تداعيات الازمة الاسكانية

ان الازمة الاسكانية ، لا تقف عند حد عدم ضمان القاعدة السكنية لايواء الاعداد المتزايدة للسكان ، وانما تتعدى ذلك مسببة لنا جملة من المشكلات او التداعيات ، التي تؤثر في بنية المكان الحضري اولا ، متحولة به الى مكان مضطرب مورفولوجيا (شكليا) ، واستنزاف لقدرات البيئة الحضرية ثانيا ، سواء في مستوى الخدمات ، او تدهورا للبيئة وتلوثها والذي سنتحدث عنه لاحقا .

اننا امام بدائل اكثر اساءة للمكان والانسان ، تلك هي تتمثل في استيطان بشري عشوائي ، وهو خيار وحيد يلجأ اليه المهاجرون للتجمع ، فغزو اماكن شيدوا فيها مساكن متداعية مؤقتة ، تتكون ـ كما يذكر ـ من صناديق التعبئة ، وقماش القنب ، وصفائح النفط المسطحة ، والواح الحديد المموجة ، والخيزران والحصيرة ، وقد اصطلح في الثقافة الشعبية على المساكن العشوائية بـ ” مدن ـ الاكواخ ” ، و ” الصرائف ” . ففي (تشيلي ) تدعى ” كالامباس ” كونها تنمو كالفطر ، وفي تركيا تدعى “كجكوندو” بمعنى انها وضعت ليلا ، وشيدت بين عشية وضحاها ، وفي بنما ، تدعى ” بارياس بروياس ” فهي تبدو وكانها خلقت بفعل السحر ، وفي المكسيك ، يوصف المهاجرون الجُدد بـ ” باراجيدستا ” ” المظليين ” ، لانهم يظهرون وكأنهم ” يسقطون من السماء ” . اما في افريقيا الشمالية ، تدعى المستوطنات بـ ” بيدونفيل ” ، لانها تبنى من الـ ” بيدون ” ” صفائح ـ البترول ” (..) (ورسلي ، بيتر ، ص24 ) .

ان هذا النوع من السكن ، يمثل ردة فعل لما يعانيه الانسان من فقدان للمأوى ، وهي تبدو اكثر وضوحا كلما اوغلنا في حياة المجتمعات النامية ، او مجتمعات العالم الثالث ، وليس بغريب ان نجد اشكالا متنوعة اخرى من النمط العشوائي للاسكان ، لا سيما في البلاد العربية ، التي يزداد فيها السكان زيادة مخيفة للحد الذي لا يمكن معه استيعاب تلك الزيادة . ففي تونس ، هنالك انتشار واسع لنوع من السكن ” العفوي ” ، ويوصف بالاحياء القصديرية ، او بمعنى ” التنك او الصفيح ” (Bidonvilles , Slums ) ، ويذكر ان هذه الاحياء ، اصبحت تشكل اكثر من ثلث سكان المدن الكبيرة ، وما يقرب من نصف السكان ، ويعزى ظهور هذه الاحياء في دول الشمال ـ افريقية الى تدهور القواعد الاقتصادية للمجتمعات الريفية ، مما انتج نزوحا جماهيريا ، ولد بدوره مدينة غير متوازنة ازدادت خطرا بالنمو الديمغرافي الذي اصبح محتوما ، اعتبارا من الحرب العالمية الثانية  (السطنبولي ، د. فرج ، ص39) . وفي مصر ، فان نمط السكن العشوائي في اوضح صوره ، وهو يرجع في نشأته التاريخية الى القرن التاسع عشر ، نتيجة للاهتمام المتزايد بالصناعة ، والهجرة المتزايدة من الريف الى الحضر سعيا وراء الرزق ، ومع مرور الوقت ، اصبح الحضر غير قادر على استيعاب الاعداد المتدفقة من السكان (…) ، واصبحت قضية المناطق العشوائي من اخطر القضايا في المجتمع المصري ، وقد تنبه الى هذا الخطر خاصة بعد حدوث زلزال اكتوبر (1992) ، وايضا تفشي ظواهر الارهاب والتطرف والظواهر الاجرامية الاخرى (مصطفى ، دة. علا و اخرون ، ص2 ) . وتتنوع انماط العشوائيات في المجتمع المصري بتنوع صور الحياة وتعددها ابتداءً بالشكل الفيزيقي للمكان ونمطه الايكولوجي ، وانتهاءً ببنيته الاجتماعية واطاره الثقافي ، مرورا بهيكله الاقتصادي وموارده المادية ، ولعل نمط ” العشش” بعد نمطا صريحا ونموذجيا للسكن العشوائي ، وبوصفه مجسدا لنوعية حياة متدنية بكافة ابعادها ، الامر الذي يكشف بوضوح عن بنية ” المجتمع العشوائي ” في اوضح صوره وملامحه (الكردي ، د. محمود ، ص1) .

