تصنيف حقوق الإنسان

تصنف حقوق الإنسان إلى أجيال (generations)، وذلك بالنظر إلى التدرج التاريخي الذي حصَّل فيه إنسانُ الحضارة الغربية حقوقه ، وذلك على النحو التالي

  • الجيل الأول : الحقوق المدنية والسياسية :

وهي الحقوق المرتبطة بالحق في الحياة، والحرية، والأمن ، وعدمِ التعرض للتعذيب ، والحق، في المشاركة السياسية ، وحرية التعبير والضمير والدين والاشتراك في الجمعيات ..

وقد ارتبط هذا الحق بنشأة الدولة القطرية حيث صار لكل شعب دولته ، ولكل دولة الحق في أن تقبل الأجانب على أرضها أو تمنعَ إقامتهم كأثر من آثار السيادة؛ وعليه فإن منح المواطن حق الجنسية ، وما يتفرع عنها من حقوق للمواطن تجاه دولته يعد من ألصق حقوق الإنسان، لارتباطه الوثيق بحياة الإنسان على الأرض ، فيكف للإنسان أن يستمر في الحياة إذا كان حقه في الإقامة على أرضٍ غير مضمون! ومن هنا قيل: إن حق التجنس من ألصق حقوق الإنسان وآكدها .

ومن العجب أنه ما زالت هناك شعوبٌ تعاني من ضياع هذا الحق بسبب احتلال المحتل لأوطانهم وعدم الاعتراف بها أو لأن الأرضّ التي وُلِدوا عليها تمنحهم لقب (البدون) بحيث يعطون حق الإقامة دون سائر حقوق الجنسية كحق المشاركة السياسية؛ فهم لا يتمتعون بجنسية أي دولة إطلاقا!

ومما يلفتُ النظر هنا أن الفقه الإسلامي قد جعل حق الإقامة في الدولة الإسلامية وحق التجنسِ حقاً يملكه كلُّ إنسان إذا اختار أن يُحكم بقوانين الدولة المسلمة ،إذْ تُملك الجنسية في الإسلام بسببين : عقد الإسلام وعقد الذمة , وهما عقدان اختياريان يدخل فيهما الإنسان بإرادته الحرة .

ومن هنا نلاحظ أن مكانة الفرد في القانون الدولي الإسلامي الخاص( ) أعلى منها في القانون الوضعي ، ذلك أن حقَّ الجنسية في القانون الوضعي هو حقٌ للمواطن فهو (واجب الوجود )_إذا استعملنا تعبير المتكلمين على سبيل المجاز_ أما بالنسبة للأجنبي فهو حق للدولة يمكن أن تمنحه لغير رعاياها، ويمكن أن تمتنع كأثر من آثار السيادة فهو (جائز الوجود)،ولكنه في الإسلام هو حق لكل إنسان آمن بالفكر الإسلامي أو قبل به ورضي أن يحكم به. ولم يكن هذا الحق حقا مثاليا غير قابل للتطبيق بل كان حقاً واقعياً ،فالناظر للتنوع الثقافيِ والعرقيِ في داخل الدول الإسلامية يدركُ أن هذه الدول كانت تتمتع بجنسية مفتوحة أثْرَتْ الثقافةََ العربيةِ الإسلامية ( ) ،فمفهوم الجنسية باعتبارها رابطة قانونية وسياسية تربط المواطن بدولته، يعد مفهوماً متميزاً في الفقه الإسلامي عن غيره من الأنظمة, من حيث إعلاؤه لشأن الفكر على النسب والإقليم، وبهذا تعد الدولة الإسلامية بحق دولة الفكر، وقد كان لهذا المفهوم أثره الفاعل في نبذ التقوقع والانكفاء على الذات , مما ساعد الشعوب المختلفة على الاندماج في وعاء الأمة الإسلامية، وأعطى الحضارة الإسلامية تميزاً خاصاً ( ).

