ما هو علم النفس التجريبي؟

إن البحث التجريبي هو التسمية التي تطلق على تصميم البحث الذي يهدف إلى اختبار علاقات العلة والمعلول حتى يصل إلى أسباب الظواهر. وقد يبدو البحث التجريبي بالنسبة لبعض الباحثين أكثر تصميمات البحوث تعقيدًا، ولكن إذا فهم الباحث قواعده وأسسه فإنه يجده الطريقة الوحيدة التي يحصل منها على إجابات تتعلق بأسباب حدوث المتغيرات.

والبحوث التجريبية هي الطريقة الوحيدة لاختبار الفروض حول العلاقات السببية بشكل مباشر. ورغم أن البحث التجريبي يشترك مع غيره من البحوث في كثير من جوانب خطة البحث إلا أنه ينفرد ببعض الأسس التي جعلت الباحثين يضعونه في جانب والبحوث الأخرى في جانب آخر.

إن المنهج التجريبي هو منهج البحث الوحيد الذي يمكن أن يستخدم بحق لاختبار الفرضيات الخاصة بالعلاقات من نوع سبب ونتيجة، وفي الدراسات التجريبية يتحكم الباحث عادة في واحد أو أكثر من المتغيرات المستقلة، ويعمل على ضبط تأثير المتغيرات الأخرى ذات الصلة، ليرى تأثير كل ذلك على المتغير التابع. ومن الجدير ذكره أن إمكانية التحكم في المتغير المستقل هي الصفة الرئيسية التي تميز المنهج التجريبي عن غيره من مناهج البحث الأخرى. والمتغير المستقل، الذي يشار إليه أحيانا بالمتغير التجريبي، أو السبب، أو المعالجة، فهو تلك الفاعلية أو الخاصية التي يعتقد بأنها هي التي تقف وراء الفروق المعنوية التي تلحظ بين المجموعات.

ولا يقف الباحث التجريبي عند مجرد وصف موقف، أو تحديد حالة، أو التأريخ للحوادث الماضية. وبدلاً من أن يقصر نشاطه على ملاحظة ووصف ما هو موجود، يقوم عامدًا بمعالجة عوامل معينة تحت شروط مضبوطة ضبطًا دقيقاً.

تعريفات علم النفس التجريبي:

ثمة تعريفات متعددة للبحث التجريبي أبرزها:-

  1. البحث التجريبي: هو تغيير متعمد ومضبوط للشروط المحددة لواقعة معينة وملاحظة التغيرات الناتجة في هذه الواقعة ذاتها وتفسيرها.
  2. البحث التجريبي: يتضمن محاولة لضبط كل العوامل الأساسية المؤثرة في المتغير أو المتغيرات التابعة في التجربة ما عدا عاملا واحدا يتحكم فيه الباحث ويغيره على نحو معين بقصد تحديد وقياس تأثيره على المتغير أو المتغيرات التابعة.
  3. البحث التجريبي هو تغيير عمدي ومضبوط للشروط المحددة لحدث ما، مع ملاحظة التغيرات الواقعة في ذات الحدث.

تطور الدراسة التجريبية للسلوك:

أن هناك اتفاقا لدى المهتمين بعلم النفس بأهمية تطوير هذا العلم ليقترب من العلوم الطبيعية، ولعل السؤال هنا كيف يمكن أن نجعل من علم النفس هذا العلم السلوكي يقترب من العلوم الطبيعية؟

بشكل عام يمكن القول إن العلم هو البحث عن المعرفة الموضوعية المستمدة من الملاحظة، وهكذا فان العلم ما هو إلا طريقة بعينها بمعنى طبيعته المنهجية او المبادئ التي تتحكم بكيفية اجراء الملاحظة. وهذا يعني اننا لكي نقترب بعلم النفس من العلوم الطبيعة فلا بد لنا من أن نطور أدوات البحث فيه، او نطور المنهج الذي من خلاله نتوصل إلى الحقائق وهذا في النهاية يقودنا إلى تحقيق شروط العلم وهي: –

  1. تجنب التناقضات التي غالباً ما يسلم بها الموروث الشعبي.
  2. استعمال تعابير واضحة ودقيقة بمعنى التخلص من فائض المعنى واستعمال مفاهيم إجرائية.
  3. اخضاع كل الادعاءات للاختبار المنهجي.
  4. ثبات الملاحظات العلمية، بمعنى ان يأتي الحدث قيد الدراسة كلما تلازمت الشروط المقترضة.

