فكرة القانون

     تعتبر الظاهرة القانونية ظاهرة معقدة تشتمل على عناصر مختلفة بعضها واقعي والبعض الاخر مثالي. وتتميز بخصائص متعددة بعضها رسمي والبعض الاخر غير رسمي. وقد ترتب على ذلك ان أولئك العلماء الذين حاولوا وضع تعريف للقانونً دائماً ينتقون خاصية من خصائص القانون او عناصر من عناصره ويجعلونه اساساً لتعريفهم ولذلك تعددت تعريفات القانون بتعدد المنظورات اليه وفي هذا الصدد اعتمد عدد من العلماء في تعريفهم للقانون على تلك الصفة الملزمة للمعايير القانونية بوصفها قواعد تفرضها الدولة وتقوم بتنفيذها عن طريق استخدام القوة، وقد قوبل هذا التحديد بالنقد الشديد من جانب بعض علماء الاجتماع ومن اهم الذين عبروا عن ذلك النقد تعبيراً واضحاُ “سوروكن Sorokin” حيث قسم نقده هذا إلى ثلاث افكار اساسية الفكرة الاولى: مؤداها ان الدولة كصورة من صور الجماعات المنظمة لم تظهر الا في وقت متأخر نسبياً من تاريخ الجنس البشري وقبل ظهورها كانت هناك عشائر وقبائل وجماعات طوطمية تقوم بوظائفها واليس من المعقول ان نتصور ان تلك الجماعات كانت موجودة بلا قانون .اما الفكرة الثانية فقوامها انه توجد في كثير من المجتمعات وفي الفترات الزمنية المتلاحقة قوانين غير معترف بها من جانب الدولة كالقوانين العرفية والقوانين الخاصة بالمزارعين وقوانين اخرى كثيرة ظهرت ولم تكن في حاجة الى اعتراف رسمي من الدولة وفي العصر الحديث توجد في كل مجتمع من المجتمعات جماعات منظمة لها قوانينها الخاصة التي ليست لها علاقة بالدولة ومن الناحية الثالثة ذهب “سوروكين ” الى ان وجود الدولة يدل على وجود القانون وانه بدون المعايير القانونية لا يمكن ان توجد الدولة ومعنى ذلك ان وجود القانون سابق على وجود الدولة ومن ثم لا يمكن تعريف القانون عن طريق القول بأنه يرجع الى قوة ملزمة تفرضها الدولة.

     وهناك فريق اخر من الباحثين اعتمد في تعريفه للقانون على فكرة الارادة العامة فذهب الى ان المعايير القانونية هي تعبير عن هذة الارادة وقد انتقد “سوروكين” ايضاً هذا التعريف واعتقد انه اذا كان القانون يعتمد على الارادة العامة فأنه لا بد من استشارة اعضاء المجتمع او افراد الشعب فيما يخصهم من قواعد ومعايير ولكن ذلك لا يحدث في الغالب فالمعايير القانونية ليست مرتبطة بأية استشارة تتعلق بأشخاص في الدولة وقد ذهب فريق ثالث من الباحثين الى ان القوانين تستهدف حماية حرية اعضاء الجماعة او انها توزع الحقوق والواجبات بطريقة عادلة وتحمي المصلحة العامة لاعضاء المجتمع وقد تعرض هذة التعريف للنقد ايضاً. ذلك لان هناك معايير قانونية كانت تمنح السلطة غير المحدودة لشخص مستبد على شعبه وهذة المعايير لا تحمي مصالح وحريات وحقوق افراد الشعب وانما هي تحمي مصالح الحاكم المستبد ويعتمد فريق رابع في تعريفه للقانون على فكرة مؤداها ان القانون يشتمل على مجموعة المعايير التي قام العقل بتطويرها وان الصورة الراهنة التي تتخذها المعايير القانونية في اي مجتمع انما تعكس درجة النمو الذي وصل اليه عقل الانسان في هذا المجتمع او ذاك. ويعترض “سوروكن” ايضاً على هذا التعريف فيذهب إلى ان كثيراً من المعايير القانونية ظهرت وتطورت عن طريق المحاولة والخطأ دون اعتماد على أي تفكير عقلي منظم او على خطة مقصودة، وموجهة ودون ان تكون موجهة إلى هدف محدد وما هو أكثر من ذلك ان هناك معايير قانونية مختلفة تقوم على معتقدات لا تتفق مع العقل بل تتناقض معه وتعتمد على الجهل الذي يتعارض مع التجربة الواقعية ومثال ذلك تلك المعايير التي تحمي مصالح العبيد والتي طورها سادة العبيد، ولكنها لم تكن متفقة مع عقل العبيد انفسهم، ومهما يكن من امر تلك الانتقادات التي وجهت إلى التعريفات التي تعتمد على خاصية واحدة من خصائص القانون او عنصر وحيد فانها لا يمكن ان تقضي على اهمية تلك التعريفات ذلك لان كل تعريف منها يلقي الضوء على جانب هام من جوانب القانون.

