نظريات علم الاجتماع القانوني

يعد علم الاجتماع القانوني ثمره التقارب والالتقاء بين العلوم الاجتماعية عامة وبين علم الاجتماع والقانون بشكل خاص، حيث يركز هذا الفرع المتخصص من فروع علم الاجتماع على دراسة الظاهرة القانونية من وجهة النظر الاجتماعية، ولاسيما بعد أن أكد علماء فقه القانون، وعلماء الاجتماع بأن الظاهرة القانونية ماهي إلا ظاهرة مجتمعية بحته، ومن ثم فقد ساهم علماء الاجتماع وفقهاء القانون في إرساء دعائم علم الاجتماع القانوني، من خلال توضيح الأصلية للقانونية الوضعية، مما يعطينا رؤية عميقة لتحليل القانون ومصادره، والنظم القانونية التي ينبغي للباحث السوسيولوجي أن يهتم بها.

وعلى الرغم من ظهور العديد من الإسهامات التنظيرية في سوسيولوجيا القانون إلا أننا سوف نعرض لأهم هذه الإسهامات البارزة في هذا التخصص الدقيق، ابتداءً من هربرت سبنسر، وإميل دوركايم، وماكس فيبر، وجورج جورفيتش، والاتجاهات النظرية الحديثة الوظيفية، والماركسية، والسلوكية في سوسيولوجيا القانون، ثم نلقي الضوء علي منهجية البحث الأساسية في علم الاجتماع القانوني.

1- هربرت سبنسر(1820- 1903):

استطاع سبنسر التوصل إلى قانونه الكوني المتعلق بالتقدم الطبيعي والعضوي والاجتماعي، ذلك التقدم الذي تتحول فيه الأشياء المتجانسة إلى أشياء مختلفة ومتشعبة كل منها يختص بأداء عملية معينة تختلف عن العمليات الأخرى، ثم لا تلبس هذه العمليات أن تتجمع في وحدة متكاملة تساعد على ديمومة الحياة الطبيعية والاجتماعية، وفي كتابه مبادئ علم الاجتماعي الذي ألفه عام (1874م) طرح نظريته المماثلة العضوية عن المجتمع والذي كانت تدرس أجزاء المجتمع وتقارنها بأجزاء الكائن الحي.

وعن موضوع العلاقة بين تطور المجتمع وتطور القانون، كما اهتم هربرت سبنسر بالدراسة الأثنوجرافية (الوصفية) للقانون، إذ يعتبر القانون في نظره صورة أخرى من العرف وأكثر ثباتاً منه، وقد عالج سبنسر القانون بوصفه نظماً سياسية تطور في المجتمع السياسي المنظم، وتأثر في ذلك رجال القانون التاريخيين، كما يرى أن السلوك الإنسان تحكمه قوانين موروثة، ورأى أن لدى المجتمعات البدائيةـ وحتى المجتمعات المتحضرة ـ نوعين من الحكم المقبلة: حكم كبار السن التي يتناقلوها عن الأسلاف، وحكم الكائنات فوق الطبيعية، وعلى ذلك فإن للقانون في المجتمعات البدائية أصلاً مقدساً أو دينياً، وبالتالي تتسم بالثبات والاستقرار، وبذلك قد تكون غير قابلة للتغيير، وتصبح المحافظة عليها نوعاً من الالتزام الواجب والخروج عليها يمثل جريمة.

كما تعّرض سبنسر لموضوعات أساسية في علم الاجتماع القانوني أهمها نشأة وتطور القانون وعلاقته بالتطور الاجتماعي وسوسيولوجيا العقوبة، إلا أن هذه المعالجة اتسمت باصطباغها بالنظرية العضوية أو ما تسمى بالدارونية الاجتماعية. كما رأى سبنسر أن القوانين في تطورها سوف تصبح أكثر تنوعاً، وأكثر تحديداً، كما أنها سوف تُشّكل أنساقًا أكثر تعقيداً ، وتصبح أكثر قدرة علي التكيف مع الظروف الجديدة والمتغيرة.

ولقد أثرت أفكار سبنسر عن القانون على عدد من علماء الاجتماع الأوائل في الولايات المتحدة الأمريكية، منهم على سبيل المثال: وليم جراهام سمنر حيث نادى بموقف مشابه في جوهره لموقف سبنسر.

