نشوء وتطور مفهوم الضبط

يوجد مجتمع إنساني دون بناءٍ هيكلي يقوم عليه ويحدّد بواسطته مصالحه، ويربط بين أفراده ومؤسساته وجماعاته الاجتماعية بعضها ببعض، من هنا حرَصَت المجتمعات الإنسانية على إيجاد النظام الاجتماعي الذي يضم المعايير والقيم والتعاليم والقوانين التي تتضمّن الموانع والمحرمات والمكافآت والعقوبات لكي تقوم بإرشاد وتوجيه الأفراد لتحقيق التماثل مع المجتمع وحمل صفاته الثقافية والاجتماعية.

إن المستلزمات الاجتماعية السابقة تعد أسساً ضرورية لكل مجتمع إنساني يتمتع بالحياة والحيوية، وهي مستلزمات تختلف من مجتمع إلى آخر، فكلما زادت لوائح المجتمع المكتوبة والقوانين ضعفت تأثيرات قيمه وأعرافه والعكس صحيح كلّما قلت اللوائح والقوانين المكتوبة في المجتمع ازداد تأثير قيمه وأعرافه الاجتماعية. وحينما يواجه المجتمع عقبات أو تحديات أمام نموه تزداد مكونات البناء الاجتماعي “جماعات، تنظيمات، مؤسسات” يتفاعل إيجابياً معها، أي يحاول تطويعها ومن ثم استيعابها، وهكذا تنمو هذه المكونات وتؤسس لها ركائز متينة تحافظ على وجودها داخل البناء الاجتماعي، وتنعكس فاعليتها في مساعدة أفراد المجتمع على العيش بسلام وأمان ومسايرة التطورات الاجتماعية، في حين تعمل مكونات البناء الاجتماعي على تطويق التحدّيات والعقبات التي تشكل تهديداً خطيراً لمقومات المجتمع الثقافية والاجتماعية والأخلاقية من خلال تعزيز المستويات القيمية والأدبية لأفراده لكي يتم طرحها خارج نطاق المجتمع.

إن مكونات البناء الاجتماعي السابقة تشكل أدوات فاعلة في مسيرة الحياة الاجتماعية، وهي قديمة قِدَم المجتمع، لأنه لا يوجد مجتمع إنساني خالٍ من الانحرافات، ومهما تعددت محاولات التحكم بالسلوك الإنساني فإن التقاطع يبقى قائماً بين الجانب النفسي بجذره البيولوجي الغريزي وبين المظهر الاجتماعي لهذا السلوك، وليس في قدرة المجتمع التحكمُ بهذا السلوك مهما وصل من التنظيم سواءً المجتمعات التي يمكن أن توصف بالدينية والتي تتواجد في العالم القديم أم المجتمعات التي تسمى بالمؤسسية والتي توجد في العالم المعاصر، وعلى هذا فإن التحكم لا يمكنه أن يلغي هامش السلوك الانحرافي، وحيث وجد السلوك الانحرافي تظهر الحاجة للضبط الاجتماعي الذي يعمل من خلال المكونات الاجتماعي السابقة.

يمكن أن نتكلم عن نشأة وتطور الضبط الاجتماعي عبر مسارين أساسيين الأول: بوصفه ظاهرة اجتماعية موجودة في جميع المجتمعات القديمة والحديثة. والثاني: بوصفه موضوعاً من موضوعات علم الاجتماع.

الضبط الاجتماعي بوصفه ظاهرة اجتماعية:

يمثل الضبط الاجتماعي أحد النظم الاجتماعية القديمة التي عرفها الإنسان القديم، فقد أدركت المجتمعات أنها إذا عاشت معاً كان ذلك أدعى لإشباع حاجات أفرادها، والعيش سوية يدعو إلى وضع قواعد تنظم شؤون حياتهم من جميع الوجوه، ومن هنا تكونت الطباع والتقاليد والأعراف التي تساعد على استقرار المجتمعات في ظل الطقوس والعادات.

وكما أشرنا فإن أساليب الضبط الاجتماعي تتغير وفقاً للمجتمعات والمراحل التاريخية التي تمر بها، وعليه عرفت المجتمعات الإنسانية نماذج مختلفة من الممارسات بقصد الحفاظ على استقرارها واستمرارها. ومازالت تلك الأساليب تمارس دورها في هذا الهدف منذ عهد البشرية الأولى وحتى الوقت الحاضر وستستمر في المستقبل.

أساليب الضبط في المجتمعات البدائية والحديثة:

يشتد في المجتمعات البدائية الاعتقاد بالسحر وبالقوى الغيبية، والشعائر في هذه المجتمعات التي يسيطر عليها الجهل والأوهام ولها سيطرة فعلية قوية من ناحية ضبط سلوك وتصرفات أفراد الجماعة، والتزامها يكون عادة مصحوباً بالخير أو الفضيلة، دون التعلق بالمنفعة، كما أن مخالفتها تكون مقرونة بالخطيئة.

ويبدو الضبط الاجتماعي في صورته البدائية الأولى في نظام التابو”Taboo”، وهو نظام يعتمد على المحرمات، وذلك بتحريم بعض الأفعال التي تتعلق بشؤون الجماعة فيما يتعلق بالأجداد والآباء، وكان التحريم يقوم على أساس ديني غيبي، ويجد له دعامة في الأخلاق والأعراف والعادات والتقاليد. وقد بلغ من نفوذ قوة التحريم في نفوس الأفراد في هذه المجتمعات الاعتقاد بأن استنادها إلى قوى غيبية يضمن لها القصاص مِنْ كل مَنْ يخرج على قواعد التحريم وإن لم يعرف أحد بجرمه دون حاجة إلى تدخل آدمي.

وكان الاعتقاد بالأساطير سائداً، فقوى الطبيعة وسائر الموجودات هي كائنات حية لها ذاتيتها وكيانها كالإنسان تماماً، كما كان اعتقاد بوجود أرواح حارسة مهمتها الإشراف على حفظ النظام والاستقرار بغية تحقيق سعادة الإنسان. وانطلاقاً من هذا الاعتقاد تصور الإنسان البدائي أن في مقدوره إخضاع ظواهر الطبيعة لمشيئته وإرادته إذا ما خرجت على النظام المألوف الذي تسير عليه، واتّبع لذلك عدة وسائل أهمها السحر، وما يقوم عليه من أعمال مادية أو قراءة بعض التعاويذ أو أداء طقوس خاصة. وغالباً ما يكون الأمر داخل الجماعة موكولاً إلى رئيسها، فهو القاضي الذي يفصل في المنازعات، وهو الكاهن الذي يقوم على حفظ التقاليد والأوامر الدينية، وهو القائد الذي يقودهم في حروبهم، وهو الحاكم الذي يدين له الجميع بالطاعة والولاء .

Pin It on Pinterest

Share This

Share this post with your friends!