميتها وعلاقاتها مع الظواهر الاجتماعية الاخرى , وتنبع خصوصية علم الاجتماع التربوي بوصفه فرعا من فروع علم الاجتماع من خصوصية موضوعه وهذا يعني ان علم الاجتماع التربوي يعالج المسألة التربوية وفقا لمنهج علم الاجتماع العام وعلى ضوء نظرياته ومدارسه المختلفة ومما لا شك فيه ان ظهور علم الاجتماع التربوي يعود الى جملة من الظروف الموضوعية والتاريخية التي ابتدأت في القرن العشرين والتي املت على السوسيولوجيا ان تكرس نفسها لدراسة الجوانب التربوية وتقصي قانونيتها وفي هذا الخصوص يقول هنري جان Henri Janne يشكل علم الاجتماع التربوي نموذجا لقطاع علمي تطور تحت تأثير القلق الاجتماعي والغموض العلمي الخاص بجوانب المسألة التربوية واشكالياتها

لقد اخذت المدرسة والمؤسسات التربوية تلعب دورا اجتماعيا واقتصاديا متزايدا منذ منتصف القرن التاسع عشر في مجالات الحياة التكنولوجية والمهنية والعسكرية وبدأت تلامس اعصاب الحياة الاجتماعية برمتها , لقد تطور علم الاجتماع التربوي على اساس من القوة المتنامية التي تميزت بها المؤسسة  المدرسية (وهي المؤسسة التي اتسمت مهام بالغة التنوع والاهمية والتي كان عليها ان تقوم بعملية نقل وتحويل التراث الثقافي للمجتمعات الانسانية , ثم العمل على تحقيق التحول الشامل في جميع جوانب الحياة الاجتماعية ) فالتربية هي اداة المجتمع في تحقيق التحولات المطلوبة ومن هنا بالذات بدا البحث الاجتماعي يأخذ شرعيته واهميته في تناول المسألة التربوية في اطار مؤسساتها وفي خصوصية وظائفها وتقنياتها , وتلعب المدرسة في مستوياتها العليا في انتاج المعرفة  العلمية المتطورة وتحقيق الثورات التكنولوجية المتلاحقة التي اصبحت معيارا اساسيا لقياس المستوى الحضاري لتقدم الامم والبلدان وللمدرسة اهمية كبرى في مجال تحقيق الوحدة الثقافية والتجانس الثقافي في مجتمعات صناعية متطورة .

وازاء هذه الوظائف التي تلعبها المدرسة والمؤسسات التربوية بدأت المدرسة تشهد انتشارا وتوسعا لم تشهده المجتمعات الانسانية في اي من المراحل التاريخية السابقة وشكل ذلك التطور الكبير للحياة التربوية والمدرسية المنطلق الموضوعي لولادة نسق من الاشكاليات الاجتماعية الجديدة التي لم تعرفها المجتمعات الانسانية من قبل

الملامح السوسيولوجية الاولى لعلم الاجتماع التربوي :

لقد قدر لعلم الاجتماع التربوي ان يكتسب ملامحه الاولى على يد الرواد الاوائل الكلاسيكيين لعلم الاجتماع العام ولا سيما على يد دوركهايم الذي يعد ابرزهم , حيث شكلت اعمال  دوركهايم , وماكس فيبر ,وكارل ماركس ,المقدمات النظرية الاولى لولادة علم الاجتماع التربوي وتطوره ومن اجل ذلك نسلط الضوء على طبيعة هذه الاسهامات التي سنعرضها بصورة موجزة الآراء والاتجاهات النظرية والمنهجية الخاصة بالمسألة التربوية لبعض رواد علم الاجتماع ومنهم :

1-     اميل دور كهايم Durkheim-Emile 1917-1858)):

يعد المفكر الفرنسي أميل دوركهايم ، بالإضافة إلى شهرته الواسعة في مجال علم الاجتماع، واحدا من كبار مفكري التربية الكلاسيكية في فرنسا، وقد ترك بصماته الواضحة على تاريخ الفكر التربوي العام والتي شكلت اعمال دوركهايم السوسيولوجية على مستوى المنهج والنظرية والممارسة الاكاديمية المخاض الاول لولادة السوسيولوجية التربوية وتعد المحاضرات الاولى التي القاها دوركهايم في السوربون والتي بدأت عام 1902بمثابة اللحظات الاولى التي بدا فيها علم الاجتماع التربوي يأخذ صيغته ومنحاه , وقد جمعت هذه المحاضرات ونشرت تحت عنوان كتاب(التربية الاخلاقية ) وذلك بعد وفاته وتشكل هذه المحاضرات نظرية متكاملة في مجال علم الاجتماع التربوي ويضاف الى ذلك ان دوركايم ترك لنا عملين اخرين لا يقلان اهمية عن التربية الاخلاقية وهما كتاب (التربية والمجتمع ) ثم التطور التربوي في فرنسا وتعد هذه الاعمال التي سجلت في مجال النظرية الاجتماعية التربوية على وجه العموم و ولقد كان لدوركهايم الفضل الكبير في اكتساب علم الاجتماع التربوي الطابع الاكاديمي وما زال كرسي الاستاذية الذي شغله دوركهايم في السوربون منذ عام 1913تحت اسم كرسي علم الاجتماع والتربية يشكل شاهدا تاريخيا حيا على اسهامات دوركهايم :   اسهامات دوركهايم في مجال علم الاجتماع التربوي :

أ-اعطاء علم الاجتماع التربوي ملامحه الاكاديمية

ب-لقد كان لدوركهايم فضل السبق بين علماء الاجتماع الكلاسيكيين  في تحليله للعملية التربوية كجزء متكامل من نظريته الاجتماعية العامة .

