معنى القصدية في البحث الظاهراتي

ظهرت فكرة القصدية أولاً لدى برنتانو أستاذ هوسرل، إذ استخدمها في سياق تمييزه بين علم النفس التجريبي وعلم النفس الوصفي. ذهب برنتانو إلى أن علم النفس الوصفي لا يدرس الوعي من وجهة نظر عضوية أو سلوكية كما يفعل علم النفس التجريبي، بل يدرسه على أنه وعي قصدي. والقصدية عند برنتانو تعني الإشارة إلى موضوع داخل الوعي، أي مضمون معين داخله، أو موضوعية محايثة (بالإنجليزية:Immanent Objectivity). ويعني ذلك أن الوعي لا يحتوي فقط على أ حداث أو حالات ذاتية سيكولوجية بل يتضمن كذلك موضوعية حقيقية وليست واهمة أو من صنعه هو، لكنها في نفس الوقت تنتمي إليه لأنها تظهر فيه. الموضوعية عند برنتانو إذن هي موضوعية ناتجة عن قصدية الوعي.

أخذ هوسرل عن برنتانو فكرته عن القصدية وتحولت لديه إلى نظرية في الوعي كانت من دعائم الفينومينولوجيا. لكن عدل هوسرل من فكرة برنتانو عن القصدية بحيث تحولت لديه إلى فعل للوعي ينتج به الموضوعية( ). فالموضوع الذي يشير إليه الوعي ليس مجرد شئ يقصد إليه الوعي، بل هو من إنتاج الوعي ذاته. وبمعنى أدق ذهب هوسرل إلى أن الأفعال القصدية للوعي هي المنتجة للموضوعية. وهوسرل بذلك اختلف عن برنتانو الذي ذهب إلى أن الوعي لا يقوم بشئ إلا أن يقصد إلى موضوع محايث له؛ أما هوسرل فيذهب إلى أن القصدية لا تعني مجرد قصد الوعي إلى موضوع بل تعني أنها تنتج الموضوع ذاته.

ويبني هوسرل مفهومه عن القصدية على أساس الوعي الذاتي، ويذهب إلى أن الحكم هو وعي بالشئ، والإدراك الحسي هو توجه قصدي نحو الشئ، والوعي بصفة عامة هو وعي بشئ ما وليس هناك وعي فارغ أو بدون مضمون، وليس هذا الشئ خارجياً بل هو الظاهر المحايث للوعي. ومعنى ذلك أن الحكم إذا لم يكن مصاحباً بوعي بفعل الحكم لن يكون حكماً من الأصل، وكذلك الإدراك الحسي، فلو لم يكن مصاحباً بوعي ذاتي بفعل الإدراك فلن يكون إدراكاً. كما تتشابك القصدية عند هوسرل مع قضية المعنى، إذ يذهب إلى أن كل خبرة قصدية لديها معنى تتصل من خلاله بالموضوع”. الخبرة القصدية إذن هي خبرة الوعي بالموضوع عن طريق المعنى المقصود من قبل الذات والذي يرتبط مباشرة بالموضوع. وكما يقرب مفهوم القصدية الذات من الموضوع فهو يقرب الموضوع أيضاً من الذات، ويتضح هذا من قول هوسرل إن كل العالم الواقعي الموضوعي عبارة عن تمثل للوعي. تعبر القصدية إذن عن أن الوعي يحمل في ذاته باعتباره “أنا أفكر” (كوجيتو) موضوعه المفكر فيه. ويذهب هوسرل إلى أن القصدية الصريحة هي “كوجيتو” مكتمل. ويعني بذلك أن الذات عندما تكون واعية بدورها القصدي في المعرفة تكون هذه القصدية كوجيتو صريح، أي وعياً ذاتياً بكون الذات مفكرة، أي وعياً بالذات أثناء العملية المعرفية. ومعنى هذا أنه يوجد مستوى آخر من القصدية غير المكتملة تكون فيه الذات غير واعية بأفعالها المعرفية وتعتقد في أن الموضوعية هي في تلقيها السلبي للأشياء من العالم الخارجي، في حين تكون الموضوعية نتيجة لأفعال الوعي التي لا تدركها الذات بالكامل. هذا المستوى غير الواعي أو التلقائي للقصدية لم يؤكد عليه هوسرل بما فيه الكفاية، كما لم يميز بدقة بين قصدية واعية وقصدية غير واعية. لكن تظهر معرفته بقصدية غير واعية من بعض الإشارات المتفرقة في مؤلفاته، مثل قوله:

