مضامين حقوق الانسان في المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية

– المواثيق الدولية ( المصدر الدولي ) :

يعد المصدر الدولي من اهم المصادر القانونية لحقوق الانسان وكما سبقت الاشارة اليه فقد اصبح الانسان محل اهتمام متزايد في المجتمع الدولي ومؤسساته ولم يعد التعامل مع الافراد مسألة تدخل في الاختصاصات المطلقة لحكومات وذلك منذ قيان منظمة الامم المتحدة عام 1945 ، واعتبرت المنظمة الدولية كافة المسائل المتعلقة بحقوق الانسان حتى لو تعلق الامر بمعاملة دولة ما لرعاياها من المسائل التي تثير اهتماماً دولياً واصبحت مسائل حقوق الانسان تعد شراكة بين الدولة والمجتمع الدولي والمنظمات الدولية وجعل الميثاق الخاص بالمنظمة الدولية احترام حقوق الانسان احد المقاصد الرئيسة للامم المتحدة واحد السبل الاساسية لتحقيق السلم والامن الدوليين ، اذ عد ان هناك ترابطاً وثيقاً بين حقوق الانسان وحفظ السلم والامان الدوليين لذا سنركز على مضامين حقوق الانسان في الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواثيق الدولية الاخرى الصادرة عن الامم المتحدة :

  1. الاعلان العالمي لحقوق الانسان :

اعتمدت الجمعية العامة للامم المتحدة المنعقدة في باريس في 10 كانون الاول عام 1948 الاعلان العالمي لحقوق الانسان بوصفه المثل الاعلى المشترك الذي ينبغي ان تبلغه الامم والشعوب كافة ، ويتكون الاعلان العالمي من ديباجة هي انعكاس لديباجة ميثاق الامم المتحدة و 30 مادة تحدد حقوق الانسان وحرياته الاساسية التي ينبغي ان يتمتع بها جميع الرجال والنساء في انحاء العالم كافة بلا تمييز .

وترد في ( المادة الاولى ) المبادئ الفلسفية التي يقوم عليها والتي تنص على ما ياتي :           ( يولد جميع الناس احراراً ومتساوين في الحقوق والكرامة وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم ان يعاملوا بعضهم بعضا بروح الاخاء ) وبالتالي فهذه الاعلان يفترض الاتي :

أ- ان الحق في الحرية وفي المساواة والكرامة هو حق يولد مع الفرد ولا يجوز التصرف فيه .

ب- نظرا لان الانسان كائن ذو عقل ووجدان فانه يختلف عن باقي المخلوقات على الارض ومن ثم له حقوق وحريات لا يتمتع بها المخلوقات الاخرى .

وتنص ( المادة الثانية ) على المبدأ الاساسي الخاص بالمساواة وعدم التمييز فيها يتعلق بالتمتع بحقوق الانسان والحريات الاساسية وهي تؤكد بذلك حكم ميثاق الامم المتحدة الذي ينص : ( بان تعمل المنظمة الدولية على تعزيز مراعاة تلك الحقوق والحريات للجميع بلا تمييز بسبب الجنس او اللغة او الدين ) وتؤكد ان هذا الاعلان ينطبق على جميع البلدان والاقاليم بغض النظر عن مركزها .

وتشكل ( المادة الثالثة ) حجر الزاوية الاولى بالنسبة للاعلان ، فهي تمهد لسلسلة المواد  ( 4-21 ) التي تشمل على الحقوق المدنية والسياسية ، فقد نصت المادة الثالثة على حق الفرد في الحياة والحرية وفي الامان على نفسه ، والتحرر من الاسترقاق والاستعباد وعدم الخضوع للتعذيب ولا للمعاملة والعقوبة القاسية او اللاإنسانية او المهينة بالكرامة ، وحق الانسان في كل مكان في ان يعترف له بالشخصية القانونية والحق في ان تكون للفرد جنسية ، وحق كل انسان في ان تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة ويكون المتهم بريء حتى تثبت ادانته ، وعدم جواز التدخل التعسفي في حياة الانسان الخاصة وحرية التنقل وحق اللجوء السياسي والانساني وحق التزوج وتكوين الاسرة وحق التملك وحرية الفكر والوجدان والدين ، وحرية الرأي والتعبير وحق تكوين جمعيات وعقد الاجتماعات وحق كل شخص في المشاركة السياسية في ادارة الشؤون العامة لبلده وحقه في تقلد الوظائف العامة .

