المنهج التاريخي

يهتم هذا النوع من البحوث بدراسة الحوادث أو الظواهر التي وقعت في الماضي فيصنفها ويحللها ويعطيها التفسيرات وبذلك يمكن للبحث التاريخي إن يساعدنا على فهم الماضي  وبالتالي فهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل أيضا من خلال  ذلك 0ورغم إن المنهج التاريخي في البحث يبتعد عن المنهج العلمي والذي يعتمد عادة على الملاحظة والتجربة والقياس إلا انه يلتقي

به من جوانب أخرى من حيث الاعتماد على البيانات والأرقام للتوصل إلى الحقائق والتعميمات .(توفيق ،عبد الرزاق،1978 ،67 )

وبما ان البحث التاريخي لا يقتصر على جمع البيانات وترتيبها وإنما على التحقق منها أيضا وتفسيرها والوصول بواسطتها الى التعميمات فقد أصبح مزاولة مثل هذا النوع من البحوث ليس بالأمر السهل اليسير بل يحتاج إلى خبره.

كما ان عملية جمع البيانات والحصول عليها من مصادر وثيقة يعتمد عليها تعد صعوبة كبيره بحد ذاتها . اذ كيف يستطيع ان يحكم الباحث على المصدر الجيد وماهي سماته ومواصفاته.

ونظرا لاستحالة استقدام أسلوب الملاحظة والتجريب في البحث التاريخي نظرا لان الإحداث قد وقعت في عهد مضى لا يستطيع الباحث إعادتها لذالك فانه يجد صعوبة كبيره في تفسير البيانات ونتائج بحثه ، فهو يعمد عادة الى وضع جمله من الأسباب التي تسهم في تفسير ذالك .

(الاسدي ، 2008 ، 48)

عرف المنهج التاريخي عده تعريفات منها :

(وهو المنهج الذي يهتم بجمع الحقائق والمعلومات من خلال دراسة الوثائق والسجلات والآثار للمواقف والأحداث والظواهر التي مضت عليها مده من الزمن ) (عباس ،وآخرون،2006، 73)

(وهو الطريقة التاريخية التي تعمل على تحليل وتفسير الحوادث التاريخية  ،كأساس لفهم المشاكل المعاصرة والتنبؤ بما سيكون عليه المستقبل)

ومن التعريفات التي تتميز بالدقة (هو مجموعه الطرائق والتقنيات التي يتبعها الباحث التاريخي والمورخ ، للوصول إلى الحقيقة التاريخية وإعادة بناء الماضي بكل دقائقه وزواياه ، وكما كان عليه في زمانه ومكانه وبجميع تفاعلات الحياة فيه وهذه الطرائق قابله دوما للتطور والتكامل مع مجموع المعرفة الانسانيه وتكاملها ) (الدليمي ، وعلي الرحيم، 2013، 136)

ويمكن تعريف المنهج التاريخي بأنه دراسة مشكله في الماضي تتطلب جمع بيانات تاريخيه ، تكون أساسا للبيانات التي يتم تحليلها  (ابو علام، 2011 ، 314)0

أهمية المنهج التاريخي :

يؤكد كوهين ومانيون على أهمية المنهج التاريخي لأنه يوجد الكثير من التقارب بين المنهج التاريخي والبحوث التطبيقية في العلوم الانسانيه والاجتماعية من حيث إعادة بناء وتركيب الماضي وتشخيصه وحل مشاكله ، كما أنها تشترك في بحثها عن الموضوعية والتقليل من التحيز الشخصي والذاتية ، كذلك فان البحث التاريخي يتميز بمحاولة الإحاطة بعالم الإنسان الماضي ومحاولة شرحه برؤية ترتكز على نموه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي0

ويحقق البحث التاريخي أهميه كبيره في مجال البحوث التربوية والمجالات الأخرى لان المنهج التاريخي يستطيع الكشف عن الأصول الحقيقية للنظريات والمبادئ العلمية ، والكشف عن المشكلات التي واجهتها البشرية في الماضي ، وتحديد العلاقات بين ظواهر الماضي والمشكلات التي ترتبت عليه بطريقه تسمح إلى التوصل إلى استنتاجات وتعميمات علميه دقيقه حول الماضي 0 ويشير كوهين ومانيون إلى إن البحث التاريخي يحقق الفوائد الآتية :

