اولا: النظرية السلوكية: Behaviorist Theory

بدأت النظريات السلوكية بالثورة على علم النفس التقليدي وذلك برفضها لمنهج الاستبطان في البحث، معتمدة على المنهج التجريبي المخبري. ومن رواد هذه الاتجاه إيفان بافلوف صاحب نظرية التعلّم الشرطي الكلاسيكي، وسكنر صاحب نظرية التعلم الشرطي الإجرائي ونظرية التعليم الذاتي المعزز وفكرة التعليم المبرمج، وإدوارد ثورندايك صاحب نظرية المحاولة والخطأ، والذي أضاف قانون انتقال الأثر والتدريب، وتولمان الذي نجح في المزج بين أفكار المجال والسلوكية. ويعتبر بافلوف رائد المدرسة السلوكية التقليدية ومنشئها في روسيا، وواطسون منشئ السلوكية التعلمية في أمريكا عام 1912-1914.

يركز أصحاب هذه النظرية على السلوك الظاهري اذ يرى أصحاب هذه النظرية أن السلوك – بما في ذلك السلوك الغوي – ارتباط بين مثير واستجابة، وبالتالي يكون المعنى هو الارتباط القائم بين المثير القادم من العالم الخارجي والاستجابة اللفظية للفرد، وهذه النظرية تتفق مع أصحاب النظريات البيئية التي تهتم بالجوانب البيئية في تفسير السلوك الإنساني ومن روادها كما ذكرنا مقدما  ”  واطسن سكنر وبافلوف ثورندايك ….الخ، وقامت هذه المدرسة بتفسير السلوك اللغوي تفسيراً آلياً اعتماداً على مصطلحات( المثير والاستجابة) المشتملة في عملية الكلام.

ان النظريات السلوكية لديها افتراض عام بأنه ينبغي أن نولى الاهتمام بالسلوكيات القابلة للملاحظة والقياس.  ولا يركزون اهتمامهم على الأبنية اللغوية، والمشكلة الأساسية في هذه المنظور هي أنه نظراً لأن الأنشطة العقلية لا يمكن أن ترى، فإنها لا يمكن أن تعرف وتقاس.

كما ان المنظرون السلوكيون يرون أن الطفل يكون سلبياً خلال عملية تعلم اللغة فالطفل يبدأ الحياة بحصيلة لغوية خاوية ثم يصبح الطفل مستخدما للغة في بيئته.  لذلك يتفق السلوكيين جميعاً في أن البيئة هي العامل الحرج والأكثر أهمية في عملية الاكتساب، ويؤكدون على الاختلافات التي تحدث بواسطة البيئات الواسعة الاختلاف للأطفال أثناء فترة اكتساب اللغة.

ان من طليعة المنظرين السلوكيون هو العالم ” سكنر ” ( الاتجاه السلوكي الاجرائي الاشراطي)الذي ركز على جوهر المذهب السلوكي  في اللغة، اذ  يرى اللغة سلوك ومثلها مثل الأنماط الأخرى للسلوك الإنساني ، إنها تعلم عن طريق عملية تكوين العادة.

والعادة تتضمن على تلك المكونات الأساسية:

  • الطفل منذ الصغر يقلد الأصوات والأنماط التي يسمعها حوله.
  • الناس تتعرف وتدرك محاولات الطفل من حيث تشابهها مع كلام البالغ وتدعم وتكافئ الأصوات عن طريق الاستحسان أو أي رد فعل محبوب آخر.
  • ان المكافآت كلما كانت أكثر كلما يكرر الطفل الأصوات والأنماط ، ومن هنا تصبح عادة.

وعلى هذا الأساس يشكل سلوك الطفل الشفهي حتى تتطابق العادات مع نماذج الشخص البالغ. وبإطار العمل النظري هذا فإن تعبيرات الطفل لا ترى على أنها نظام معالجة بالطريقة الصحيحة بل ترى على أنها نسخة خطأ لكلام البالغ، فالأخطاء هي ببساطة نتيجة التعلم غير التام، عملية تكون العادة لم تكتمل بعد بشكل صحيح  .

ويرى ” سكنر ” أنه حتى يتم تحليل السلوك اللغوي تحليلاً دقيقاً يجب أن تدرس كل العوامل المؤثرة في ذلك السلوك من خلال أدوارها كمؤثرات واستجابات كل كلام منطوق – في الغالب – يتبعه استجابة لفظية وغير لفظية، فالسلوك اللغوي عند ” سكنر ” لا يمكن أن يدرس إلا في ضوء البيئة المحيطة بمستعملها، أي بمراقبة العوامل الخارجية، ومن هذه العوامل الخارجية عامل الشيوع أو التكرار، الذي يؤدى إلى كثرة استعمال لفظ بعينه في بيئة الطفل.  فالطفل من وجهة نظر السلوكيين يقلد السلوك اللفظي في بيئته إلى حد بعيد.  وهم يعطون التقليد أو التكرار أهمية عالية في تعلم اللغات ويترتب على هذا أن الكلمات والتراكيب التي تحظى بالشيوع في بيئة الطفل تلعب دوراً مؤثراً في التطور اللغوي لذلك الطفل.

