علم الاجتماع القانوني وعلاقته بعلم الاجتماع

ظهرت وتطورت دراسة علم الاجتماع القانوني Sociology of Law في أوربا على يد عدد من العلماء الذين اهتموا بدراسة القانون من المتمرسين بمهنة القانون، ومع هذا فهناك نفر ليس قليل من علماء الاجتماع اهتموا بدراسة علم الاجتماع القانوني، وأشهرهم إميل دوركايم، الذي قام بتصنيف القانون إلى أقسام مختلفة، الغاية منها دراسة العلاقة الجدلية بين قانون معين ومجتمع معين، فالقانون الجزائي أو الجنائي حسب اعتقاده هو القانون الذي يوجد في المجتمع البدائي، بينما قانون رد الاعتبار أو القانون الإصلاحي هو القانون الذي يوجد في المجتمع الصناعي، أما ماكس فيبر فكان مهتما بموضوع القانون والاقتصاد، واهتمامه هذا دفعه لتحليل الأنظمة الاجتماعية تحليلاً علمياً، كدراسته للعلاقة الجدلية بين القانون ونواحي المجتمع المختلفة، وفي كتابه “القانون في الاقتصاد والمجتمع” يضم فصلاً كاملاً عن طبيعة العقلانية في القانون والإدارة، إضافة إلى وجود عدد آخر من علماء الاجتماع تخصصوا في هذا الموضوع مثل العالم اهرلج الذي ألف كتاب “المبادئ الجوهرية لعلم الاجتماع القانوني“، وجورج كيرفج الذي ألف كتاب في علم اجتماع القانون الذي نشر عام 1942م، وأن جميع هؤلاء العلماء يتفقون على نقطة واحدة، وهي أن القانون والأنظمة الشرعية تعتبر جزءاً من المجتمع، وأن هناك علاقة جدلية بينهما، فأي تغير يقع في أي منها لابد أن ينعكس على القسم الآخر وهكذا. كما اعتبر هؤلاء العلماء القانون كوسيلة هامة من وسائل الضبط الاجتماعي، لهذا فهو متعلق بالنظام الأخلاقي والعادات والتقاليد التي يعتمدها المجتمع، ومن الجدير بالملاحظة أن دراسة أنظمة القانون قد تكون دراسة أولية وتمهيدية لعلم الاجتماع القانوني، إلا أن مجال علم اجتماع القانون هو أوسع بكثير من مجال علم القانون؛ نظراً لأنه يشمل دراسة العلاقة بين أنظمة القانون والأنظمة الاجتماعية الأخرى كالنظام الاقتصادي والنظام السياسي ونظام العائلة والقرابة.

وعلى هذا يشير علم الاجتماع القانوني بمعناه الشائع إلى دراسة القانون والنظم القانونية داخل السياق الاجتماعي بوصفها متميزة عن الدراسة التحليلية للمعايير من جهة، والاتجاه الفلسفي الغائي من جهة أخرى، وبالتالي فإن علم الاجتماع القانوني- كما يقول ستون Stone– يهتم بالعلاقات بين القانون والوقائع الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية والسيكولوجية الملائمة لدراسة الأساس السوسيولوجي، ورغم كثرة الخلاف بين علماء الاجتماع في تعريف علم الاجتماع القانون إلا أنه يمكن حصر ثلاث رؤى نظرية لتعريف علم اجتماع القانون كما يلي:-

الرؤية الأولى: هناك من يرى أن علم الاجتماع القانوني هو أحد فروع علم الاجتماع العام. ورغم انتشار هذه الرؤية إلا أنه يثير كافة المشكلات المتعلقة بالملامح التي تميز علم اجتماع القانون عن غيره من المداخل السوسيولوجية، وما الذي يقدمه هذا العلم لإثراء المعرفة الاجتماعية الشاملة؟.

الرؤية الثانية: والتي ينظر البعض الآخر من خلالها إلي علم اجتماع القانون على أنه نقله حديثة يمكن أن يحل محل الفقه القانوني.

الرؤية الثالثة: والتي من خلالها لا يعدو أن يكون علم اجتماع القانون أحد المصطلحات أو المفهومات التي لا تقدم سوي أساليب بحث اجتماعية ثانوية بالقياس أو المقارنة بالأساليب القانونية.

 وفي إطار ذلك يذهب جورج جورفيتش إلى علم الاجتماع القانوني بأنه “دراسة مجموع الواقع الاجتماعي للقانون عن طريق إقامة العلاقات الوظيفية الكامنة بين أنواع القانون وتنظيماته وأنساقه وصور الإفصاح والتعبير عنه، وبين الأنماط الآخرى الاجتماعية المقابلة، كما يبحث عن التغيرات التي تتصل بالقانون ودور رجال القانون والنزعات التي تسيطر على نشأة ونمو القانون، وعوامل هذا النمو داخل الأبنية الاجتماعية الكلية والجزئية.

ويبدو من هذا التعريف أن جورفيتش بُقسّم علم الاجتماع القانوني إلى ثلاثة فروع تتداخل وتتشابك مع بعضها، وهي علم الاجتماع القانوني للوحدات الصغرى، وعلم الاجتماع القانوني التكافلي، وعلم الاجتماع القانوني للوحدات الكبرى، فقبل ذلك سعي جورفيتش للتميز بين علم الاجتماع القانوني والنظرية الاجتماعية، وأيضاً النظرية القانونية إلا أنه أكد على أن علم الاجتماع القانوني لا يمكن أن يكون بديلاً عن نظريات القانون، خاصة وأن النظرية الاجتماعية العامة، في القانون، ما هي إلا محاولة وضعية تفسيرية للقانون، وتهتم بدراسة الواقع الاجتماعي للقانون بشكل عام.