2- مفاهيم علم الاجتماع القانوني:

     على اية حال فقد افاض علماء الاجتماع في تعريفاتهم للقانون واختلفوا في نظرياتهم اليه فتناولوه من جوانب متعددة وناقشوه في مستويات مختلفة والتماساً لمزيد من الوضوح يمكننا ان نعرض في هذا الصدد لاهم وجهات نظر علماء الاجتماع في القانون ثم نحدد بعد ذلك مجال كل تعريف ومستوى التحليل الذي اعتمد عليه هذا التعريف.

ظاهرة اجتماعية وثقافية

    يعتبر امتثال اعضاء المجتمع للقانون اتجاهاً في السلوك الانساني حيث ان الناس يسلكون في عديد من مجالات حياتهم بطريقة معينة وليس بطريقة اخرى وذلك طبقاً لما يحدده القانون وقد ذهب عدد كبير من علماء الاجتماع إلى فاعلية القانون لم تكن مقتصرة على مدينة معينة او مجتمع بالذات فلا يمكن نتصور وجود حياة اجتماعية منظمة تسير بلا قانون وقد ذكر لنا الرحالة والمؤرخون ان السلوك المتوافق مع القانون ظهر منذ وقت مبكر اما الاثنولوجيون فقد اكدوا ايضاً نفس الشيء وهو وجود القانون بين القبائل المختلفة فالقانون اذن ظاهرة اجتماعية وجدت في كل زمان ومكان ولو ان وجودها يعتبر مسألة درجة يضاف إلى ذلك ايضاً انه جزء من الثقافة فهو موضوع ثقافي او قوة ثقافية ومن اجل هذا فالقانون عند كثير من علماء الاجتماع ظاهرة اجتماعية ثقافية .

محاولة لتحقيق العدالة في المجتمع

    يعتمد هذا التعريف على فكرة اساسية مؤداها ان اي تعريف حاول عزل عنصر واحد او خاصية واحدة من القانون واعتمد عليه هو تعريف مضلل وانه يسد الطريق امام دراسة الحقيقة الاجتماعية للقانون ومن اهم المتزعمين لوجهة النظر هذه “جيرفيتش” الذي حاول ان يعثر على معيار لتعريف القانون عن طريق تحديده لمجموعة الخصائص الشاملة للقيم القانونية حيث اوضح هذه الخصائص على النحو التالي .

1- تتكون التجربة القانونية المباشرة من الافعال الجمعية التي تعكس القيم الروحية المعترف بها والتي تتحقق بالفعل .

2- تتميز القيم القانونية او قيم العدالة بأنها اكثر القيم الاجتماعية اختلافاً ويرجع هذا الاختلاف الى عدة عوامل اولها اختلاف التجربة القيمية ذاتها وثانيها اختلاف التجربة المتعلقة بالأفكار المنطقية والتمثلات العقلية وثالثها اختلافات في العلاقة بين التجربة الانفعالية والتجربة العقلية .