هذا و من القضايا التي تحتاج إلى فقهٍ جديد يراعي تغيرَّ الظروفِ , وجودَ قوانينٍ مقيدةٍ للموظف العام , قضيةُ المشاركة السياسية في تولي الولايات العامة، وفي الانتخاب والترشيح، فبحسب معايير حقوق الإنسان هي حقوق تثبت لكل مواطن بقطع النظر عن دينه وعرقه ولونه  ، وأما في الفقه الإسلامي فقد اشترط الفقهاءُ شرطَ الإسلامِ لبعض الوظائف،كالقضاء والإمامة العظمى ،ومنهم من توسع في جعل هذا الشرط شاملا لمعظم الوظائف ،ومنهم ضيق مجال الاشتراط فحصره في ما كان له معنى ديني ، وهو الصواب فالناظر في الوثيقة التأسيسية لدولة المدينة المنورة فيما عرف تاريخ (بالصحيفة) يجدُ نصوصاً واضحة في تساوي مواطني الدولة في الحقوق والواجبات كقوله  وأن يهود بني عوف أمة مع المسلمين لليهود دينهم وللمسلمين ، وأن اليهود ينفقون مع المسلمين ما داموا محاربين ، وأن لهم مالنا وعليهم ما علينا ( ).

ولعل فقهاءنا حين اشترطوا شرط الإسلام في بعض الولايات وخصوصا القضاء التفتوا إلى ما للقاضي وللموظف العام آنذاك من صلاحيات واسعة في الاجتهاد والتشريع ؛ إذ غالبا ما يستند القاضي إلى المبادئ العامة وإلى مقاصد المشرع، فكان لابد من وضع شروط دقيقة للتأكد من تفهمه لمقاصد المشرع, ومن هذه الشروط الإسلام لأن غير المسلم لا يدرك مقاصد المشرع على الكمال ، وأما في ظل وجود قوانين مقيدة للقاضي وسائر الموظفين ،إلى حد كبير فإننا أمام واقع جديد يسمح بمشاركة سائر المواطنين في الولايات العامة ما لم يكن فيها معنى دينيا خاصاً كالإمامة وما شابهها .

الجيل الثاني : الحقوق الاقتصادية والاجتماعية :

وهي الحقوق المرتبطة بالعمل، والتعليم، والمستوى اللائق للمعيشة ، والمأكل والمأوى والرعاية الصحية .

وقد نال الإنسان في الغرب هذه الحقوق بعد صراع وجعلها واجبا على الدولة ، فكانت الحقوق في الجيل الأول حقوقا سلبية، تهدف إلى منع الدولة من التدخل , وغدت في الجيل الثاني تطالب الدولة أن تتدخل لتوفير العمل والمأكل لمواطنيها.

وتلاحظُ أن الثقافة الإسلامية أعطت للإنسان هذا الحق من أول يوم فلم يأخذه نتيجة صراع ولا بعد تجاربَ داميةٍ فقد أكد القرآن فكرةَ حق الفقراء في أموال الأغنياء فقال سبحانه:  وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ, وحارب أبو بكر من امتنع عن أداء الزكاة ، و حين رأى عمر بن الخطاب ذميا هرماً يتسول لجمع الجزية ، أعفاه من دفع الجزية وأعطاهُ مبلغا من بيت المال وقال : “والله ما أنصفناك إذ أخذنا من شبابك وتركناك في هرمك”, فكان مبدأ الإنصاف هو الأساس لتقرير حقوق الإنسان.     الجيل الثالث : الحقوق البيئية والثقافية والتنموية :

وتشمل حق العيش في بيئة نظيفة ، والحق في التنمية الثقافية والسياسية والاقتصادية .

 وهي حقوق تقوم على مسؤولية الإنسان تجاه الأجيال القادمة وتفترض وجود تضامن دولي, لضمان بيئة نظيفة ومصونة من التدمير.

على أن مما ينبغي الالتفات إليه أن المرور بهذه الأجيال للوصول إلى حقوق الإنسان بوضعها الحالي خاص بالثقافة الغربية , أما في الثقافة الإسلامية فإن حقوق الإنسان ثبتت كاملة من أول يوم بالنص الشرعي المثبت لها ، ولكن المشكلة في الواقع حقوق الإنسان هو ضعفُ الضمانات التي تضمن حفظ حقوق الإنسان واقعاً.

هذا ، وقد راج لدى الدارسين مفهومُ حقوق الإنسان كما هي في الفكر الغربي الليبرالي ، حتى غدا من المفاهيم شائعة الاستخدام في الأدبيات السياسية الحديثة وفي الخطاب السياسي المعاصر بشكل عام، وإن كانت العديد من الكتابات التي استخدمت هذا المفهوم لم تهتم بتأصيله، بل أصبح لشدة شيوعه يستعمل بدون تمحيص وكأنه لا مجال لمراجعته؛ لذا فمن المهم قراءة المفهوم في أصوله الغربية ومقارنته بوضع الإنسان وحقوقه واجباته في الإسلام.

Pin It on Pinterest

Share This

Share this post with your friends!