ويعد (كوستاف فخنر) استاذ الفيزياء من الأوائل الذين طبقوا المنهج التجريبي وحاول أن يفصل علم النفس عن الفلسفة والقوانين الفيزيائية إذ قام بدراسة الظواهر الفيزيائية في الحواس الا انه وقع في خطأ منهجي لا زلنا نعاني منه حتى الان الا وهو الاستبطان أذ كانت التجارب حينها تقوم على شخص واحد، إذ يتم سؤاله عن أحاسيسه عندما يتعرض للظواهر الفيزيائية مثلا صوت قوي جداً، أداة معينة… إلخ، فالمفحوص هنا يتذكر ما حدث له، بمعنى أنه يستبطن ما في داخله، وتعد إجابة المفحوص هنا صادقة (من وجهة نظر الباحث). إلا أن الاستبطان قد يصل في العمليات البسيطة، لكن إذا ما حاولنا أن نسأل المفحوص عن اتجاهاته مثلا، فإنه يبدي بعض التحيز، ولا يعطي الإجابة الصحيحة، علاوة على ما يحدث من تشويه في المعلومات ناتج عن تذكر المعلومات، والتي يعتمد عليها منهج الاستبطان ” وهكذا فالاستبطان ليس هو المنهج الصادق في الوصول إلى الحقائق العلمية، لكن؛ ومع ذلك، لازال هذا المنهج يستخدم حتى الآن، إذ إن جزءا من الأساليب السريرية مثلا تتطلب من المفحوص أن يتذكر، وفي هذا تشويه للحقائق.

ويعد «بافلوف» من الأوائل الذين انتقدوا منهج الاستبطان بعد أن قام بتجربته على الكلب، إذ لاحظ أن استجابة سيل اللعاب تبقى نفسها على الرغم من تبدل المثير، فتساءل بافلوف عن سبب ذلك، ولأن منهج الاستبطان كان هو المنهج السائد آنذاك، ولعدم إمكانية استبطان الحيوان، فقد توجه بافلوف بالسؤال إلى مساعديه، فجاءت الإجابات مختلفة، علاوة على سذاجة العملية نفسها، فمن غير المعقول أن يتخيل الشخص نفسه كلياً، ولهذا استبعد بافلوف منهج الاستبطان کونه غير دقيق في الوصول إلى الحقائق، وأكد على عدم العودة إلى مسببات داخلية، لا يمكن قياسها، بل لا بد من التأكيد على ما يحدث من سلوك خارجي. وقد التزم عموم السلوكيين بعد ذلك بهذا المنهج.

كما أن فونت أيضاً يعد من الذين ساهموا في تطوير المنهج التجريبي ، اذ حول احداث الطبيعة إلى المختبر عام 1879 وحاول أن يضبط جميع المتغيرات التي تحيط بالظاهرة وتؤثر عليها ، وهو أول من تحدث عن ما يسمى بالتصميمات المختلطة  (التصميمات التي تضم متغيرات تجريبية ومتغيرات ارتباطية في آن واحد) ولعل من أهم ما تجدر الاشارة اليه هو أن نجاح التجريب في علم النفس هو الذي اقام هذا العلم – كمجال علمي مستقل ، مثلما ادى النجاح التجريبي في الفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة إلى اعطاء هذا العلوم حقها في الانفصال عن الفلسفة.

ومع ما تقدم فقد يتساءل البعض، هل أن المنهج التجريبي هو المنهج الوحيد في الوصول إلى الحقائق؟ كلا. اذ مازلنا نستعمل المنهج الارتباطي ومنهج دراسة الحالة …..الخ ، لكن يمكن القول أن المنهج التجريبي هو المنهج الذي من خلاله يمكن تقريب علم النفس من العلوم الطبيعية ، لأنه يبحث عن اسباب الظواهر النفسية. وهكذا يمكن القول إن التجريب علم فالعلم يبحث عن السبب ونحن لا نستطيع أن نفهم ونتنبأ ونتحكم بالظواهر دون تحديد الأسباب.

Pin It on Pinterest