فائض المعنى Surplus of Meaning عند هوسرل

يذهب هوسرل إلى أن هناك فرقاً بين التعبيرين: الورقة البيضاء، وهذه الورقة بيضاء. التعبيران متساويان من وجهة نظر الإدراك الحسي، فهما يشيران إلى موضوع واحد، إلا أن التعبير الثاني يحتوي على فائض في المعنى Surplus of Meaning. هذا الفائض في المعنى يتمثل في أن الورقة تنتمي إلى كل الأشياء البيضاء أو تتصف بالبياض الذي تتصف به أشياء أخرى كثيرة، تتصف بصفة عامة أو بكلي، وهذا الكلي هو الفائض الذي يفيض عن الإدراك الحسي للورقة ولأي شئ جزئي يتصف بالبياض( ). هذا الفائض في المعنى هو الذي يؤدي بهوسرل إلى القول بالحدس المقولي، لأن فائض المعنى يعني أن الإدراك الحسي لشئ جزئي لا يستوعب المعنى بالكامل، فهناك إدراك من نوع آخر فوق الإدراك الحسي هو الذي يمكننا من إدراك الكلي أو معرفة المعنى الكامل وهو الحدس المقولي. المعنى يكون فائضاً بالنسبة للإدراك الحسي فقط، وهذا يشير إلى أن لكلية المعنى الكامل نمطاً آخر في الإدراك غير الإدراك الحسي وهو الحدس المقولي.

من المُلاحظ أن هوسرل عندما يتحدث عن الحدس المقولي يذهب إلى أن الحدس الحسي يدرك فائضاً في المعنى Surplus وهذا الفائض في المعنى يستوعبه الحدس المقولي لا الحدس الحسي، وعندما يتحدث عن الوعي الخالص يتناول الوعي التجريبي ويمارس عليه الإبوخية والرد ويذهب إلى أن نتيجة الإبوخية ظهور متبق Residue وهذا المتبقي من الوعي التجريبي الممارس عليه الإبوخية هو الوعي الخالص. هناك إذن مفهومان يستخدمهما هوسرل في تأسيس مبادئ الفينومينولوجيا ومفاهيمها الأساسية: الحدس المقولي والوعي الخالص، وهما فائض المعنى والمتبقي. فائض المعنى يظهر في الأبحاث المنطقية، والمتبقي يظهر في “الأفكار”. إذا قارنا بينهما سنكتشف أنهما يعبران عن معنى واحد: الفائض Surplus هو المتبقي Residue. وعلى الرغم من أن هوسرل قد أسهب في شرح فكرته عن الحدس المقولي في كتابين هما “الأفكار” و”تأملات ديكارتية”، إلا أن أبحاثه الفينومينولوجية في المنطق والزمان الداخلي والمكان هي التي تكشف عن نظرية الحدس المقولي في الممارسة وأثناء العمل، وذلك لأن “الأفكار” و”التأملات” ما هي إلا بيانات وتقارير نظرية عن الأبحاث الفينومينولوجية التي تمت بالفعل. وبعد أن أتم هوسرل هذه الأبحاث قدم تعريفاً جديداً للفينومينولوجيا في “الأفكار”، فهو يقول: “إن مجال الفينومينولوجيا هو تحليل القبلي الذي يظهر في الحدس المباشر، وتثبيت الماهيات الشفافة مباشرة والصلات الماهوية وإدراكها الوصفي في الوحدة النسقية لكل العناصر strata في الوعي الترانسندنتالي الخالص”.

يقصد هوسرل من هذا التصنيف أن القبلي يظهر بالفعل في الحدس المباشر أو الإدراك الحسي وهي نظريته في الحدس المقولي أو الماهوي، كما يقول أيضاً إن الماهيات تستشف مباشرة في الإدراك الحسي وهي نفس نظرية الحدس المقولي. الحقيقة أن ما يقوله هوسرل هنا أن مهمة الفينومينولوجيا هى ما قام به بالفعل في الأبحاث ومحاضرات الزمان، إنه ليس توصيفاً لما يجب أن يكون عليه البحث الفينومينولوجي بل وصف لما تم تنفيذه والقيام به بالفعل، وبالتالي فهذا التوصيف ليس توصيفاً لمهمة الفينومينولوجيا كما يقول لنا هوسرل بل تنظير وامتداد فلسفي لما قام به بالفعل من أبحاث. والحقيقة أن المبادئ الفينومينولوجية التي يتوصل إليها هوسرل هنا توصل إليها هيجل من قبل بطريق آخر غير الطريق الهوسرلي. فالقصدية والحدس المقولي أو الماهوي معان كلها موجودة في الفصل الأول من فينومينولوجيا هيجل، كما أن هيجل في المنطق يعطينا تبريراً لظهور الماهية في صورة ظاهرة. يثبت هيجل بمنهج النقد المحايث كيف يجب أن تظهر الماهية وتتجلى في الظاهر، وهذا عينه هو الحدس المقولي الهوسرلي.

