دراسات المجتمع المحلي في علم الاجتماع الحضري

لعل اهم ما يسجل في تلك الفترة ـ أي فترة الانفصال ـ هو الابتعاد عن التطورات التي رافقت علم الاجتماع الحضري ، سواء تلك التطورات التقليدية او التطورات التي قدمها علماء مدرسة شيكاغو . فكانت محاولة دراسة المجتمعات المحلية بمثابة اضافة لعلم الاجتماع الحضري ، لا على المستوى النظري الذي طرح سابقا ، وانما استنادا الى الملاحظات والتوصيفات الاجتماعية الواقعية ، والتي اختلفت ايضا في اجراءاتها المنهجية عن الدراسات السابقة .

وقد كان الهدف من وراء ذلك ، هو ان يرتقي الاهتمام الى ايجاد وسائل لاقناع صّناع السياسة والنخبة ، بالحاجة الى اصلاحات اجتماعية ن ولعل خير من يمثل ذلك الاهتمام هو شارلز بوث Ch.Booth صاحب البحث الشهير ” حياة وعمل سكان لندن ” Life and Labor Of The People Of London الذي نشر لاول مرة سنة 1891[1] . كانت هذه الدراسة من اهم الدراسات الامبيريقية ، فقد استطاع من خلالها بوث ان يجمع العديد من المعطيات باستخدام السجلات الرسمية والدراسات المسحية ، وراح يسجل مختلف الظروف الاجتماعية التي أحاطت بالمدينة ، موضحا لنا حجم الفقر القاتل الذي عاشه سكان المدينة في وقته ، وليؤكد ذلك لم يكتفي بوضع الجداول الإحصائية ، بل عمد الى رسم خرائط لمختلف الظروف التي أحاطت بالمدينة .

باستثناء الدراسة أعلاه ، قامت دراسات لاحقة لكنها مقتصرة على تحليل وتفسير المدينة الصغيرة ، وكان ذلك مبررا لمشكلات منهجية واجهت الباحثين ، وإمكانيات استخدام الحاسوب في العمليات الإحصائية ، الى جانب ـ وهذا هو المهم ـ ما تركه الانتاج الزراعي في امريكا من اثر واضح في الإبقاء على نمط إقامة لا مركزي ، مما انعكس على البناءات الحكومية وعلى انماط الحياة الاجتماعية السائدة ، مما تمخض عن هذا النمط وجود المدينة الصغيرة المنعزلة نسبيا . وهو عكس ما ذهب اليه بارك في دعوته لدراسة المدن الكبرى . فكان هناك مجموعة من الباحثين وجهوا انظارهم صوب ” عوالم صغيرة ” داخل المجتمع الحضري .

وقد نجد في دراسة ” الميدلتون “ أنموذجا واضحا لهذا التوجه المنهجي الجديد ، اذ ذهب (روبرت وهيلين ليند) Robert and Helen Lynd الى مدينة ” مونسي” Munice بولاية ” انديانا ” ليقدمان بعد ان مكثا في مونسي ثمانية عشر شهرا ، تحليلا مفصلا للحياة الاجتماعية ، ولشريحة صغيرة من المجتمع الامريكي ، وكان الهدف من ذلك وضع تصور سوسيولوجي عن المجتمع المحلي ، مركزين على ست مظاهر للحياة الاجتماعية ( نوع العمل ، حياة الاسرة ، تربية الطفل ، الدين ، نشاط المجتمع المحلي ، نشاطات وقت الفراغ ) . وبعد مضي ما يقرب من عشرات سنوات من دراسة روبرت وليند ، عادا الى مدينة مونسى ، ليوضحا كيف تغيرت المدينة الصغيرة ، لاسيما بعد ازمة الثلاثينيات ، فاصدرا مرة اخرى ” الميدلتون ” بصيغته الانتقالية سنة 1937 ، وقد اوضحا لنا ام هنالك متغيرا جديدا حظي باهتمام تلك الفترة ، اذ تركزت الدراسة اعلاه على توزيع القوة ، والتأثير داخل المجتمع المحلي . كما اوضح الباحثان ، كيف ان السلطة الاجتماعية والسياسية تركزت في ايدي اسرة معينة كانت تسيطر على الحياة الاقتصادية وعلى العمالة المحلية في المدينة ، ليكون هذا الاهتمام لاحقا دافعا نحو توجه دراسات المجتمع المحلي للمحاور السياسية .

ان دراسة الميدليون ، كانت حافزا لدراسات مثيلة في هذا الاطار ، اذ نلحظ نفس الاجراءات المنهجية التي استخدمت في الدراسة اعلاه . فقد طبقت في دراسة مدينة ” اليانكي سيتي ” Yankee City لمؤلفها لويد وارنر Loyd Warner مع فريق من الباحثين في مدينة بلغ عدد سكانها (19,000) نسمة ، لكن هذه الدراسة لم تحظى بالقبول الاكاديمي الكبير ؛ لان لويد وارنر استخدم متغير ( الطبقة ) ليتخذه معيارا اوحديا في وصف كل مظاهر الحياة الاجتماعية ، وهو عكس ما قام به روبرت ليند من استخدامه لعدة متغيرات في وصف حياة المدينة ، وعموما فان وارنر ركز على تناقضات بسيطة وسطحية ، ما بين الطبقات الاجتماعية المختلفة في المدينة[2] .

