مقدمة في علم الاجتماع القانوني

إن علم الاجتماع القانوني الذي يتخصص في دراسة القانون بوصفه ظاهرة اجتماعية لا يمكنه الوصول بحال إلى فهم علمي متكامل لهذه الظاهرة إلا إذا استعان بما توصلت إليه كافة فروع علم الاجتماع الأخرى من نتائج (مثل علم الاجتماع الأسري والريفي والحضري والتربوي والسياسي والاقتصادي ….الخ) بل وبما توفر من معرفة فى العلوم الاجتماعية الأخرى التي تدرس نفس الظاهرة .

      كما أن المعرفة التي يتوصل إليها علم الاجتماع القانوني تسهم من جهة أخرى في إثراء المعرفة في غيره من فروع علم الاجتماع بصفة خاصة والعلوم الاجتماعية بصفة عامة. ونستطيع أن نستدل مما سبق على أن علم الاجتماع القانوني هو أحد فروع علم الاجتماع الذي يتخصص في دراسة جانب معين من الحياة ” لجانب القانوني” من أجل الوصول إلى فهم هذا الجانب من جهد وإثراء المعرفة بالحياة الاجتماعية ككل من جهة أخرى .

يتمثل فى دراسة القانون كظاهرة اجتماعية في علاقته بالظواهر الاجتماعية الأخرى (علم الاجتماع القانوني) أو إلى دراسة القانون بالتركيز على البعد الزمني في نشأة وتطور النظم القانونية (تاريخ القانون )، وقد ينصرف اهتمام الباحث إلى دراسة القانون باعتباره نسقاً أيديولوجيا شأنه شأن الأنساق الأيديولوجية الأخرى، كالفلسفة والفن والأدب وغير ذلك، هذا النوع الأخير من الدراسات هو ما اصطلح على تسميته بفلسفة القانون أو نظرية القانون.

        كما أن دراسة القانون كقاعدة قد تنهج نهجاً اجتماعياً أو تاريخياً وقد تنطلق من تصور أيديولوجى محدد مسبقاً، وقد تكون كل ذلك كما أن دراسات علم الاجتماع القانوني كثيراً ما تتبنى المنهج التاريخي، كما أن دراسات تاريخ القانون لابد وأن تكون ذات بعد اجتماعي، وكذلك فإن البحث في الأيديولوجيا القانونية لا يدور في فراغ بل هو يتأثر بالقواعد القانونية النافذة، يؤثر فيها بنفس القدر الذي يرتبط فيه بالتناول الاجتماعي أو التاريخي للظاهرة القانونية.

     أن دراسة القانون كظاهرة اجتماعية وتاريخية، ودراسة الفكر القانوني ذاته كظاهرة اجتماعية وتاريخية هي دراسات تأصيلية ترجع بالنظم القانونية وبالنظريات حول القانون إلى أصولها الاجتماعية والتاريخية المعرفية، الأمر الذي سيؤدى في مجال العمل إلى نتيجتين هامتين ومرغوب فيهما:

أما النتيجة الأولى : فتتمثل في ترشيد السياسة التشريعية، فمن خلال دراسة القانون كظاهرة اجتماعية أو تاريخية أو فكرية ستكف العملية التشريعية عن أن تصبح استيراداً لنصوص قانونية من الأنظمة القانونية “المتحضرة” لترتبط بأصله بالواقع الاجتماعي وبالبعد التاريخي وبالمنطلق الفكري والفلسفي للمجتمع الذي يشرع له .. وسيكف المشرع كذلك عن عبادة وتقديس مفاهيم ومبادئ قانونية قد تثبت البحوث أنها ارتبطت بواقع اجتماعي تاريخي أو بمنطلق فكري محدد.

        وتتمثل النتيجة الثانية : في ترشيد التفسير والتطبيق القضائيين للقاعدة القانونية، ذلك أن الألفاظ القانونية كما سنرى غير معلقة في فراغ بل هي تتفاعل مع الواقع الاجتماعي والسياق التاريخي في مناخ فكري ما.

        وتكتسب دراسة القانون كظاهرة أهمية بالغة ، ذلك أن الدراسة القاعدية للقانون اعتماداً على المنطق الشكلي إنما تمثل موقع الصدارة حينما يكون المجتمع في حالة من الثبات والهدوء النسبيين في العلاقات الاجتماعية، أما حيث تتسم هذه العلاقات بطابع التغير وإعادة التشكل المستمر، تصبح إعادة النظر في البناء الفوقي كله أمراً ملحاً، وهو أمر توفره دراسات علم الاجتماع القانوني وتاريخ القانون وفلسفة القانون ! ولا شك أن المجتمع العالمي في العقد الأخير – على وجه الخصوص- شهد مرحلة تغير مستمرة في علاقاته الاجتماعية والاقتصادية أياً كان اتجاه هذا التغير.