ج-ان دوركهايم هو اول من اعلن بوضوح عن الحاجة الى مدخل اجتماعي لدراسة التربية وذلك في اواخر القرن 18ومطلع القرن العشرين .

يقول دوركهايم من اجل ان نعرف التربية يجب علينا ان نأخذ بنظر الاعتبار الانظمة التربوية القائمة والتي كانت قائمة من قبل وان نقارب بينها وان نميز خصائصها المشتركة , لقد استطاع دوركهايم ان يصل الى نتيجة اساسية هي ان علم التربية علم اجتماعي وذلك على مستوى المنهج والنظرية والتطبيق والتي تكمن وظيفتها الاساسية على حد قوله في تحقيق عملية التنشئة الاجتماعية .

بقي أن نقول : إن آثار دوركهايم كلها تعتبر كنزا ثمينا في مجال علم الاجتماع التربوي ، ويعتبر كتاب التربية والمجتمع إضافة رائعة وثمينة للمكتبة العربية.

-ماكس فيبر Weber Max: 1920-1864))

ينظر النقاد الى فيبر بوصفه احد رواد النظرية الاجتماعية في مجال التربية ومع ان فيبر لم يكرس لاجتماعيات التربية عملا متخصصا الا انه يمكننا العثور على نسق من افكاره التربوية في كتابه (الاقتصاد والمجتمع ) ولاسيما عندما يتعرض لمسالة العلاقة بين الانماط المثالية للسلطة والانماط المثالية للتربية وفي هذا الخصوص نجد ان فيبر يميز بين ثلاثة انماط مثالية للسلطة هي : الاولى السلطة الكارزمية * المستندة الى الالهام والتي تستند الى وجود قائد ملهم له خصائص نادرة يصبح مقتضاها زعيما ..الخ ويتمثل

النمط الثاني في السلطة التقليدية التي تستند الى قدسية التقاليد والايمان بالتقاليد المتوارثة من الماضي ، وهي مرت بمراحل في البداية  ، ثم تحولت إلى سلطة العائلة الواحدة الحاكمة ، ثم رئيس القبيلة، والملك ، والأمير, اما النموذج الثالث او الاخير فيتمثل في السلطة القانونية وفي سيادة القانون كنموذج للمجتمع الصناعي المتقدم مثلا السلطة البيروقراطية او سيادة الخبراء في هذه المجتمعات , لقد اسهم فيبر في دراسته للعلاقة العميقة بين القيم والحياة الاجتماعية كمدخل اساسي لتفسير طبيعة التطور في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ويتجلى اسهامه في كتابه (الاخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية ) حيث يحاول فيبر من خلاله ان يبين وفق رؤيته السيوسولوجية طبيعة التأثير الذي تمارسه الانساق القيمة السائدة على مجرى التطور الاجتماعي .

3-كارل ماركس Marx Karl  1883-1818))

تبدو افكار كارل ماركس واضحة في الفكر السيوسولوجي التربوي وذلك في نسق من اعماله الفكرية المعروفة , عندما نأخذ بنظر الاعتبار نظرية كارل ماركس الاجتماعية التي تنطوي على مقولتي ( البنية التحتية والبنية الفوقية ) يمكن ان ندرك بحق الاهمية الكبرى التي كرسها كارل ماركس لدراسة العلاقة السوسيولوجية بين نظام الافكار والقيم التربوية وبين الوضعية الاجتماعية التي تتمثل في نظام الانتاج الاجتماعي ,لقد اعلن ماركس بكل وضوح ان نظام الافكار والقيم الاجتماعية مرهون الى حد كبير بوضعية المجتمع الانتاجية ويضاف اسهامه في تسليط الضوء على اهمية الموازين الطبقية في العملية التربوية وعلى اهمية الانتماء الاجتماعي الطبقي في تحديد نسق القيم والتصورات التي تسود كل طبقة اجتماعية وتبدو افكار كارل ماركس في كتابه نقد برنامج غوته الى تحليل نقدي لمسألة تربية الاطفال في اطار الطبقة العاملة وذلك في المجتمعات الرأسمالية واشار الى كمية الاكراه الذي يعانيه الاباء ومدى انعكاسه السلبي على العملية التربوية للأطفال , ويشير في كتابه راس المال الى العلاقات القائمة بين الكفاءات العلمية والتكنولوجيا للعمال الماجورين ومدى تأثير ذلك على انتاج فضل .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* متمثلة بزعيم الحوزة الشيعية آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه ) شخصية فذّة تتمتع بالخصائص الروحية والمثالية التي حثّ عليها أهل البيت ( عليهم السلام) والتي تجعل منه ومن امثاله من العلماء المخلصين مظهراً جليّاً لكلمة ( عالم رباني ).

 

Pin It on Pinterest