طبيعة علم الاجتماع

علم الاجتماع مجال علمي يقوم – بطريقة منهجية موضوعية نظامية – ببحث وتقويم الواقع الاجتماعي فى ضوء الدلالات الإمبريقية (التجريبية) والتفسير. بيد أن هذا العلم لا يمكن نمذجته بشكل مباشر على نهج العلوم الطبيعية, لأن السلوك الإنساني يختلف عن عالم الطبيعة. كما أن المادة الأساسية للعلوم الطبيعية ثابتة وغير متغيرة إلى حد ما, فى حين أن السلوك الإنساني – بوصفه مادة علم الاجتماع – يتسم بالمرونة والديناميكية(40). فهو علم يسعى لمحاولة فهم القوى الموجودة فى حيز الوجود والتي تدفع باستمرار نحو تحريك المجتمع الحديث وتقوم فى الوقت ذاته بدور تكميلي فى هذه العملية من الحراك (41).

والملاحظ أن كل فرد من أفراد المجتمع – أى مجتمع – يحاول إيجاد ومعرفة معنى ما يحيط به من أحداث وأشياء. ولكل منا بعض الأفكار الغامضة عن المجتمع المحلى الذى نعيش فيه وعن كيفية التعامل والعيش فيه, ولدى كل منا فهم عام عن الواقع الاجتماعى الذى نحن جزء منه. وعلى الرغم من أن مفهوم المجتمع مفهوم مجرد, إلا أنه يصبح أكثر قابلية للفهم عند صياغته وفق نموذج حسي يوضح التداخل بين مكوناته ومدى التفاعل بين هذه المكونات.

وهناك فرق بين التفسيرات العادية لمعانى الحياة اليومية, والتفسير السوسيولوجي الذى تتوجه إليه العلوم الاجتماعية ويستطيع علماء الاجتماع عن طريق استخدام مناهج البحث العلمى وآليات استخلاص الدلالة والتصور العلمي السوسيولوجي لمختلف أنماط تفسيرات العلميات الاجتماعية والأنشطة الاجتماعية للوصول إلى رؤية وفهم أفضل لطبيعة المجتمع(42).

ويؤكد ريمون آرون أن علم الاجتماع يتميز بأنه دائم البحث عن نفسه, وأن أكثر النقاط اتفاقاً بين المشتغلين به هى صعوبة تحديد علم الاجتماع. كما سروكين فى مؤلفه “النظريات السوسيولوجية المعاصرة” عام 1928 آراء أكثر من ألف عالم وباحث فى علم الاجتماع, الأمر الذى يجعل من الصعوبة تحديد من نجح منهم فى تعريف علم الاجتماع. ومع التسليم بوجود تباينات كثيرة ارتبطت بتحديد العلم وموضوعه, فهى تباينات فرضتها طبيعة العلم فى نشأته وتطوره حيث تأثر بجماع الأطر المجتمعية والفكرية التى أحاطت به, بما فى ذلك الدين والفلسفة والعلوم الطبيعية, كما تأثر بطبيعة التغيرات التى طرأت ولاتزال تواصل تأثيرها على المجتمع الإنسانى, وبمجمل الظروف الاجتماعية والثقافية التى أحاطت بكل رائد من رواد العلم وجعلته ابتداء يرتبط فى خبرته بمجتمع دون غيره, زد على كل هذا حالة المنهج العلمى فى كل فترة من الفترات التاريخية التى مر بها العلم, وهذه مؤثرات لم يكن تأثيرها وفقاً على علم الاجتماع, أو على أى علم آخر دون غيره من العلوم الإنسانية أو حتى الطبيعية.

والذى يجدر بنا التركيز عليه فى هذا المنحى, أنه برغم هذه التباينات؛ فإن ثمة نقاطاً أساسية تمثل ولو هيكلاً عاماً يتحرك من خلاله علم الاجتماع, ويتحدد به موضوعه الأساسى وهو هيكل يشير إلى أن علم الاجتماع هو علم معنى بدراسة الإنسان والمجتمع دراسة علمية تعتمد على المنهج العلمى, وما يقتضيه هذا المنهج من أسس وقواعد وأساليب فى البحث(43).

ومع هذا, فمن أقوى الانتقادات التى أثيرت ضد الطابع العلمي للعلوم الاجتماعية أنها لم تستطع فى الحقيقة أن تخلص إلى أى شئ يماثل القانون الطبيعى.