2- إميل دوركايم (1858- 1917):

يمثل إميل دوركايم أهم علماء الاجتماع في بناء أسس النظرية في سوسيولوجيا القانون في المجتمع الأوروبي، حيث تركزت كتاباته حول الظاهرة القانونية في مؤلفات عديدة، ولكنها جاءت بشكل واضح في كتابه الذائع الصيت تقسيم العمل الاجتماعي “عام 1893، والذي أشار فيه إلى تطور النسق العقابي والجزائي في المجتمع، وحرص دوركايم أن يبرز فيه العلاقة بين أنماط القانون والأشكال الاجتماعية المختلفة، حيث ذهب إلى أن الرمز المعبر عن التضامن الاجتماعي هو القانون، وتنعكس أشكال التضامن في القانون، حيث يتصف المجتمع بالآلية أو الميكانيكية مثل مجتمع القرية أو الريف، بتحقيق عناصر التضامن والوعي من خلال وسائل الضبط الاجتماعي غير الرسمية، تجاه المخالفين من أفرادها، كما أن تحريم بعض الأفعال إنما يعتبر بالتالي من الوسائل اللازمة لاستخدام هذه الضغوطات، أو يمثل المرحلة اللاحقة لها مباشرة، وفي مثل هذه المجتمعات، قد لا يتطلب الأمر سن قوانين مكتوبة، حيث يتفق الجميع في الوظيفة والهدف، وتتحدد الفاعلية، في المشاعر، والقيم والمعتقدات، أما في المجتمعات العضوية (مجتمعات المدينة والحضر) فإن وحدة الصف والهدف والاتفاق علي القيم والمعتقدات قد لا يكون سهل التحقيق، وبذلك لابد من سن القوانين التي تنظم الكيفية التي تتم من خلالها مختلف الحقوق والواجبات، وحين يتحول هذا التنظيم وهذه التحديات إلى لا تنظيم، وحين تنقلب المعايير وتتناقض قواعد السلوك أو حينما تتناقض الحقوق والواجبات بعضها مع البعض الآخر، يصبح المجتمع وثقافته في حالة من اللامعيارية واللانظام.

وحدد دوركايم نمطي التنظيم القانوني لنمطي التضامن الاجتماعي، فالقانون الذي ينبع من التضامن الآلي يصاحب جزاءات رادعة يمثل القانون الجنائي، أما القانون الذي ينبع من التضامن العضوي فيقوم علي القانون المدني أو الإصلاحي الذي يهدف إلي الحفاظ علي حقوق الأفراد بدلاً من العضوية.

علاوة على ذلك فقد آثار دوركايم مشكلة علم الاجتماع القانوني التفاضلي بتصنيف الأنماط المتميزة عن بعضها البعض الآخر، ودرس الأنساق القانونية المميزة والمقابلة لكل هذه الأنماط، وعالج التنميط القانوني للمجتمعات الشاملة، وهذا يختلف كل الاختلاف عن علم الاجتماع القانوني الذي يدرس الوحدات الصغرى Micro- Sociology of Law الذي يطبق في تقسيم العمل الاجتماعي، واعتقد أنه يميز نمط المجتمع الشامل المتطابق مع التضامن الآلي، هذا المجتمع الذي يسود فيه القانون الرادع، أو المجتمع الذي ينقسم إلى وحدات أبسط منه. وقد ميز النماذج الأساسية للمجتمع الشامل علي النحو التالي:

النمط الأول: نمط المجتمع البسيط المتعدد الأقسام، والذي يتكون من العشائر المتتابعة، وقد ارتبط النمط القانوني فيه بفكرة التابو Tapoo (المحرمات) .

النمط الثاني : نمط المجتمع المدمج المتعدد الأقسام، الذي يندمج فيه عدد من القبائل.

النمط الثالث: نمط المجتمع المعقد المتعدد الأقسام، والذي يتميز بالتعقيد مثل المدن والاتحادات والقبائل. وقد جرد القانون في هذين النمطين من الطابع الديني، وصار علمانياً وإقليمياً.