لا شك ، ان نمط السكن العشوائي ، يتمتع بسمات اجتماعية واقتصادية وثقافية مغايرة الى حد كبير عن خصائص المجتمع الحضري . ويذكر برنار حرانوتييه ، ان المساكن العشوائية تقل او تنعدم فيها المرافق الشبكية الاساسية ، خاصة فيما يتعلق بالمياه وبالصرف الصحي . ففي البحث الذي قام به كل من سوزان ودافيد موريل في (1972) عن منطقة كلونج توى Klong Toey ، في بانجوك ، اتضح ان السكان الذين يبلغ عددهم (30000) نسمه لا يتمتعون بالمياه النقية ، وان (94%) من بينهم يستخدمون الدلاء في نقل الماء ، وان (2%) فقط تحتوي مساكنهم على مراحيض ، وبديهي ان التخلص غير المناسب من الفضلات الادمية يؤدي الى انتشار الامراض المعدية ويحول البيئة الى وسط غير صحي ، وكما يؤدي تلوث المياه المستخدمة او النقص في الامداد او التصريف الى انتشار امراض خطيرة مثل الكوليرا والملاريا وحمى التيفود والباراتيفود ، فحينما انتشر وباء الكوليرا في تنزانيا بين عامي ( 1977ـ 1978 ) كانت معظم حالات الاصابة من بين سكان مستعمرات وضع اليد في العاصمة (حرانوتييه ، برنار ، ص129) . وينضاف الى هذه المشكلات ، مشكلات اجتماعية اشد وطأة ، اذ يكون التفكك الاجتماعي على اشده في مدن الصفيح ، فرغم اهمية الوظيفة الانتقالية التي تتولاها تلك المناطق ، الا ان البؤس يظل دائما لعنة تودى بالكرامة الانسانية . فما الجريمة والبغاء والنسب المرتفعة من الامهات غير المتزوجات وتعاطي الخمور والبطالة ، الا مظاهر ضمن اخرى تتصف بها مناطق السكن العشوائي . كما ان الفشل في التكيف مع الوسط الصناعي والحضري يتمخض عن امراض عقلية تصيب بعض الوافدين من الريف فتحيلهم الى منبوذين وشريحة متدنية (المصدر نفسه ، ص32 ) . والذين يعبر عنهم باصطلاح ” ما دون الطبقة ” Under Class ، كمفهوم اجتماعي واقتصادي في الان معا (Schaefer T. Richard , p.216 ) . وتخضع النساء في المناطق العشوائية الى ظلم الرجال عليهن ، اذ يعيش الرجل حياة كلها قسوة ومعاناة فيمارس انتقامه ممن لازال يقوى على الانتقام منه ، فعقاب المراة على انها حملت عدة مرات متقاربة ، وضربها من حين لاخر يعد امرا عاديا (..) ، ومن المظاهر السيئة في هذه المناطق ازدياد درجة التزاحم في الغرفة الواحدة ، ففي كراتشي ، يصل التكدس الى الحد الادنى ، اذ يذكر ، ان (4%) من الاسر يعيشون بمعدل (10) اشخاص او اكثر في الغرفة الواحدة ( حرانوتييه ، مصدر سابق ، ص132).

ان رؤوس الجسر ، كما عبر (تيرنر ) عن ذلك في وصفه للمهاجرين الجُدد ، هم في الغالب صغار في السن ، وعزاب وذكور ، ويبحثون عن فرص افضل للعمل في المدينة ، ومن ثم ، فهم اكثر قابلية للاعمال الدنيا غير الرسمية المتوافرة في وسط المدينة (النعيم ، دة. عزيزة عبدالله ، ص74 ) . ولتأكيد العلاقة بين ظهور المجتمعات العشوائية والفقر عموما ، قدم شما جاشلبير Cheema Gshalbir سنة 1987 ، دراسة بعنوان ” فقراء الحضر ” مشيرا الى ان في هذه المجتمعات ، يزداد الحرمان من ابسط الحاجات الاساسية ، وان الاسر غير القادرة على الوفاء باحتياجاتها هو كنتيجة للفقر الذي تعاني منه ، بجانب عدم توافر الخدمات الخاصة بالسكن والماء والكهرباء (حبيب ، د. جمال شحاته ، ص331) . الى جانب الخصائص المادية والاجتماعية لسكان المناطق العشوائية ، فان الفقر في هذه المناطق يتعمق اكثر ويتنوع شكلا ومضمونا اذا ما نظرنا الى الفقر كثقافة (Culture Of  Poverty ) ، ولعل الدراسة التي اجراها اوسكار لويس عن الاسر المكسيكية الخمس عام 1909 ، جعلتنا ننظر الى الفقر انه ثقافة تتمظهر خصائصها عند اناس عجزوا عن ايجاد مأوى لهم ، فكونوا ثقافة خاصة بهم ، تتمثل ابرز ملامحها ، في ان سكان المناطق العشوائية يؤمنون بالقدرية ويعانون من ضعف تكوين الذات ، الى جانب تداخل الادوار بين الجنسين ، والازدحام في المساكن وانعدام للخصوصية ، والشعور بالهامشية قياسا مع طبقات المجتمع الاخرى ، وغياب مشاركة سكان هذه المناطق عن التنظيمات والتجمعات الاجتماعية (…)    (See : Lewis , Oscer ) و ( للمزيد ينظر : حمزة ، د. كريم محمد ، ص58ـ 68 ) .

لا شك ، بعد هذا العرض المقتضب ، يكفينا القول : ان الازمة الاسكانية قدمت حُزمة من التداعيات الخطيرة ، لعل في مقدمتها ، ذلك النمو السرطاني الواسع ، الذي ينتشر كمناطق ظهير للمدينة ، ومن ثم اصبحت بيئة لها خصوصيتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، هكذا اذاً ، فان الحال يعبر عن ازمة تتجسد في تدهور واضطراب المدينة عموما في دول الجنوب .

Pin It on Pinterest