لمحة تاريخية عن الفروق الفردية

لابد أن يختلف أفراد أي مجموعة فيما بينهم في أي سمة من السمات أو صفة من الصفات . وهذه حقيقة معروفه منذ القدم . إذ يقسم أفلاطون في جمهوريته الناس إلى فئات تباعا للاختلافات الموجودة بينهم ، ويحدد مهنا معينة لكل فئة بما يتفق وهذه الفروق ، على حين نجد أن أرسطو يتكلم عن الفروق بين الأجناس ، والطبقات الاجتماعية ، والفروق العقلية والخلقية بين الجنسين . وكان يعزو هذه الفروق إلى عوامل وراثية . وفي كثير من كتاباته اعتراف ضمني بمبدأ الفروق الفردية ، ولم تجذب الفروق الفردية انتباه رجال العصور الوسطى وفلاسفتها .

كذلك لم تهتم الفلسفة الندابطية في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر بهذه الفروق . إذ كان هم رجالها موجها إلى اكتشاف العوامل التي تؤدي إلى ترابط الأفكار والعمليات العقلية بعضها ببعض . بيدأ أننا نجد من المربين الذين عاشوا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر من أمثال روسو وبشالوتزي وهربارت وفرويد ممن يسمون بالمربين الطبيعيين اهتماما بالطفل وبطبيعته ، والمناداة بملاحظته ووضع البرامج التي تتفق وهذه الطبيعة.

ونجد في كتاباتهم ما يدل على فهمهم لمبدأ الفروق الفردية ، غير أن أهتمامهم كان موجها إلى دارسة الطفل باعتباره ممثلا للأفراد ولم يكن أهتمامهم به يقوم على أساس أنه فرد يختلف عن غيره من الأفراد .

ومن العجيب أن حركة قياس الفروق الفردية لم تبدأ على أيدي رجال علم النفس ، ولكن بدأت على أيدي علماء الفلك ، إذ طرد أحد العلماء مساعده في مرصد جرينتش لأنه تأخر عنه في رصد أحد النجوم فترة تقرب من الثانية ، فعزا العالم هذا إلى إهمال مساعده . وكانت الطريقة المتبعة في الرصد آنذاك هي الاعتماد على السمع والبصر . ولم تكن هذه العملية تتطلب القدرة على التوفيق بين المؤثرات السمعية والبصرية فحسب ، بل كانت تتطلب القدرة على إدراك المسافات .إذ كان الراصد يضبط ساعته على وقت معين بالثانية ، ثم يبدأ عد دقات الساعة التي ينصت إليها أثناء تطلعه في المنظار . ثم حدث أن قرأ العالم بيزل  Bessel قصة المساعد فبدأ يهتم بما سمى فيما بعد ” بالمعادلة الشخصية ” وكان يقصد بالمعادلة الشخصية في بادئ الأمر الفرق بالثواني  بين تقدير أثنين من الراصدين لحركة نجم من النجوم . فأخذ بيزل في جمع سرعة رصد النجوم لمجموعة من الراصدين . فبينت معلوماته مدى اختلاف هؤلاء الراصدين فيما بينهم ، كما بينت مدى اختلاف الفرد بينه وبين نفسه من وقت لآخر . وتعتبر هذه المعلومات أول معومات كمية مسجلة عن الفروق الفردية.

وفي أواخر القرن التاسع عشر أدخل علماء الفلك كثيرا من الآلات التي يمكن بها قياس المعادلة الشخصية لأي فرد دون مقارنته بغيره وذلك لجعل الملاحظة دقيقة ، لقد بدأت حركة التجريب في علم النفس بالمعمل الذي أنشأه فنت عام 1876م في ألمانيا والتجارب الأولى لعلم النفس التجريب تبين مدى تأثر هذا العلم بعلم وظائف الأعضاء . فاقتصر دور علماء النفس التجريبيين في ميدان الفروق الفردية على بيان إمكانية قياس الظواهر النفسية كميا وموضوعيا .

ويعزى الفضل إلى فونسيس جالتون  Galton العالم البيولوجي في شق الطريق الحركة قياس الفروق الفردية على أسس سليمة . وكان هم جالتون البحث في الوراثة والعوامل الوراثية . وتبين له من خلال أبحاثه المختلفة ما جبته إلى قياس المميزات التي تتشابه فيها الأقارب وفي عام 1882م أنشأ جالتون معملا يذهب إليه الناس لقياس سماتهم الجثمانية فكان يقيس لهم حدة البصر والسمع والقوى العضلية . وبواسطة هذه الطريقة أمدنا بأكبر كمية من المعلومات عن الفروق الفردية في بعض العمليات النفسية البسيطة . ووضع الاختبارات التي تقيس هذه العملية وهو أول من استخدم الموازين التقديرية والاستفتاءات والتداعي .

وهكذا أخذت حركة الفروق الفردية وقياسها في الازدهار وما كان القرن التاسع عشرون يبدا القرن العشرين حتى أخذ علم سيكولويجة الفروق الفردية في التبلور وبالإقامة تلخيص مشكلات هذا الفرع من علم النفس فيما يأتي:-

  • تحديد طبيعة ومدى الفروق في الحياة للأفراد والجماعات.
  • تحديد العوامل التي تؤدي إلى هذه الفروق أو تؤثر فيها سواء أكانت هذه العوامل في الوراثة أو في البيئة .
  • كيف تظهر هذه الفروق وكيف يمكن قياسها.

” القياس النفسي لمقاييس و الاختبارات ” د . سعد جلال مكتبة المعارف الحديثة – الإسكندرية.

Pin It on Pinterest

Share This

Share this post with your friends!