وعلى أية حال, فإن أولئك الذين يعتقدون بأن علم الاجتماع هو نسق علمى ليسوا فى موقف يفرض عليهم أن يطالبوا بأن صياغة القوانين تشكل الغاية أو القيمة النهائية. إن جانباً من علم الاجتماع يتألف من أوصاف دقيقة فى إطار فئات تنطوي فقط على محاولات نظرية مبسطة. ولعلم الاجتماع الوصفي قيمة بالغة من زاويتين؛ أولاً: أنه فى حالة الدراسات المعاصرة, يقدم لنا معلومات لا غنى عنها فى حل المشكلات العملية, وكذلك فى وضع السياسات الاجتماعية الرشيدة والمفاضلة بينها. وثانياً: حينما يكون اهتمامنا محصوراً فى وصف مجتمعات صغيرة معروفة فإنه يقدم إسهاماً رئيسياً للدراسات الإنسانية. وإذا كانت التربية الإنسانية تعتمد على الارتباط التعاطفى بمجموعة متنوعة من المواقف الإنسانية, وضروب الكفاح, والمثاليات, وأنماط الشخصية فإن الدراسات السوسيولوجية تعتبر عنصراً أساسياً فى هذا النوع من التربية. كما أن علم الاجتماع يستطيع أيضاً شأنه شأن الدراسات التاريخية والأدبية, بل والجوانب التاريخية للعلوم الطبيعية – أن يجعلنا على وعى بما تنطوى عليها الحياة الإنسانية من ثراء وتباين, ولكن على نحو أكثر تعمقاً من كل هذه الدراسات. إنه النقطة المحورية للدراسات الإنسانية الحديثة, هو قنطرة تربط بين العلم والإنسانيات.

ويبدو أن هناك وجهة نظر ثالثة, تتوسط أولئك الذين ينظرون إلى علم الاجتماع بوصفه نسقاً تاريخياً, والذين يعتبرونه “علماً طبيعياً للمجتمع”. فبينما يؤكد أصحاب وجهة النظر هذه الطابع العلمى لعلم الاجتماع يقررون أن دراسة المجتمع تتطلب نموذجاً نظرياً مختلفاً, ومناهج تختلف عن تلك المستخدمة فى العلوم الطبيعية. غير أن هذه النقطة تبدو فى بعض جوانبها بسيطة للغاية. فكل علم يجب أن يكون له إطار ملائم للتفسير وكذلك مناهج مناسبة, وتظل فى الوقت ذاته الوحدة الأساسية للمنهج العلمى قائمة.وإذن, فالنقطة الأهم فى ذلك كله هى وجود اختلاف أساسى بين القوانين الاجتماعية والقوانين الطبيعية (44).

كما يذهب والتر والاس إلى أن تعريفات ما هو اجتماعى تبدو متفقة مع الظاهرات الاجتماعية تتم من خلال مسايرة منظمة لسلوك كائن عضوى مع سلوك كائن عضوى آخر على الأقل. وإذا كان والاس استند فى استنتاجه هذا على تعريفات ما اجتماعى, وأيضاً تعريفات علم الاجتماع فإنه عاد ليشير إلى أن هذا الاتفاق وإن كان عاماً فو حافل بالتباينات والاختلافات, فالكائن العضوى يمكن أن يكون إنساناً, كما يمكن أن يكون حيواناً, ومعيار الانتظام يمكن تحديده تحديدات نسبية بسيطة أو معقدة, ونفس الشئ يمكن أن يحدث بالنسبة للمسايرة وإيقاعها ودرجتها ومستواها, على أن والاس يبدو قانعاً بتحديد الواقع الاجتماعى بالسلوك الاجتماعى, ذلك لأنه يرى أن تحديد السلوك الاجتماعى وتفسيره يعد لب موضوع النظرية السوسيولوجية, مع تسليمه وتأكيده بوجود تبايناً وثنائيات جلية تتعلق بتعيين محاور هذا السلوك, ولقد حاول والاس أن يلخص موقف هذه التباينات وتلك الثنائيات فأوضح أن كل النظريات بما فى ذلك النظريات الكبرى حاولت تحديد ما هو اجتماعى وتعريفه من خلال فئتين أسايتين من العلاقات, تركز الأولى على العلاقات الموضوعية الواضحة للسلوك, فى حين تركز الثانية على العلاقات الذاتية أو الجوانب الموارية المستترة للسلوك.