1ـ حل مشكلات الحاضر والمستقبل

2ـ إلقاء الضوء على اتجاهات الحاضر والمستقبل

3ـ التأكيد على التفاعلات التي تحدث بين الحضارات والثقافات المختلفة

4ـ إتاحة ألفرصه لإعادة النظر في المعرفة الحاضرة حول الماضي من نظريات وتعميمات ومحاولة تعديلها وتصويبها 0  (المنيزل، والعتوم، 2009، 189)

عناصر ومراحل المنهج التاريخي :

يتألف المنهج التاريخي من عناصر ومراحل متشابكة ومتداخلة ومترابطة ومتكاملة ،في تكوين بناء المنهج التاريخي ومضمونه ، وهي :

1ـ تحديد المشكلة العلمية التاريخية

2ـ جمع وحصر الوثائق التاريخية

3ـ نقد المادة التاريخية

4ـ تفسير البيانات

5ـ كتابة تقرير البحث

أولاـ تحديد المشكلة العلمية التاريخية :

   إي تحديد المشكلة أو الفكرة العلمية التاريخية التي تقوم حولها التساؤلات والاستفسارات التاريخية الأمر الذي يؤدي إلى تحريك عملية البحث التاريخي ،لاستخراج فرضيات علميه تكون الاجابه الصحيحة والثابتة لهذه التساؤلات وتعد عملية تحديد المشكلة تحديدا واضحا ودقيقا من أول وسائل نجاح البحث التاريخي في الوصول إلى الحقيقة التاريخية 0 لذا يشترط في عمليه تحديد المشكلة الشروط التالية :

أـ يجب إن تكون المشكلة معبر   ة عن العلاقة بين متحولين أو أكثر

ب ـ يجب إن تصاغ المشكلة صياغة جيدة وواضحة وكاملة

ج ـ يجب إن تصاغ المشكلة بطريقة جيدة ملائمة للبحث العلمي التجريبي والخبري

أـ يجب إن تكون المشكلة معبرة عن العلاقة بين متحولين أو أكثر

ب ـ يجب إن تصاغ المشكلة صياغة جيدة وواضحة وكاملة

ج ـ يجب إن تصاغ المشكلة بطريقة جيدة ملائمة للبحث العلمي التجريبي والخبري

 ثانيا ـ جمع وحصر الوثائق التاريخية :

  بعد عملية تحديد المشكلة تأتي مرحلة جمع كافة الحقائق والوثائق المتعلقة بالمشكلة ،وذلك عن طريق حصر وجمع كافة المصادر والوثائق والآثار والتسجيلات المتصلة بعناصر المشكلة ، ودراسة وتحليل هذه الوثائق بطريقة علمية للتأكيد من صحتها وسلامة مضمونه ونظرا لأهمية وحيوية هذه المرحلة أطلق البعض على المنهج التاريخي اسم (منهج الوثائق) فالوثائق التاريخية هي جوهر المنهج التاريخي 0 (الدليمي، 2012، 162)

ثالثا ـ نقد المادة التاريخية:ـ وهي التعرف على مدى صدق هذه المصادر وتنقسم الى :

أـ النقد الداخلي :وهو التحقق من صحة ما تحتويه الوثيقة من معلومات وينقسم بدوره إلى

 ـ التحليل الداخلي الايجابي :وهو إدراك كل عنصر على حدة وذلك للوقوف على المعنى الحقيقي الذي يهدف إليه النص 0

ـ التقويم الداخلي السلبي : يهدف إلى معرفة الظروف التي وجد فيها كاتب الوثيقة وقت تسجيلها إي التأكد من أمانة ونزاهة المؤلف كاتب الوثيقة ودقة لغتها ومنطقيتها 0

ب ـ النقد الخارجي : وهو التحقق من ” هل ما لدينا من الوثائق يمكن الوثوق بها أم لا ” وهنا يجب التحقق من إن الشكل والبناء والمعلومات تتوافق مع عصر ظاهرة البحث أم لا ؟ وهل الوثيقة أصلية أم مزوره ؟ والنقد الخارجي هو نقد لهوية أو أصل الوثيقة وبالتالي التعرف على كيف كتبت ؟ ولماذا كتبت ؟ ومتى كتبت ؟