ويضاف للشيوع بعد التعزيز لأنه يساهم في الوصول بالطفل إلى مستوى الاحتراف، لذا يتمتع التعزيز الذي يبديه الوالدان بدور فعال في العملية التعليمية لدى الطفل.  فعندما يقدم الطفل سلوكاً لغوياً مفهوما في البيئة المحيطة ويقوم الولدان بالتعزيز لذلك السلوك، يؤدى هذا إلى تشجيع السلوك اللغوي المنتظم، الموافق لقواعد السلوك المنطوق.

ان المنظرون السلوكيون وعلى رأسهم سكنر اكدوا بأن اللغة إنما تكتسب كلها بالتعلم، ومن جهة النظر هذه فإن معظم ما يتعلمه الطفل إنما يأتي من التقليد للكبار.  ونظراً لتعزيزهم ( الكبار) ما يصدر عن الطفل من ألفاظ وكلمات فالسلوك اللغوي لا يختلف عن أي سلوك آخر، ويتعلمه الطفل بالطريقة ذاتها أي نتيجة التقليد والتعزيز الذي يتلقاه الطفل على قيامه بسلوك ما.

ويرى ” سكنر ” أن اللغة عبارة عن مهارة ينمو وجودها لدى الفرد عن طريق (المحاولة والخطأ)، ويتم تدعيمها عن طريق (المكافأة) وتنطفئ إذا لم تقدم المكافأة، وفى حالة استخدام اللغة فإن المكافأة قد تكون أحد احتمالات عديدة، مثل التأييد الاجتماعي أو التقبل من الوالدين الآخرين للطفل، عندما يقدم منطوقات معينة خصوصاً في المراحل المبكرة من الارتقاء.

ولأن المدرسة السلوكية ترى أن اكتساب اللغة يتم بطرق مشابهة لتعلم الاستجابات غير اللغوية عن طريق المحاكاة (Imitation) الترابط والاقتران (Association) الاشتراط (Conditioning) التكرار (Repetition) التدعيم أو التعزيز (reinforcement) يتضح ذلك جلياً  من وجهات النظر التي يطرحها سكنر في تعلم اللغة، اذ أوضح أن معنى اللفظ يحدث من خلال الاقتران التكراري بين مثيرين كفيل بحدوث الاستجابة اللغوية بمعنى أن اللفظ ينشأ من عملية اقتران بين اللفظ والمثير الشيء الدال على هذا اللفظ، وهذا يعنى أن المثيرات اللفظية (أصوات كلامية) تقترن مع مثيرات شيئية اقتراناً منتظماً متكررا. وكمثال على ذلك لفظ كلمة (ماما) و( بابا ) فان تكرار لفظ (ماما) والذي يتزامن مع تكرار ظهور الام  امام الطفل سوف يعزز ذلك اللفظ لدى الطفل . وكذلك في المدرسة او قبلها فكلمة كتاب عندما يتم اقترانها مع الكتاب يترسخ لفظ كتاب لدى الطفل .

اهم أفكار المدرسة السلوكية حول اكتساب اللغة .

  • يتعلم الأطفال اللغة بالتقليد والتكرار وهي (اللغة) مجموعة من العادات.
  • اللغة نظام منطوق قبل أن يكون مكتوباً.
  • تلعب البيئة دوراً أساسياً في نمو اللغة.
  • عن طريق المحاكاة، الترابط، الاشتراط، التكرار، والتدعيم يتم اكتساب اللغة ويتم ذلك بطرق مشابهة لتعلم الاستجابات غير اللغوية.
  • اللغة هي سلوك يمكن تعلمه باستثارة الأطفال لهذا السلوك.

ويلاحظ أن البيئة في المدرسة السلوكية تؤدي دورا مهما في تشجيع الطفل على الحديث….     فهي المانحة الأولى (للخبرات والمهارات والمعلومات) وهذه البيئة هي التي تهيئ الطفل (لغوياً) للدخول للمدرسة والتعامل مع أقرانه فإذا كانت لغته موازية لما لديهم من رصيد كان سهلاً عليه التعامل معهم، أما إذا كان رصيده اللغوي فقيراً عنهم فإنه يشعر بأنه أقل منهم، الأمر الذي يجعله (خجولاً) أو (منطوياً) غير منطلق في التعبير عن مشاعره وأفكاره….     ومن هنا كان على الأهل الحرص على تطوير لغة الطفل وعدم تعليمة كلمات (مبتورة الحروف)، وعلى الآباء أن يتحدثوا مع أطفالهم بوضوح، وهدوء، وبعبارات سهلة تتناسب والمستوى العقلي لأطفالهم.

لكن ما يدعونا للاعتراض على تلك النظريات الحقائق التالية :-

* إذا كان اكتساب اللغة من طرف الصغار يقوم على ملاحظتهم للكبار وتقليدهم، فكيف نفسر العدد الكبير من الجمل الجديدة التي يأتي بها الأطفال مما لا شبيه له فيما يقول الراشدون؟

* إذا كان التعزيز هو أساس ترسيخ السلوك عند الصغار، فإنه يحق لنا التساؤل عن الأثر الحقيقي لهذه الآلية في النمو اللغوي علما بأن الآباء قلما يولون اهتماما لما يقع فيه أبناؤهم من أخطاء في قواعد التركيب اللغوي.