مقدمة في القياس والتقويم

        ان القياس قديم قدم اول محاولة بدأها الانسان لتعلم شيء لاخر من بني جنسه؛ فالإنسان القديم اعتمد على التجربة في تعلمه واستطاع ان يقوم سلوكه استنادا على نتائج ذلك السلوك.

ففي المجتمعات البدائية القديمة كان معلم الحرف او الصنعة يقوم بعملية التقويم عندما يقوم بأصدار حكم على مدى اتقان المتعلم اداء عمل مهاري ومدى نجاحه في ذلك العمل.

       وعند ظهور الكتابة بدأت بوادر عملية التعليم فأن القياس كان يقوم اساسا على التسميع الشفهي حي كان الهدف الاساس للتعلم هو تدريب المتعلم على حفظ الحقائق او المقطوعات الأدبية واعادتها من الذاكرة وكان من الطبيعي ان يقوم القياس على هذا النوع لان المواد الكتابية لم تكن متوفرة كما في هذا اليوم وظل هذا النوع من القياس قائمآ على الاسئلة الشفوية والملاحظة والحكم الشخصي سائدا في معظم الحضارات القديمة .

الا ان بعض المجتمعات القديمه استخدمت وسائل من التقويم والقياس على درجة معقولة من التطور فقد دأب الصينيون القدامى على استعمال القياس والتقويم الموضوعي لأختيار الحكام والاداريين لمختلف مقاطعات ومدن الصين حيث كانت تجري لهم اختبارات تحريريه للمتقدمين وتكون فيها الاسماء سريه ويتولى تصحيح اجابات الامتقدمين اكثر من مصحح واحد . وكانت الامتحانات تجري بشكل متتابع  من القريه الى المدينه الى المقاطعه يشترك فيها الاف  من المتقدمين ويمتحنون في موضوعات شتى تتضمن اللغه والحساب والشعر والتاريخ والفروسيه والرمايه , اي ان الامتحانات كانت على نوعين نظريه وعمليـــه .

       اما المجتمع اليوناني فقد كان المعلمون الاوائل مثل سقراط وافلاطون يستعملون وسائل تقويم شفوية ( حواريه ) وفي نفس الوقت يشير البعض الى وجود دلائل على استخدام الاختبارات التحريريه .

اما العرب المسلمون فأن للأحتبارات كان لها الدور المهم في التاريخ العربي والاسلامي وخاصه في المجال التعليمي والمهني واستعمل العرب المسلمون الاختبارات على شكل اختبارات شفويه وتحريرية ففي (الكتاتيب)  وهي تقابل المدرسه الابتدائية بشكل عام , حيث كان يجتمع الاطفال على شكل حلقات دراسيه صغيرة لتعلم القرآن الكريم وبعض القواعد النحويه ومتها خمس سنوات وعند انتهاء هذه المده يمنح المعلم شهادة لمعرفة مدى حفظ القرآن الكريم وكان الاختبار يجري بشكل فردي ,  وكانت تعطي ثلاث تقديرات هي : ممتاز وتعطى للطالب الذي يحفظ القرآن من اوله الى احره مع ضبطه بالشكل والاعراب والفهم وحسن الخط .

         اما المتوسط فتعطى لمن يقرأ القرآن نظرآ في المصحف مع ضبط الشكل والهجاء ؛ واما الضعيف فهو الذي يقرأ القرآن بدون ضبط الحروف .

        ويختار الطالب الذي يرغب في ان يكون شيخآ ( مدرسآ ) وتكون له حلقه دراسية فتجرى له عدة اختبارات على شكل جلسات ؛ تطرح فيها الاسئله من قبل المدرس والطلبة وتتم المناقشة الى ان تتكون لدى الجميع بأنه يمكن ان يكون مدرسآ ويدير حلقه دراسيه .

       وتدل الشواهد التاريخيه بأن العرب المسلمين كانوا يهتمون اهتمامآ كبيرآ في الاختبارات المهنيه وخاصه اختبارات الاطباء والصيادلة والجراحين وغيرهم . فقد روي ان الخليفة المقتدر كان اول من شرع امتحان الاطباء وكان رئيس الاطباء هو الذي يمتحن زملائه  وينال بعد الامتحان الشهادة التي تحدد له الامراض التي يمكن ان يعالجها . أما الصيادلة فكان لاختبارهم تجمع بين الطب والكيمياء فقد يكون الخليفه المأمون أول من اهتم بأختبار الصيادله . أن الشواهد التاريخيه كثيرة ومتنوعه تؤكد بأن للعرب المسلمين دور فعال في تطور التقويم والقياس شأنهم شأن بقية الأمم والحضارات ، ولكن بعد أن عم الضلام المعرفي واهملت المعارف في زمن القرون الوسطى فقد كان التقويم يقتصر فقط على مجرد عدد من الاسئلة الشفويه ويعتمد على الذاتية واستمر هذا الحال حتى القرن التاسع عشـــــــــــر .

        ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر أخذ المربون يدركون مساوىء الاعتماد كليآ على التسميع الشفهي وظهر من يدعو الى استخدام الاختبارات التحريريه بدلآ من  الشفويه كأساس للالتحاق بالكليات والجامعات وخاصه في الولايات المتحدة الامريكيه . ثم استخدم  الامتحان التحريري الى زيادة الاعتماد على هذا النوع نتيجة لسهولة الحصول على المواد الكتابية  وان هذا النوع من الاختبارات غالبى مايتألف من مجموعة من الاسئلة تتطلب أجابات من نوع المقال وان هذه الاسئلة تسمح  للطلبة بالتفكير بالأجابة في وقت واحد طما تسمح لهم بالتطبيق دون ان يشعر بالتوتر والخجل . كما تسمح  هذه الاختبارات بمقارنة تحصيل الطلبة بعضهم بالبعض الآخر لأن يجيبون على الاسئلة ذاتها في زمن محدود ولجميع الطلبة .

         وعلى الرغم من الجوانب الايجابية التي تتمتع بها الاختبارات التحريريه  ألا انها تحمل بعض القصور منها عدم الشمول ، وعدم الموضوعيه ، وضعف صياغة بعض اسئلتها . غير ان هذه النقله فـي  الاختبارات لم تؤد الى الاستغناء كليآ عن الاختبارات الشفوية فالأختبار الشفوي مازال من الاختبارات المهمه التي تستعمل على نطاق واسع في قياس انواع مختلفه من التحصيل .

          ففي اوائل القرن العشرين شهدت ظهور حدث هام هو ادخال اول وسيله من الوسائل الشائعه في قياس الذكاء على يد (بينيه وسيمون ) حيث وضع (الفريد بينيه ) بالاشتراك مع زميل له (سيمون) بوضع اول اختبار للذكاء عام (1905 م)  وكان لهذا الحدث الاثر الكبير في تطور القياس والتقويم  التربوي حيث فتح الباب امام الباحثين والعلماء لبناء العديد من ادوات القياس . فقد (رايس) اول اختبار تحصيلي في الهجاء واجراء على جميع المدن المختلفه التي شملتها  الدراسه وقد اثار هذا الاختبار اهتمامآ كبيرآ في الاوساط  التربويه لأنه اتاح الفرصه لكل منطقه تعليميه لان تقارن بين مستوى طلابها وبين مستوى اداء الطلبة في المناطق الاخرى .

           أن ابحاث بينيه راين وغيرهم من الباحثين الرواد ادت الى ظهور حركة تعرف بــ (حركة القياس والأختبار )التي استمرت قائمة خلال الربع الأول من القرن العشرين ومن المظاهر الاساسية بهذه الحركة تطور ونشر عدد كبير من الاختبارات التحصيليه االمقننه واختبارات الذكاء ومن المظاهر الجانبية التي رافقت هذه الحركة ظهور مجوعة من النظريات والاساليب التي تدور حول موضوعات مختلفه مثل ثبات الاختبار وصدقه وتقدير النتائج بالعلامات . وفي العد الرابع من القرن العشرين ظهرت (حركة التقويم التربوي ) وتميزت هه المرحله بظهور العديد من المجلات التربويه والنشرات الخاصة بأجراء الاختبارات . واخذ بعض الباحثين بفضل استخدام فكرة التقويم التربوي بدلآ من القياس التربوي بأعتبارات التقويم أكثر شمولآ أذ أنه يركز على تقدير وقياس كل العوامل المتداخلة في العملية التربويه  ولاتقيس على عدد محدد منها .

         لقد تميزت حركة التقويم التربوي بجملة من الاعتبارات اضافت الاختبارات المزيد من التطور ويمكن ايجاز مايخص عن هذه الحركة بالآتي :-

  1. أن الاختبار لايمكن بأي حال من الاحوال اعتباره غاية في ذاته ، وان لاقيمة حقيقية له ألا اذا اعتبر جزءآ متكاملآ من العملية  التربوية .
  2. استخدام مصطلح التقويم بدلآ من القياس باعتبار ان التقويم التربوي أكثر شمولا .
  3. الخطوة الاولى من تخطيط أي برامج يجب أن يبدأ اولآ بتحديد دقيق للأهداف التعليمية.
  4. لكي يكون البرنامج التعليمي أكثر شمولآ يجب أن يستخدم اساليب متنوعة وهذا يعني أن هنالك مهمه يمكن تقويمها باستخدام الاختبارات وهنالك سمه يتطلب تقويمها باستخدام الملاحظة وثمة سمة أخرى يجب استخدام اساليب مختلفة .
  5. يجب على المدرس أن يتوصل الى فهم تام للعلاقة بين الاهداف التعليميه وطرق التقويم وأن يلم بعدد كبير من الوسائل والاساليب المتنوعة .

            وبعد الحرب العالمية الثانية ظهر علم الاحصاء الوصفي والاستدلالي الذي أثر في تطور التقويم والقياس التربوي وجعله أكثر دقة وعملية وشمول وخلاصة القول فأن ( ثورندايك ) قد لخص تطر القياس بمقولته الشهيرة ( أن القياس في العصور القديمة يمثل ظاهرة وفي العصور الوسطى يمثل كطريقة وفي العصور الحديثة علم قائم بذاته .

Pin It on Pinterest