كيف يعرف هوسرل الحدس المقولي؟ كيف يكتشفه؟ يكتشفه بأن يفكر في الحدس الحسي ويعرف أن في الإدراك فائضاً من المعنى لا يُستوعَب في حدس حسي واحد أو كل الحدوس الحسية مجتمعة، وبمعرفته أننا ندرك النوع والكل والعلاقة بينه وبين الجزء والجوهر، كل ذلك مع إدراكنا لشئ واحد، أي مع إدراك حسي لشئ. يتوصل هوسرل من ذلك إلى أنه يجب أن يكون هناك حدس من نوع آخر هو الذي يمكننا من إدراك الكل والنوع والجوهر وهو الحدس المقولي. لكن ما الذي يجعل هذا الحدس المقولي نوعاً مختلفاً عن الحدس الحسي وقائماً بذاته؟ لا شئ في الحقيقة. الحدس المقولي هو في حقيقته وظيفة أو أحد وظائف الحدس الحسي، نوع من الحدس الحسي، ويتضح ذلك من أن هوسرل يقول عن الحدس المقولي إنه هو الذي يؤسس للحدس الحسي ويجعله ممكناً، فإدراكي للكل وللنوع وللجوهر شرط لإدراكي لهذا الشئ المحدد الحاضر أمامي الذي يتصف بأنه جزء من كل أو فرد ينتمي إلى نوع أو جوهر… إلخ. أنا لا أدرك الجزئي إلا لكونه جزءاً من كلي. إدراكي للكلي إذن محايث ومصاحب لإدراكي للجزئي، ولذلك فالحدس المقولي والحدس الحسي شئ واحد. تترتب على ذلك نتيجة هامة وهي أن ما فصله هوسرل إلى حدس حسي وحدس مقولي هو شئ واحد عبر عنه كانط بمجرد الحدس. فإذا حللنا الحدس الكانطي سنجد أنه يحتوي على شروط إمكان هي ذاتها عناصر الحدس المقولي. والدليل على أن الحدس الكانطي ينطوي على الحدس المقولي ما يقوله كانط في “التصورات الخالصة للفهم أو المقولات” والمقارنة بينه وبين هوسرل في هذه النقطة مشروعة تماماً، لأن كانط يبحث عن أصل المقولات ووظيفتها، وهذا ما يناسب الجزء المتعلق بالحدس المقولي عند هوسرل تماماً. يقول كانط “الوظيفة نفسها التي تضفي الوحدة على مختلف التصورات في حكم تضفي أيضاً الوحدة على مجرد تأليف مختلف التصورات في حدس وتسمى بتعبير عام التصور الخالص للفهم (Pure concept of Understanding). التصور الخالص للفهم هو المقولي عند هوسرل، هو الأساس الذي ينتظم بعد ذلك في مقولة. وبالنظر إلى أن المقولة عند هوسرل تُفهم بطريقة منطقية أي وفق وظيفتها المنطقية باعتبارها المحمول في قضية، فإن المقولة عند هوسرل تناظر المقولات في لوحة الأحكام عند كانط في حين أن المقولي السابق على المقولة عنده هو التصور الخالص للفهم عند كانط. والذي جعل هوسرل يفهم المقولة من منطلق وظيفتها المنطقية في الحكم هو تأثره بالكانطية الجديدة.

لكن الجديد الذي أتى به هوسرل هو أنه أدرك أن المقولي مختلط بالحس ومحايث له. بعكس كانط الذي نظر إلى المقولات على أنها أطر قبلية في الذهن تملأ بمادة الإدراك الحسي، ولذلك كان دائماً يتكلم عن تأليف بين الحدوس والمقولات. أما هوسرل فأثبت أن الحدوس الحسية نفسها متضمنة للمقولات. ما نظر إليه كانط على أنه تأليف بين الحدس والمقولة هو نتيجة لأنه فصل بينهما منذ البداية ووضع للحدس الحسي ملكة وللمقولة ملكة أخرى، أما هوسرل فلم يكن بحاجة للحديث عن تأليف لأن المقولي محايث ومتضمن في الحسي، والحكم وفقاً لذلك يأتي للفصل بين المقولي والحسي، الحكم هو فصل من الأصل ur-teil عند هوسرل، وكذلك عند هيجل.

والحقيقة أن كانط كان قد أدرك شيئاً شبيهاً بما توصل إليه هوسرل وهو أن الحدس الحسي يكون حاصلاً على المقولي منذ البداية، بل إنه أشار إلى أن الارتباط بين الحدس الحسي والحدس المقولي وظيفة للمخيلة. يقول كانط “التركيب بعامة هو مجرد فعل للمخيلة، أعني وظيفة للنفس عمياء، إنما لا غنى عنها، ومن دونها لا يمكن البتة أن نحصل على معرفة من أي مكان. “وظيفة النفس العمياء” هذه هي الحدس المقولي الهوسرلي. ولتعبير عمياء دلالة هامة، ذلك لأن كلمة عمياء هنا تعني أن هذه الوظيفة لا شعورية وتلقائية وهي نفس وظيفة الحدس المقولي عند هوسرل. تتمثل فينومينولوجيا هوسرل في الكشف عن هذه الوظيفة العمياء أو اللاشعورية وإحضارها للوعي. الظهور الذي تكشف عنه الفينومينولوجيا هو ظهور الوظائف اللاشعورية العمياء للوعي، وهو الوعي الدارس بصفة خاصة لا الوعى المدروس.

Pin It on Pinterest