وتمهد المادة ( 22 ) التي تشكل حجر الزاوية الثاني في الاعلان العالمي لحقوق الانسان للمواد ( 23-27 ) التي تبين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تشمل الحق في العمل والحق في الضمان الاجتماعي والحق في الراحة واوقات الفراغ والحق في مستوى معيشي لضمان الصحة والرفاهية والحق في التعليم والحق في المشاركة في حياة المجتمع الثقافية .

وبقدر ما يعد الاعلان العالمي لحقوق الانسان اكثر القرارات التي اصدرتها الامم المتحدة شهرة واهمية ، الا ان من اكثرها اثارة وجدلاً بشأن ما يتمتع به من قيمة قانونية ، فهناك من يرى انه لا يتمتع بقوة الزام على الدول في حين يرى البعض الاخر انه يتمتع بقوة الزام بحدود معينة ورغم ذلك فان الاعلان وضع تفصيلا لحقوق الانسان واصبح مصدرا يستمد منه الانسان الحقوق ويعد انتهاكه انتهاكا لالتزام قانوني يقع على الدول ، كما ان مضمون الاعلان قد تاكد من الناحية العملية على المستويين الوطني والدولي .

فقد رددت اغلب الدول في دساتيرها وتشريعاتها وعلى درجات مختلفة المبادئ والقواعد الخاصة بحقوق الانسان الواردة في الاعلان العالمي واصبح هذا الاعلان مصدراً لكل الجهود الوطنية والدولية لتعزيز حقوق الانسان وحدد الاتجاه لكل الاعمال اللاحقة في ميدان حقوق الانسان وفر الفلسفة لكثير من الصكوك الدولية الملزمة قانونياً والتي جاءت تفصل جزءً من الحقوق التي وردت في الاعلان .

  1. العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الانسان :

ان ما جاء به الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 ليس سوى اعلان مبادئ ومُثل عليا بحقوق الانسان ينبغي على الدول ان تراعيها في دساتيرها ومعاملاتها مع مواطنيها ، اما العهدين الدوليين الصادرين عن الجمعية العامة للامم المتحدة في العام 1966 فهما :

الاول : الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، والثاني : الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، فان احتوى على اقرار من الدول الموقعة عليها على الالتزام بما جاء في نصوصه من حقوق وحريات تخص الانسان ، اي بمعنى انه احتوى على الالزام الدولي بينما ما جاء به الاعلان العالمي لم يحتوي على الالزام الدولي .

اما ما يخص مضمون ( العهدين الدوليين ) فانه لم يختلف كثيراً عن ما جاء به الاعلان الدولي لحقوق الانسان من حقوق وحريات مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية ، فقد جاءت المواد التي تخص هذه الحقوق مشابه لما جاء به الاعلان العالمي سوى الفقرات التي تخص حق تقرير المصير بالنسبة للشعوب الواقعة تحت الاستعمار وتحرير الانسان من قهر الانسان والحكومات وبالنسبة للافراد تقرر ان لكل انسان حق اصيل في الحياة ، وفي البلدان التي لم تقم بإلغاء عقوبة الاعدام لا يجوز ان يحكم بهذه العقوبة الا على اشد الجرائم خطورة وفقاً للقوانين التي تكون سارية عند ارتكاب الجريمة ، وقد سميت هذه الوثائق الدولية الثلاث ، اي الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهدين الدوليين ( بالشرعة الدولية لحقوق الانسان ) .

المحاضرة الثامنة :

مضامين حقوق الانسان في التشريعات الوطنية ( المصدر الوطني ) :

تعد الدساتير واحكامها هي القوانين الاساسية للدول وقواعد قمة التسلسل الهرمي لأنظمتها القانونية ، لذلك فانها تتبوأ المكانة العليا في انظمة الدول ، وهي بالتالي ملزمة لجميع السلطات من تشريعية وتنفيذية وقضائية وتستوجب الاحترام من قبل جميع السلطات بما في ذلك المشرع والمنفذ والقاضي على حدٍ سواء .