ومن الدراسات الشبيهة في هذا الاطار ، تلك الدراسة التي قدمها ميشيل يونج Young  وبيتر ويلموث Willmoth الاسرة والقرابة في شرق لندن سنة 1957 ، وقد اشار الباحثان في بحثهما ” الطبقة العاملة التقليدية في بنثال جرين ” عدم ملاءمة المبررات التقليدية والمتداولة حول التحول والانتقال الى نمط الاسرة النووية في المجتمعات الصناعية . فمع هذا التطور الصناعي بقيت العائلة الممتدة ، ولكن في شكل معدل ، تكون السلطة فيها للام وعلاقتها بابنتها مما ادى الى ظهور ما يسمى بـ ( مجتمع محلي امومي ) ارتكز على دور الام في مساعدة ابنتها ، لاسيما في مجال تربية الطفل[3] . هذا ويوضح (Thorstein Verblen) في نظريته عن الطبقة المترفة ، ان نشوء هذه الطبقة ازداد مع تطور المجتمع الصناعي ، اذ يرى ان في المدينة الصناعية المتطورة يصبح استعراض سلطان المال ، وبالتالي بلوغ حسن السمعة والمحافظة عليها ، هي الفراغ والاستهلاك الواضحين واللذين يميزان حياة المدينة . وعلى هذا الاساس ، يرى ان الفراغ والاستهلاك من الوسائل المحببة الى الناس من اعلى درجات السلم الاجتماعي الى ادنى درجة . ان هذا الخضوع للفراغ والاستهلاك المظهري لطبقات المجتمع ، انما فرضته حياة المدينة على الافراد[4]

اما اذا انتقلنا الى امريكا ، فاننا سنجد باحثيها اهتموا بنفس الموضوعات السابقة تقريبا ، اذ نرى هربرت جانز Gans اجرى دراستين حول الحياة الاجتماعية في احدى الضواحي ، كضاحية ” الليفتون ” Levittion ليوضح لنا ان حياة الاسرة تشكل محور الارتكاز في الضاحيتين ، ويعزو سبب توسع الضاحية الى دور الطبقة الوسطى في ذلك ، خاصة في تربية اطفالها . هذا وقد اوضح جانز وجود العلاقات القرابية الوثيقة عند القرويين لاسيما الجماعات الايطالية ، وهي تعد اهم الموجهات للحياة الاجتماعية في الضاحية ، الى جانب انه استطاع ان يقدم لنا طريقة جديدة للحضرية خلافا لـ (ويرث ) موضحا ان هناك علاقة وثيقة بين السياقات الفيزيقية خاصة السياقات السكنية والجوار ، وطرق الحياة السائدة  فطريقة جانز ، تعبر عن الملاءمة مع الاقامة والعيش في الضواحي.

وسيرا على خطى دراسات المجتمع المحلي ، جاءت اهتمامات اكاديمية جديدة ، لتسلط الضوء على الحكومة المحلية ، وكان الدافع الى ذلك هو حركة اصلاح المجالس البلدية ، الى جانب التطور الحاصل في مجال العلوم السياسية والسلوكية . وفي هذا السياق ، ظهرت دراسة فلويد هانتر Hunter سنة 1952 عن اشكال التأثير السياسي والاجتماعي في مدينة اتلانتا بولاية جورجيا ، اذ كان عدد سكانها وقت الدراسة (500,000) نسمة ، وكان هدفه هو التركيز على العمليات السياسية المحلية ، خلافا للدراسات السابقة التي ركزت على الاسرة والقرابة . واوضح هانتر كيف ان القوة كانت في ايدي الصفوة الاجتماعية والاقتصادية بالمدينة ، وليس بيد النخب المحلية . وبالتالي فقد افرزت لنا هذه الدراسة حقلا جديدا من الاهتمام تمثل في ضرورة دراسة السياسات الحضرية[5]  .

وفي الوقت الذي اشار اليه هانتر الى موضوعة السيادة السياسية ، برز على النقيض من ذلك روبرت دال Dahl ليشيرالى تشتت وتنوع بناءات القوة في المجتمع المحلي ، وهذا ما نفهمه على الاقل من عنوان كتابه ” من الذي يحكم ” Who Governs وكان ذلك في سنة 1961 ، فقد وجد في مدينة نيو هافن ان الصفوة الاجتماعية والاقتصادية لم تكن مهتمة بسياسات المجتمع المحلي ، بمعنى ان هناك تعددية في امتلاك القوة[6]  .

وباقتضاب شديد ، فان تنظيم المدينة لا يصح ان ينظر اليه فقط بانه انعكاس للطبيعة البشرية ـ كما اشار بارك ـ وانما يجب ان نربط هذا التنظيم بوصفه يعكس لنا انماطا متنوعة من المصالح السياسية وبناءات السلطة ، وبالتالي فالبيئة الحضرية نتاج العمليات الاجتماعية والسياسية ، ولنقل ايضا العمليات الايكولوجية .

[1] . Booth,Ch.

[2] . للمزيد ينظر : د. محمد علي محمد ، علم اجتماع التنظيم ، ج/1 ، (دار المعرفة الجامعية ، الاسكندرية ، 1979) ، ص155-156

[3] . See:M.Young&p.Willmott.

[4] . ثورشتاين فيبلن ، الطبقة المترفة ، ترجمة : محمود محمد موسى ، مراجعة : د. ابراهيم سعد الدين ، (الدار المصرية للتأليف والترجمة ، بدون سنة ) ، ص58-59

[5] . F.Hunter,pp.1-5

[6] . R.Dahl,pp.1-11.

Pin It on Pinterest