– القانون كإطار للحياة الاجتماعية

1- خصائص القاعدة القانونية

الهدف من تحديد خصائص القاعدة القانونية هو إمكان التعرف عليها والتمييز بينها وبين غيرها من القواعد الأخرى، العلمية والسلوكية على السواء.

وقد حاول المفكرون إعطاء خصائص عديدة للقاعدة القانونية، ولكن بعض هذه الخصائص تبدو قليلة الفائدة أو غير صحيحة ونبادر أولاً باستبعاد هذه الخصائص التي لا يبدو أنها تميز القاعدة القانونية عن غيرها أو التي لا تصدق على الكثير من القواعد القانونية.

وأول الخصائص واجبة الاستبعاد خاصية التحديد: لأنه إذا كان من المرغوب فيه أن تكون قواعد القانون محددة لا تثير صعوبة في تفسيرها وتطبيقها إلا أنه توجد مع ذلك بعض القواعد القانونية غير المحددة تحديداً كافياً، ولا يؤدي ذلك إلى الانتقاص من قيمتها القانونية، ومن الخصائص واجبة الاستبعاد أيضا ما يقول به البعض من أن القانون له صفة مزدوجة فهو أمر وعطاء فهو إذ ينشئ التزاما على عاتق أحد الأفراد أنما يقرر في نفس الوقت حقا لفرد آخر, وذلك على خلاف الأخلاق التي لها صفة واحدة هي الأمر, دون أن يترتب على ذلك عطاء أو حق لشخص آخر، وهذا القول غير صحيح, لأن القانون لا ينشئ دائما حقوقا للإفراد فقواعد القانون الدستوري التي تنظم السلطات العامة, وقواعد القانون الجنائي التي تقيم الأمن والنظام في المجتمع, لا تنشئ حقوقا للأفراد, بل قواعد القانون المدني في انطباقها المباشر على الأفراد لا ينشئ لهم دائما حقوقا خاصة بل قد تنشئ مراكز موضوعية .

فإذا استبعدنا هذه الخصائص المشكوك في قيمتها أو صحتها, أمكن القول أن القاعدة القانونية تتميز بأنها قاعدة سلوك اجتماعي, عامة مجردة ملزمة ومقترنة بجزاء قهري توقعه الدولة.

2- القاعدة القانونية قاعدة سلوك اجتماعي

تتكون العلوم المختلفة من مجموعة من القواعد التي يتوصل إليها الباحثون في هذه العلوم. فهناك قواعد على الطبيعة أو الكيمياء أو الفلك أو الطب أو الهندسة …….إلخ، وتهدف هذه القواعد إلى تفسير الظواهر المختلفة التي يعنى بدراستها كل علم على حدة، ويتم تفسير هذه الظواهر على أساس مبدأ جوهري هو مبدأ السبب أو ما يسمى بعلاقة السببية وخلاصة هذا المبدأ هو أنه لا توجد نتيجة بغير سبب، وكلما استطاع أحد الباحثين معرفة السبب المنتج لظاهرة معينة فانه يكون بذلك قد توصل إلى صياغة قاعدة علمية, أو اكتشاف قانون علمي، ومن هذا القبيل قانون الجاذبية أو قانون الغليان أو قانون الطفو أو قانون التمدد ….إلخ فإذا اكتشف أحد العلماء أنه إذا ترك جسم في الهواء فإنه يسقط إلى الأرض بسبب جاذبية الأرض, فانه يكون بذلك قد توصل إلى وضع قاعدة الجاذبية أو قانون الجاذبية.. وهكذا، وهذه القاعدة هي قاعدة علمية وليست قاعدة سلوك, والقواعد العلمية هي قواعد تقريرية, لأنها تقرر الواقع دون أن تحاول إحداث أي تغيير فيه أو أي تأثير عليه. والقاعدة العلمية هي قاعدة مضطردة لا يتصور أن تقع لها أدنى مخالفة. ففي كل مرة يوجد السبب تتحقق النتيجة. وإذا تخلفت النتيجة ولو مرة واحدة فمعنى ذلك أن القاعدة غير صحيحة وغير موجودة.

وعلى خلاف ذلك فإن قواعد القانون هي قواعد سلوك اجتماعي والظاهرة التي تحكمها القاعدة القانونية هي إرادة الإنسان. والقاعدة القانونية تصدر أمراً إلى هذه الإرادة بحيث يتعين على الإرادة المخاطبة بحكم القانون أن تطابق سلوكها على مقتضى الأمر الصادر إليها. ولذلك فإن قواعد القانون هي قواعد تقويمية. لأنها لا تكتفي بتقرير ما هو كائن بل تهدف إلى تحديد ما ينبغي أن يكون.