ومن خلال ذلك يتضح أن هناك علاقة وثيقة تربط بين علم الاجتماع القانوني، والقانون من ناحية، وبين علم الاجتماع من الناحية الأخرى، حيث أن العلاقة النموذجية بين علم الاجتماع القانوني، وعلم الاجتماع العام علاقة تبادلية، فالنظرية الاجتماعية العامة ترشد الباحث في علم الاجتماع القانوني وتزوده بالمفهومات الأساسية، وتحدد له أساليب وأدوات البحث التي يختار من بينها الظاهرة موضع بحثه، كما أن ما يتوصل إليه عالم الاجتماع القانوني من نتائج ومبادئ عن الظاهرة القانونية ونشأتها وتطورها وعلاقتها بغيرها من الظواهر الاجتماعية يساعد علي صياغة وتعديل وتطوير هذه النظرية، واستخلاص مزيد من التعميمات العلمية عن الظاهرة الاجتماعية ككل، وهنا يفسر “روسكو باوند” للعلاقة الوثيقة بين علم الاجتماع القانوني وفقه القانون بحيث أنه يجعل الأول أساساً للثاني، ففقه القانون في نظره علم من علوم الهندسة الاجتماعية. كما أن وسائله الفنية الخاصة التي تناسب أوضاع معينة للنظم القانونية العلمية والأشكال المختلفة للمجتمعات التي توجد فيها هذه النظم، تتوقف علي الأغراض التي يهدف العلماء في أبحاثهم، كما تتوقف هذه الأغراض بدورها علي الجمع بين طبيعة القانون في مجتمع وزمان معينين، وهذا ما يراه “روسكو باوند” أنه من صلب دراسات علم الاجتماع القانوني، وبيّن الأفكار والقيم الفقهية السائدة في ذلك الزمان والمكان، وهذا هو صلب الدراسات القانونية، وهكذا يتضح أن مجالي الاجتماع والقانون يتصلان اتصالاً قوياً إذ من الممكن تطبيق علم الاجتماع في مجال دراسة النظام القانوني الذي يحفظ الأمن والنظام في المجتمع، وكذلك يدرس عالم القانون (الذي يتجه في دراسته وجهة اجتماعية) القوانين كضوابط اجتماعية ذات مميزات خاصة في الدولة التي وصلت إلي درجة لا بأس بها من النمو والتقدم علي نحو ما يذهب رواد المدرسة الاجتماعية في نظرية القانون أمثال اهرنج، وهولمز، دوجي، إيرلخ، باوند، إذ أدرك كل منهم الحاجة إلى الخروج على الاهتمامات التقليدية للباحثين القانونيين، كما أن بعض علماء الاجتماع أمثال دوركايم وفيبر وروس وسبنسر قد أسهموا في نمو الاتجاه الاجتماعي بين الفقهاء، وكان لهم تأثير مباشر على بعض علماء القانون أمثال دوجي وباوند.

     وعلى هذا يمكن تحديد مجالات البحث الاجتماعي في مجال القانون علي النحو التالي:

  • دراسة الآثار الاجتماعية الفعلية للأنظمة والمبادئ القانونية، أي التركيز علي دراسـة ما يحدث القانون فعلاً، بدلاً من التركيز علي مضمونه المجرد.
  • إجراء دراسات اجتماعية إلي جانب الدراسات القانونية عند إعداد التشريعات واعتبار القانون نظاماً اجتماعياً يمكن تحسينه عن طريق البحث العلمي.
  • إجراء دراسات عن كيفية جعل القوانين أكثر فاعلية مع التركيز علي الأغراض الاجتماعية التي يخدمها القانون بدلاً من التركيز علي الجزاء في حد ذاته.
  • دراسة التاريخ الاجتماعي أي دراسة الآثار الاجتماعية للمبادئ القانونية في الماضي وكيف حدثت وتطورت.
  • دراسة القانون بوصفه وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية وليس بوصفه قوالب جامدة.

ويلخص عدداً من علماء الاجتماع القانوني المجالات الأساسية لعلم الاجتماع القانوني في أربع مجالات، وهي عملية صياغة التشريعات وعملية إصدار الأحكام القضائية، وعملية قياس الآثار الاجتماعية للتشريعات، والأحكام القضائية، وأخيراً عملية دراسة العوامل الاجتماعية التي تؤثر على ممارسة العدالة وتطبيقها في المجتمع.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل النتائج التي تسفر عنها بحوث علم الاجتماع القانوني نزعة لكي تصبح معيارية، يتضمنها في تشريعات تنص علي السلوك الذي ينبغي أن يكون؟.

في الواقع أن علم الاجتماع القانوني يمكن القيام بوظيفة الوثيقية تتمثل في إصدار المشرع بالمعلومات بالبيانات المحققة، مع التسليم بأن المشرع ينبغي أن يخطط دائماً بحريته في إصدار القوانين، كما أن علم الاجتماع القانوني يمكن أن يقوم بدور إيجابي فحيثما يصمت النص القانوني عن أن يبوح بأسراره، وحيثما يسوده النقص أو الغموض تمكن للمفسر لو كانت تحت يده بيانات واقعية محققه عن النظم القانونية المختلفة، وعن القوانين المطبقة، وما يحيط بها من ملابسات اجتماعية، أن يستعين بها في تفسير النصوص القانونية، بدلاً من أن يعتمد في ذلك علي محض تقديره الشخصي الذي قد يكون قاصراً أو محدوداً.

Pin It on Pinterest