وإذا كانت الجوانب الموضوعية والذاتية هى أكثر الجوانب التى ركزت عليها الاتجاهات النظرية فى تحديد الواقع الاجتماعى, فإن هناك أيضاً فئتين كبيرتين لتفسير ما هو اجتماعى, تركز الفئة الأولى على الظروف المفروضة على ما هو اجتماعى, وتركز الثانية على الظروف الناتجة عن ما هو اجتماعى, ومن الأمثلة على الفئة الأولى ما يعرف بالنظرية السوسيولوجية المعاصرة بالملزمات الوظيفية والتى تعنى أن ثمة وقائع عامة لا نعرفها تمثل شروطاً ضرورية لازمة لما هو اجتماعى وسابقة عليه وبالتالى تفسر الظاهرات الاجتماعية فى ضوء تكيفها وتواؤمها مع هذه الشروط.

وفى هذا يشير “أبنريل” Abnrele وآخرون إلى أن المتطلبات الوظيفية تمثل الأشياء التى لابد وأن تتم فى أى مجتمع لكى يستمر فى البقاء, وأما من أمثلة الفئة الثانية وليام أوجبرن W.Ogburn  الذى ركز على العلاقات المتبادلة والمتداخلة بين التكنولوجيا والواقع الاجتماعى, فالمجتمع يساعد على الاكتشافات والاختراعات بجانب أن هذه الاكتشافات وتلك الاختراعات تؤثر فى المجتمع وفى المواقف السوسيولوجية, وهذا يعنى تركيز أوجبورن على الظروف التى تنشأ عما هو اجتماعى ومن داخله (45).

وقد حدد بارسونز موضوع علم الاجتماع بأنه الفعل الاجتماعى كما يتجسد فى الأنساق الاجتماعية. ويعنى هذا أنه مادام النسق الاجتماعى يهدف – داخل الإطار العام لنسق الفعل – إلى تحقيق وظيفة التكامل فإن التكامل هو مجال الدراسة فى علم الاجتماع. وهكذا فإننا إذا أخذنا النظرية العامة فى الفعل كنقطة انطلاق, فإننا يجب أن ننظر إلى علم الاجتماع على أنه يتميز عن العلوم الاجتماعية الأخرى بميدان دراسته الخاص (46).

ويخلص أليكس انكلز إلى أن هناك ثلاثة طرق رئيسية لتحديد موضوعات علم الاجتماع، يمكن أن نذكرها فيما يلى :

1) الطريق التاريخى :

وهنا نحاول أن نحدد الاهتمامات التقليدية الأساسية التى شغلت علم الاجتماع كعلم, وذلك من خلال دراسة الكتابات السوسيولوجية الكلاسيكية, فنحن فى هذه الطريقة نسأل باختصار: “ما هو رأى الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع ؟ “.

2) الطريق الأمبيريقى :

وهنا ندرس الأعمال الاجتماعية المعاصرة لكى نقف على الموضوعات التى يوجه إليها العلم أكبر اهتمامه. بمعنى آخر نحن نتساءل هنا: “ماذا يفعل علماء الاجتماع المعاصرون؟”.

3) الطريق التحليلى (أو النظرى)

وهنا نقوم بتحديد موضوع واسع للعلم تحديداً تعسفياً, ونحدد كذلك موقفه بين العلوم الأخرى من خلال طرح التساءل: ما هو حكم العقلفى هـذا

الموضوع؟ (47).

والواقع أن الحكمة تدعونا إلى الاستعانة بالطريقة التاريخية فى تحديد موضوعات العلم. فهذا السبيل يتيح لنا فرصة الاستفادة من حكمة الأجيال السابقة. ثم إنه ييسر لنا فهم الموضوعات التى لا يتسنى لنا فهمها دون الإحاطة بخلفيتها. ولو أننا نعرف بالطبع أن الناس يمكن أن يقرؤوا نفس التاريخ, ويفهموه بطرق مختلفة تمام الاختلاف. ليس هذا فقط بل إن المنهج التاريخى يعرضنا لخطورة أن يصاب تفكيرنا بالجمود, حيث أن التراث قد يكون عاجزاً فى بعض الأحيان عن التصدى بشكل فعال للمشكلات التى يطرحها علينا الحاضر والمستقبل.

Pin It on Pinterest