            أمثلة لبعض الأسئلة المتعلقة بالنقد الداخلي والخارجي

             النقد الداخلي        النقد الخارجي
ـ هل تتصف المعلومات بالمنطقية ؟ـ هل كتب الوثيقة بلغة العصر الذي تنتمي الية؟
ـ هل المؤلف مؤهلا للكتابة في هذا الموضوع؟ـ هل هنالك تغير اوشطباوحذف في الوثيقة؟
ـ هل هناك مؤشرات على موضوعية كاتب الوثيقة؟ـ هل كتبت الوثيقة بطريقة منسجمة مع ما توفر من مواد في حينه؟
ـ هل هنالك تناقض في محتويات الوثيقة؟ـ هل زمن الوثيقة منطقي؟
ـ هل تتفق محتويات الوثيقة مع ما كتب في نفس العصر؟ـ هل تتحدث الوثيقة بلغة عصرها؟

(المنيزل ،والعتوم  ،2009، ص 193)

 

 

رابعا ـ تفسير البيانات :

وفي هذه الخطوة يقوم الباحث بتنظيم البيانات التي جمعها بشكل يعينه على استخلاص الأفكار والتعميمات منها ويعطي التفسيرات لها 0 وغالبا ما يلجا الباحث إلى إعطاء أكثر من تفسير واحد للظواهر التي يدرسها مستخدما سعة الأفق وقوة المنطق والحجة والاعتماد على الموضوعية والدقة والامانه مبتعدا قدر الإمكان عن المغالاة والتطرف في إصدار الإحكام والتعميمات 0

خامسا ـ كتابة تقرير البحث :

وفي هذه الخطوة يقوم الباحث بكتابة تقرير بحثه ملخصا الخطوات التي مر بها من حيث تحديد مشكلة البحث والفروض التي وضعها والبيانات التي جمعها والنتائج التي وصل إليها والتوصيات والمقترحات التي جاء بها 0 وفي كتابة هذا التقرير على الباحث إن يستخدم الأسلوب الواضح لمفهوم البعيد عن الإسهاب الممل أو التركيز المخل بالمعنى مستشهدا قدر الإمكان بآراء الغير ممن يعتمد عليهم في عرض أفكاره وتفسير نتائج بحثه 0 (الاسدي ، 2008، 50 )

أنواع مصادر معلومات المنهج التاريخي :

أولا: المصادر التمهيدية

تستخدم كفهارس للمصادر الثانوية والمصادر الأولية 0 وتتضمن المصادر التمهيدية قوائم بأسماء الكتب والمجلات وغيرها من الوثائق حول الموضوع الذي نبحثه ومعظم المصادر التمهيدية في حقل التاريخ عبارة عن فهارس للمصادر الثانوية ، كما إن بعض هذه الفهارس يعطي قائمة ببعض المصادر الاوليه 0 وكما هو الحال في المجالات الأخرى يبدأ البحث عن المصادر التاريخية بالمصادر التمهيدية0 (ابو علام ،2011، 318)

ثانيا :المصادر الأولية

وهي المصادر التي تتعلق بالموضوع بطريقه مباشره مثل أسماء الكتب والرسائل والأطروحات أو قد يكون المصدر شاهد عيان حضر الحادث 0(عباس ، وآخرون ،2006، 74)

وهناك أربعة أنواع للمصادر التاريخية الأولية وهي :

1ـ السجلات المكتوبة

2ـ السجلات الكمية

3 ـ التسجيلات الشفوية

4 ـ الآثار

وأكثر المصادر التاريخية شيوعا هي المصادر المكتوبة او المطبوعة وهذه يطلق عليها أحيانا الوثائق أو السجلات 0 وهناك إشكال متنوعة لهذه المواد مثل المذكرات اليومية ، والسجلات القانونية ،وشهادة المحكمة ، والصحف اليومية ، والدوريات، والسجلات التجارية ،وتقارير اللجان ، وملفات المؤسسات والاختبارات 0وقد تكون هذه المواد مخطوطه (مكتوبة بخط اليد ) ، أو مكتوبة بالآلة الكاتبة ، وقد تكون منشوره أو غير منشورة 0وبعض هذه السجلات عامة يمكن لأي فرد الاطلاع عليها وبعضها الأخر سري محدود الاستخدام 0