ويستخلص “جيرفيتش” من ذلك ان اكثر تعريفات القانون ملاءمة هو ان تقول “ان محاولة لتحقيق العدالة في محيط اجتماعي معين ” والعدالة في رأي جيرفيتش ليست مثالاً ولا عنصراً ثابتاً ولكنها نسبية ولذلك فان نسبية القانون ونسبية العدالة ترجع الى حقيقة هامة وهي اختلاف التجربة القانونية الاجتماعية والضبط القانوني يختلف عن انواع الضبط الاخرى عن طريق الصفة المحددة والمميزة للأوامر القانونية في مقابل الصفة غير المحددة للأوامر الاخرى وربما يكون ذلك سبباً في ان الدور الذي تقوم به الضوابط القانونية يعتبر اكثر اهمية من الدور الذي تقوم به الضوابط الاجتماعية الاخرى في مواقف عديدة يضاف الى ذلك ان القانون يعتبر بناءً ملزماً وتخصيصياً على عكس انواع الضبط الاخرى التي تتميز بالصفة الملزمة غير التخصيصية اما هذه الصفة الملزمة للمعايير القانونية فهي تظهر في انها تربط ربطاً وثيقاً بين واجبات بعض الاشخاص وحقوق او مطالب البعض الاخر ولذلك فان القانون يطبق معياراَ واحداً على جميع الحقوق وكل الواجبات والتجربة القانونية وحدها هي التي تعتبر تجربة جمعية بينما يمكن ان تكون التجارب الاخلاقية والدينية والجمالية فردية او جمعية ويرتبط القانون دائماً بالقهر فلكي يتمكن من تطبيق قواعده لا بد ان يستخدم القوة بينما تستبعد الاوامر الخلقية امكانية وجود مثل هذا القهر في التطبيق اما بالنسبة للأوامر الدينية والتربوية فهي لا تتميز بالصفة المحددة ومن هذا المنطلق يعد القانون محاولة لتحقيق العدالة في مجتمع معين عن طريق الضبط الملزم والتخصيص القائم على الربط بين الحقوق والواجبات وبعد ان وضع جيرفيتش تعريفاً جامعاً مانعاً للقانون . اخذ يتساءل : ماهي علاقة القانون كنوع من انواع الضبط الاجتماعي بأساليب الضبط الاخرى التي تتمثل في الاعراف والتقاليد وآداب السلوك والعادات المستحدثة واجاب على هذا التساؤل بقوله :انه لابد من التمييز بين انواع الضبط كالقانون والتربية والدين والاخلاق …الخ وبين اساليبه فالأعراف والممارسات ليست انواعاً خاصة للضبط ، ولكنها اساليب توجد داخل الانواع المختلفة ولذلك هناك اعراف وممارسات قانونية واعراف وممارسات اخلاقية ودينية وجمالية وتربوية .

نظام اخلاقي ملزم

     لقد ظهرت تلك الفكرة التي تنسب للقانون خاصيتين “الاخلاقية” و”الالزامية” في دراسات متعددة وهناك اتفاق يكاد يكون عاماً على ان النظام القانوني Legal order يتمثل في انماط السلوك التي تفرضها سلطات مركزية معينة (كالمحاكم والهيئات التنفيذية). وفي الاقتناع الجماعي بأن السلوك المطابق للقانون هو ما يجب ان يتم بالفعل، ومن ثم فبالإضافة إلى الخاصية الملزمة التي يتميز بها القانون، هناك خاصية اخرى وهي الاقتناع بالقواعد القانونية والعمل على تنفيذها وهذا الجانب الاخير جانب اخلاقي .

مرشد للسلوك الانساني

      تعمل المعايير القانونية على تحديد افعال اصحاب الحق واصحاب الواجب تحديداً واضحاً وهي لذلك تعتبر قوة تقف وراء السلوك الانساني او انها مرشد لهذا السلوك وقد ذهب كثير من علماء الاجتماع إلى توسيع مفهوم القانون بحيث وجدوا ان جميع الافعال التي تؤدي باعتبارها حقوقاً لنا او واجبات علينا هي ذلك لأنه بدونها ينعدم وجود النظام وتقل قدرة الجماعة على اداء وظائفها بفاعلية وبالتالي يتصدع بناؤها ويصبح وجودها ضرباً من المستحيل وبناء على ذلك فان المعيار القانوني ليس تعبيراً عن هذا الدستور او ذاك. او هو نتاج خيال فقهاء القانون بل هو قوة حية ذات عمل مستمر تحدد وترشد السلوك الانساني حتى يصبح في نهاية الامر سلوكاً اجتماعياً .

واخيراً. فأنه لا يمكن لنا ان نأخذ بتعريف من هذه التعريفات ونستبعد التعريفات الاخرى وانما كل تعريف يكون ملائماً في المستوى الذي يستخدم فيه اي من وجهة النظر التي وضعته ولذلك ،اذا كنا ننظر الى القانون نظرة شاملة باعتباره يوجد في كل زمان ومكان فهو ظاهرة اجتماعية واذا نظرنا اليه في مجتمع معين فهو فكرة  لتحقيق العدالة في هذا المجتمع بالذات اما اذا نظرنا اليه على مستوى سلوك الافراد والجماعات فهو نظام اخلاقي ملزم وهو مرشد وموجه لهذا السلوك .

Pin It on Pinterest