مدينة العصور الوسطى

كانت المدينة في العصور الوسطى نتاجا للظروف التي مرت بها اوربا الغربية ، وقد شهدت تطورا ذو مسحة روحية اسبغتها العمارة المسيحية المبكرة ، فظهرت اثناء القرون الاولى للمسيحية عدد من الثقافات والطرز المعمارية الاقليمية في اوربا والشرق الاوسط ، ولكن معظم المعمارين النصارى الاوائل اخذوا عن الرومان الشيء الكثير ، لاسيما فيما يتعلق بالفن المعماري ، واتخذوا من تصميم القاعات الرومانية الكبيرة قاعدة لتصميم النوع الرئيسي من الكنائس (ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة ) .

وينظر للمدينة في القرون الوسطى ، انها لم تكن بمنأى عن طبيعة التنظيم الاجتماعي السائد الذي انعكس سلبا على واقع المدينة ، اذ لم تكن هنالك حالة من التطور والازدهار تذكر ، بل على العكس ، كانت توصف الفترة الواقعة ما بين سقوط الامبرطورية الرومانية سنة (47م) ، وبين ابتداء عصر النهضة في القرن الرابع عشر بالعصور الوسطى المظلمة، التي شهدت انكماش واضح للمدن الاوربية ، نتيجة لكثرة الحروب وسيطرة الاقطاعيين الذين تحكموا بكل شيء وحولوا المدينة الى مكان لاستغلال الطبقات الاخرى لا سيما طبقة العبيد ، لكن مع تقادم الزمن ، برزت بوادر واضحة لانفلات القبضة من ايدي الاقطاعيين ، ليؤشر على بداية في الطريق الصحيح نحو الارتقاء بواقع المدينة عمرانا وانماطا اجتماعية جديدة ، وهي تلك الفترة التي يؤرخ لها في القرن الحادي عشر وحتى القرن الرابع عشر . وكان من ابرز المعالم الحضرية التي برزت في تلك الفترة هو ظهور الحرف والصناعات وتحرر الفلاحين ، وهو ما قوض سلطة الاقطاعيين ، ليتوجهوا ـ أي الفلاحين ـ صوب ممارسة الحرف سواء في البيوت او خارجها .

واخذت معدلات التحضر تتزايد في اوربا خلال القرن الحادي عشر الميلادي ، نتيجة لتوافر فرص العمل بفضل تطور الصناعة ، فترك الفلاحون على اثر ذلك ضياعهم ، ليصبحوا بعد ذلك تجارا وحرفيين ، في حين قام بعضهم بزراعة الاراضي الواقعة خارج المدن ، ليزودوا سكانها بالمواد الغذائية ، كما شجع التحضر والنمو الحضري للمدينة في العصور الوسطى التجارة ، وعلى اثرها ايضا تمت عمليات التبادل بين سكان المدن (forum.stop55.com/252109.)

ان الاسباب التي دعت الى تطور المدينة في اواخر العصور الوسطى كثيرة ويمكن اجمالها على النحو الاتي :(عزام ، د. ادريس ، مصدر سابق ، ص236 ) .

  1. تطور وسائل النقل وانتشار المصانع اليدوية (البيوتية ) ، وهي بادرة اولية لتطور الصناعة بشكل كبير في المدينة.
  2. تطور العملية الانتاجية مما ادى الى اتساع نطاق المنافسة وظهور الاسواق .
  3. وبناءً على ما سبق ظهرت الحاجة الى الايدي العاملة .
  4. تعددية الطبقة في مجتمع المدينة مما جعل ذلك ندا للطبقة المسيطرة ، فكانت ظهور الطبقة المكونة من التجار بمثابة المصادرة لاستغلال الطبقة البرجوازية (الاشراف) للسكان وفرض اسلوب عمرانها وتنظيمها الاجتماعي ليستبدل ذلك باسلوب عمراني جديد وتنظيم اجتماعي مغاير يعتمد التخصص في العمل الى جانب التعدد في الثقافة.
  5. ان التطورات السابقة عملت بلا شك على فرض مزيد من التقويض لسلطة الاقطاعيين مؤديا ذلك الى تحرر الفلاحين من رق الارض ، مما ساعدهم على الهجرة نحو المدينة وفرض بالتالي اسلوبا جديدا للحياة دعا الى ارساء نظم سياسية واقتصادية وادارية تنظر الى مجتمع المدينة نظرة واسعة تأخذ بالاولوية التعددية في القوميات او الثقافات ، والعناية الواضحة بنمط العلاقات الجديد جراء تطور التجارة وما يترتب عليها من منافسة تجارية وانعاش لواقع المدينة .

نخلص بالنهاية ، ان المدينة في العصور الوسطى ، كانت في جانب منها مرحلة تطورية وتقدمية بعد تخلف واضح شهده المجتمع بعامة في اوربا الغربية ، وكانت تلك المرحلة نذيرا بدفع عجلة المدنية والمدينة صوب الارتقاء سواء في عمرانها او انماطها الاجتماعية ، واصبحت حضريتها ذات طابع اجتماعي واقتصادي وسياسي وادراي واضح المعالم .

Pin It on Pinterest