وذلك يعني ان ادراج حقوق الانسان في الدساتير الوطنية للدول يعطيها قدراً كبيراً من الاحترام والضمانة ، وحيث ان الدساتير المكتوبة او المدونة لا يمكن لها استيفاء كل التفاصيل في ضمان حقوق الانسان ، ولمّا كانت هذه الحقوق حقوقاً طبيعية اصيلة في الانسان لا ينشأها الدستور وانما يعلن عنها فقط ، فان قائمة الحقوق التي يتمتع بها الانسان في بلد ما تتعدى تلك نص عليها الدستور صراحة ، ولذا فان ذكر بعض حقوق الانسان في الدساتير يعني اضفاء مكانة رفيعة عليها لما يتمتع به الدستور من سمو على مختلف التشريعات الوطنية الاخرى كالقوانين والانظمة .

كما ان بعض حقوق الانسان اصبحت بطبيعتها في نظر المجتمع الدولي حقوقا غير قابلة للتقييد ويتمتع بها الانسان بالرغم من التضييق عليها في الدستور ، ومن هذه الحقوق ( حق كل انسان في الاعتراف له بالشخصية القانونية ، ومنع الاسترقاق والممارسات الشبيهة بالرق وحضر التعذيب او العقوبة القاسية او اللاإنسانية او الحاطة بالكرامة ، وحق الانسان في الحياة والكرامة ، وحق المواطن في الجنسية وعدم ابعاده عن وطنه او حرمانه من العودة اليه ، وعدم تسليم اللاجئين السياسيين ، وحرية المعتقد والى غير ذلك ) ، من الحقوق التي تواتر العمل الدولي سواء بمقتضى الاتفاقيات او عن طريق الاعلانات الدولية على اعتبارها حقوقا طبيعية لا تقبل التغيير بان شكل من الاشكال وهي كما يسميها البعض ( حقوق مشتركة للانسانية ) .

في الواقع ان تواتر تضمين الدول لدساتيرها حقوق الانسان اذ يعبر عن شكل من اشكال هذه الدول لحقوق الانسان ، فانه يعد احد العوامل الاساسية في تقوية مدى انسجام التشريعات الوطنية لهذه الدول مع المواثيق والعهود الدولية لحقوق الانسان ذلك ان انضمام الدول الى اتفاقيات حقوق الانسان الدولية والاقليمية يتطلب منها جعل تشريعاتها الوطنية او ( دساتيرها ) منسجمة مع التزاماتها بهذه الاتفاقيات والمبادئ والمعايير والحقوق الواردة فيها وذلك ما اكد عليه المؤتمر العالمي لحقوق الانسان الذي عقدته الامم المتحدة في فيينا عام 1993 بنصه ” يحث المؤتمر العالمي لحقوق الانسان الحكومات على ان تدرج في قوانينها المحلية المعايير الواردة في المواثيق الدولية لحقوق الانسان ” .

وكما ذكرنا انفا فأن الدساتير لا تنشأ حقوق الانسان والحريات بل تقررها وتقرر الضمانات الكافية لها ، اما ما يخص الدول العربية الاسلامية ، فأن معظم هذه الدول قد اصدرت دساتير وطنية عقب حصولها على الاستقلال السياسية وكان ذلك تحت تأثير القوى الداخلية التي حملت مسؤولية النضال التحريري فربطت استرجاع السيادة بإشاعة الحريات والاقرار بحقوق الانسان ، وتضمنت معظم هذه الدساتير حقوق الانسان الواردة في المواثيق والاعلانات الدولية ، فورد فيها النص على مبدأ المساواة وعدم التمييز ومبدأ سيادة الشعب وحرية التعبير وحرية الاجتماع السلمي وعلى حق تكوين الجمعيات والحق في المشاركة في الشؤون العامة ، في حين اكتفى الدستور الفرنسي الصادر عام 1958 بالإشارة في ( ديباجته الى ) ارتباطك الشعب الفرنسي رسميا بحقوق الانسان ، اما في بريطانيا فان حقوق الانسان لا يتضمنها دستور مكتوب لعدم وجوده في هذه البلاد ، تضمنتها مواثيق واعلانات صدرت منذ قرون ، وهكذا فان الاعتراف بحقوق الانسان واحترامها لا يرتبط بوجودها في دساتير وتشريعات الدول وحجم نصوصها في هذه الدساتير والتشريعات فقط ، بل في تطبيقها وحمايتها بشكل فعلي وهو المسألة الاكثر اهمية على ارض الواقع .

Pin It on Pinterest