ولكن نظرا لأن إرادة الإنسان التي تحكمها قواعد القانون ليست شيئا جامدا وإنما هي إرادة حرة , فإنه من المتصور أن تخالف إرادة الإنسان  الأمر الصادر إليها من القانون, ولولا تصور إمكان وقوع مثل هذه المخالفة لما كانت هناك حاجة إلى النص على جزاء يوقع عند خروج الإرادة على حكم القانون.

وقواعد القانون تتفق مع قواعد السلوك الأخرى في أنها تؤدي إلى إقامة النظام في المجتمع الذي تحكمه, وتؤدي بالتالي إلى ما يسمى بحالة الانضباط الاجتماعي.

ومع ذلك فانه تجب التفرقة بين قواعد القانون من ناحية وقواعد السلوك الأخرى من ناحية أخرى. وبالنسبة للتفرقة بين القانون والأخلاق نجد أن الأخلاق هي أساس القانون .

فهناك قواعد الأخلاق المطلقة. أما ما يسمى بقواعد الأخلاق الاجتماعية أو التي قد توجد في مجتمع معين ولا توجد في مجتمع آخر غيره, فهذه أقرب إلى العادات والتقاليد الاجتماعية منها الى الأخلاق بمعناها الفلسفي.

3- القانون كإطار للحياة الاجتماعية

إن الأشكال الحديثة من فلسفة نظرية التشريع قد قاومت الاختلافات السابقة التي أكدت على أهمية الاستعداد المسبق للعقوبات المفروضة من الدولة – أى العقوبات الرسمية كالغرامة , الحكم بالسجن , أو التعويض – في حالة عدم الإذعان تكون علاقة هامة لتمييز القانون عن القواعد الاجتماعية الأخرى ولا يغيب عن الذهن أن فلسفة التشريع تفترض وجود ارتباط حيوي ووثيق بين القانون والعقوبات التي تفرضها الدولة لذا فعندما يتحدث رجال القانون عن العقوبات التي يحددها القانون فهم عادة ما يعنون تلك العقوبات المدعومة من الدولة .

    وتشمل تجمعات الحياة الاجتماعية أيضا المجتمعات الواعية ( مثل النوادى)، الجماعات العرفية، وتوثيق التعاقدات، الطبقات الاجتماعية, الأحزاب السياسية, الميول الدينية , الأسرة, والأمة أو الدولة. فالقانون هو النظام الداخلي لتلك التجمعات فهو يتكون من القواعد التي توضح لكل عضو في المجتمع موقعه بالضبط وما له من حقوق وما عليه من واجبات تبعاً لذلك الموقع.

      ومن الواضح أنه لا بد من تحديد عاملين هامين :

      أي نوع من تعريفات القانون  قد تحتاجها العلوم  الاجتماعية, كيف يمكن لعلماء الاجتماع الاشراف على أو تقصي أوضاع المؤسسات القانونية وشرعية الحقوق في أي ثقافة محدده أو في أي سلسلة من الثقافات ؟

      إن أساس فهم علماء الاجتماع للقانون يجب أن يوجد من خلال ازدواجية  الحقوق التأسيسيه أو التنظيمية وذلك مره من خلال المؤسسات  التقليدية, ثم مره أخرى من خلال المؤسسات القانونية والمؤسسات الاجتماعية التي يمكن الاعتماد عليها، وبهذه الطريقة فقط يمكن تحقيق تقدم فى المشكلات الشائكة في العلاقة بين القانون والمجتمع, ويكون عالم الاجتماع الذي يهتم بدراسة القانون على حق إذا ما نظر إلى القانون على أنه نمط من أنماط البناء الفوقي الاجتماعي الذي يكون محكوما بمجموعة من المحكاتCriteria  أو قيم العلوم الاجتماعية.

إن كل من علم الاجتماع والقانون يهتمان بالمعاييرNorms  والقواعدRules  التي تفرض السلوك المناسب للناس في موقف معين. وأن دراسة الصراع وحل الصراع يعدان جانبان محوريان في كلا العلمين , فكل من علمي الاجتماع والقانون يهتمان بطبيعة السلطة الشرعية Legitimate Authority , وميكانيزمات الضبط الاجتماعي, وقضايا الحقوق المدنيه Civil Rights  , ترتيبات وتنظيمات القوة, والعلاقة بين الجوانب العامة والجوانب الخاصة.

Pin It on Pinterest