وعند تحقيق أصالة الوثائق لابد من التميز بين الوثائق المقصودة والوثائق غير المقصودة 0 فالوثائق المقصودة هي الوثائق التي كتبت لكي تكون سجلات للماضي ، مثل التقارير السنوية والمذكرات 0 اما الوثائق غير المقصودة فهي تلك الوثائق التي يقصد بها الاستخدام الفوري أو الاغراض المباشرة ، مثل السير الذاتية والاختبارات التي يضعها المدرسون وغيرها 0ولا يتوقع استخدامها كسجلات تاريخية في أوقات لاحقه 0

ومن المصادر الأولية السجلات الكمية وهي السجلات التي تحتوي على بيانات رقمية عن ظاهرة تربوية او نفسية ، مثل سجلات التعداد ، وسجلات الحضور والغياب في المدارس ، ودرجات الامتحانات والاختبارات وغيرها من الوثائق التي تحتوي بيانات كمية 0 وهذه كلها تعتبر مصادر لها قيمتها للباحثين التاريخين 0

والنوع الثالث من المصادر الأولية المصادر الشفوية ومنها الخطب والقصص والدوريـــــــــات وغيرها من اللغة المسموعة 0 ويجري بعض المؤرخين مقابلات فرديه شفوية مع بعض الإفراد الذين كانوا شهود عيان لحدث ذي أهمية تاريخية ، أو كانوا مشاركين فيه 0

ويتضمن النوع الرابع من المعلومات وهي الآثار أية أشياء حسية أو بصرية وتحتوي عـــــــلى معلومات عن الماضي 0 فالمباني المدرسية والأثاث المدرسي والخطط الهندسية لإنشاء المباني المدرسية ، والكتب المدرسية والمعينات السمعية والبصرية ، تعتبر عينات اللاثار التي يمكن إن يدرسها المؤرخون 0(ابو علام ،2011، 319 )

المصادر الثانوية :

وهي المصادر التي تأخذ من المصادر الأولية وتعيد تسجليها أو نشرها كما يحدث في المراجـع التربوية العامة كالكتب والصحف والمجلات والنشرات 0والاعمال الفنية ولأدبية كالقصــــــص والشعر والأمثال الشعبية  والرسومات ،والتسجيلات الإذاعية والتلفزيونية والسينمائية ،وعادة ما تكون المصادر الثانوية في غير الحالة التي تم تسجيلها في المصادر الأولية0 (المنيزل ، والعتوم،2009،192).

الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الباحثون

1ـ يختار الباحث مشكلة أو موضوعا من مصادر تاريخية ليست سهلة المنال أو غير موجودة 0

2ـ يعتمد الباحث اعتمادا شديدا على المصادر التاريخية الثانوية 0

3ـ يفشل الباحث في إخضاع المصادر الثانوية للنقد الداخلي والنقد الخارجي0

4ـ لا يعي الباحث القيم الشخصية والتحيزات والميول التي توثر بدورها على اختبار المصادر التاريخية وتفسيرها0

5ـ يستخدم الباحث مفاهيم من مواد معرفية أخرى في شرح إحداث ماضيه بشكل غير ملائم0

6ـ يكون الباحث استدلالات سببية لا مبرر لها أو انه يشير إلى عامل معين باعتباره السبب (The cause) أكثر من اعتباره سبب A cause)) 0

7ـ يضع الباحث الحقائق ضمن قائمة دون مراعاة لتركيبها الزمني والدلالي (غباري،واخرون، 2009، 167ـ168 )

نقد وتقيم النهج التاريخي:

من ايجابيات المنهج التاريخي انه

1ـ يعتمد المهج التاريخي على المنهج العلمي في تقديم البحوث 0

2ـ النقد الداخلي والخارجي لمصادر جمع البيانات الأولية والثانوية 0

3ـ قليل التكلفة في جمع البيانات 0

عيوب المنهج التاريخي0

 1ـ نتيجة لارتباط هذه النوعية من البحوث بظاهرة حدثت في الماضي فيجعل من المتعذر التأكد بشكل قاطع من أنها حصلت بهذه الكيفية أو تلك

2ـ التحليل الكيفي للمعلومات الذي يعتمد على استنتاج البراهين والأدلة التاريخية من المصادر فليس هنالك مقياس علمي دقيق لتقرير صدق ذلك التقرير أو عدم صدقه0

Pin It on Pinterest