الفينومينولوجيا عند هوسرل منهج دارس لأفعال الوعي، وهي أفعال قبلية تؤسس موضوعات الخبرة في الوعي. يقول هوسرل “يمكن للوعي أن يُكتشف منهجياً بطريقة تمكِّن المرء من رؤيته وهو يعمل، حيث يلحق المعنى.. بالوجود.. ويمكن للمرء أن يرى أن ما هو حاضر في متناول اليد قد تشكل مسبقاً.. من خلال أداء سابق للوعي”. أي أن الموضوع نتيجة فعل موضعة (بالإنجليزية:Objektivierung / Objectification) من قبل الوعي. ومن بين أفعال الوعي التي يدرسها هوسرل الاستبقاء (Retention)، أي القدرة على الاحتفاظ بإدراكات حسية سابقة في أزمنة مختلفة لإدراك موضوع واحد مثل لحن موسيقى أو الأبعاد والزوايا المختلفة لشكل مجسم. ومن الواضح أن ما أطلق عليه هوسرل الاستبقاء قد ظهر في نظرية كانط وخاصة في استنباط الطبعة الأولى باعتباره فعلاً للوعي يقوم عن طريقه بـ “تركيب إعادة إنتاج الموضوع في المخيلة”، ولهذا التشابه في التحليل دلالات عديدة سوف نكشف عنها في الفصول القادمة. كما يدرس هوسرل فعلاً آخر للوعي يسميه “الاستباق” (Protension)، أي توقع بشكل لموضوع من خلال إدراك جانب واحد منه، مثل توقع أن يكون الجانب الخلفي من الكرة كروي مثل الجانب الأمامي، أو أن يكون للجانب المختفي نفس لون الجانب الظاهر. هذا بالإضافة إلى فعل ثالث للوعي وهو الخيال Imagination، أي القدرة على استحضار شئ في الخيال غير حاضر أمام الحواس، وهو ما سبق ظهوره عند كانط في حديثه عن ملكة المخيلة الترانسندنتالية ودورها في إعادة تمثل الموضوع في غيابه.

والوعي عند هوسرل فعل ولا يظهر إلا في صورة فعل أو نشاط أو وظيفة أو حركة؛ فهو عنده متحرك دائماً وليس ملكة ذات وظيفة ثابتة محددة، وهذا ما أدى بهوسرل إلى القول باختلاف بينه وبين كانط، لأن الوعي عنده ليس ملكة على شاكلة الملكات المعرفية الكانطية؛ ولا يقسم هوسرل الوعي إلى ملكات متمايزة كما فعل كانط، وهذا ما دفع هوسرل إلى الحكم على نظرية كانط في المعرفة بأنها ذات نزعة سيكولوجية لأنها ترد المعرفة إلى ملكات في الذهن البشري( ). لكن الحقيقة أن كانط قسم العقل الإنساني إلى ملكات على سبيل الشرح والتقريب وكطريقة في عرض نظريته في المعرفة التي اختلفت عن سابقاتها وكأسلوب مبسط في تقديم الأفكار وفي التحليل، ذلك لأن كانط لم يعالج أبداً ملكات المعرفة على أنها أعضاء فسيولوجية في الذهن. وعندما نتجاوز الاختلاف بين ملكات المعرفة عند كانط وأفعال الوعي عند هوسرل ونركز على التحليلات العينية للمعرفة عند كل منهما سوف يتضح مدى التقارب.

ويتضح تحليل هوسرل لأفعال الوعي من محاضراته التي لم تنشر في حياته بل بعد وفاته بفترة، وهي محاضرات بدأها هوسرل فور انتهائه من إصدار الجزء الثاني من “أبحاث منطقية” سنة 1901. وتنقسم هذه المحاضرات إلى تحليل فينومينولوجي للوعي بالزمان الداخلي بدأها سنة 1905، وتحليل لكيفية إدراك الشئ والمكان بدأها 1907، ودراسة للأسس الفينومينولوجية للمنطق بدأها سنة 1920 واستمر فيها حتى 1928، وهذه الدراسة الأخيرة هي التي جمعت بعد وفاته في كتاب بعنوان “الخبرة والحكم” سنة 1938.

يذهب هوسرل في “الخبرة والحكم” إلى أن إدراكي للشئ ليس تلقياً سلبياً بل هو نتيجة لأنني أحدد هوية هذا الشئ باعتباره شيئاً واحداً، إذ أستطيع أن أراه من عدة جوانب ومن منظورات مختلفة. إدراك الشئ إذن يتضمن أفعالاً مختلفة: تجميع جوانب الشئ معاً، واسترجاع إدراكاتي المختلفة له في أزمنة سابقة، وتجميعي لحالاته المختلفة التي يتغير فيها عبر أزمنة عديدة. ويشير هوسرل بذلك إلى أن التعرف على شيئية الشئ، أي التعرف على كونه جسماً مادياً ذا أبعاد هندسية، يعتمد على قدرتنا على مشاهدته من عدة زوايا وعبر أزمنة مختلفة. أفعال الوعي إذن هي التي تؤسس الوعي بشيئية الشئ. لكن هذه الأفعال يقوم بها الوعي بتلقائية وهو غير واع بها:

إن الوعي الساذج، من خلال جميع المدركات الحسية ودرجاتها التي يظهر بها موضوع الإدراك، يتوجه ناحية الموضوع نفسه: الموضوع الذي يُظهر نفسه في الإدراك الحسي على أنه كذا وكذا. هذا الوعي ليس شاعراً على الإطلاق بأن موضوعه المعطى في هذه الصفات الحسية هو في حد ذاته إنجاز، إنجاز عقلي من الدرجة الدنيا. ولذلك فإن هذا الوعي سوف يجد نفسه مجبراً على النظر إلى الإدراك الحسي على أنه توجه سلبي”. لأنه لا يعلم أن الإدراك الحسي نفسه إنتاج، إذ ينتج موضوعه ذاته. ونلاحظ في التحليل الأخير للنص السابق أنه يتشابه مع تحليل كانط للتركيب القبلي لموضوعات الإدراك الحسي والموجود في استنباط الطبعة الأولى وفي “المبادئ التركيبية للفهم الخالص”، وخاصة تحليله لمسلمات الحدس واستباقات الإدراك.

Pin It on Pinterest