النمط الرابع: نمط المجتمع المنظم، ويتكون هذا المجتمع من الوكالات والهيئات، فالأفراد يتكاملون وينضمون في جماعات وفقاً لطبيعة أنشطتهم الاجتماعية، وهذا النمط يقابل النمط المتطور، وفي هذا المجتمع انفصل الدين تماماً عن القانون وأصبحت السيادة والسلطان من اختصاص تنظيمات معينة يقع علي عاتقها مهمة مزاولة هذه الاختصاصات.

3- ماكس فيبر (1864- 1920):

تركزت اهتمامات فيبر في دراسة بعض جوانب علم الاجتماع القانوني، حيث ربط بين المجتمع الصناعي العقلاني وبين البيروقراطية المصاحبة لهذا المجتمع من جانب، وبين القانون من جانب أخر. وقد ميز في هذا الصدد بين ثلاثة أنماط من السلطة الشرعية، يرتكز كل منها على شكل محدد من الشرعية والقانون، فهناك سلطة تقوم علي أساس عقل رشيد مصدره الاعتقاد في قواعد قانونية ومعايير موضوعية وغير شخصية، ومصدره أيضاً تفويض الذين يقبضون على مقاليد السلطة الحق في إصدار أوامرهم؛ بهدف إتباع هذه القواعد والحفاظ عليها، وهذا النمط العقلي القانوني من السلطة يشيع عموماً في المجتمعات الغربية الحديثة.

وهناك السلطة التقليدية التي ترتكز على اعتقاد في قدسية التقاليد وشرعية المكانة التي يحتلها أولئك الذين يشغلون الأوضاع الاجتماعية الممثلة بالسلطة المستندة إلى التقاليد والأعراف، ويشيع ذلك النمط في المجتمعات البدائية والريفية، وهناك أخيراً السلطة الروحية (الكاريزمية) أو الملهمة مثل البطولة أو نموذج من الشخصيات يحتذي بما لديه من مثلٌ وقيم أو بسبب نظام ابتدعه أو دعمه زعيمٌ معين، ومن أمثلة هذا النمط من السلطة بعض الزعماء أو القادة الروحيين من أمثال غاندي وماوتسي تونج وجمال عبد الناصر وفيدل كاسترو.

علاوة على ذلك اهتم فيبر بتحديد هوية علم الاجتماع القانوني، وكيفية تميزه عن فقه القانون، حيث أن عالم الاجتماع يفسر مفاهيم مثل الاتحاديات، والنظام الإقطاعي، والدولة، والسلطة تفسيراً واقعياً يختلف عما يفسره القاضي ورجال القانون، فيستخدمونها بصورة مثالة ومعيارية، وهذا ما يجعل التباين واضحاً بين اهتمامات ومنهجية كل من علم الاجتماع القانوني وفقه القانون.

كما اهتم فيبر بموضوع القانون والاقتصاد، واهتمامه هذا دفعه لتحليل الأنظمة الاجتماعية تحليلاً علمياً كدارسته للعلاقة الجدلية بين القانون ومناحي المجتمع المختلفة، وكتابه القانون في الاقتصاد والمجتمع يضم فصلاً كاملاً عن طبيعة العقلانية في القانون والإدارة.

ويمكن أن نحدد أهم ركائز علم الاجتماع القانوني عند فيبر في النقاط التالية:

  • التميز بين القانون العام والخاص، فالقانون العام هو مجموعة المعايير التي تنظم أنشطة الدولة ككل، أما القانون الخاص فهو مجموعة المعايير التي تنظم السلوك والأنشطة الخاصة خلاف أنشطة الدولة.
  • التميز بين القانون الوضعي والقانون الطبيعي، ويهتم علم الاجتماع نظرياً بالقانون الوضعي، حيث أنه من الممكن ملاحظته وتحليله علمياً، وفي نفس الوقت فإن علم الاجتماع لا يمكنه إغفال القانون الطبيعي، إذ أمكن لهذا القانون القيام بوظيفة المرشد والموجه للسلوك في مجموعات معينة، ولا يملك علم الاجتماع مهمة الحكم علي مدى صلاحية هذا القانون بل تقتصر مهمته في فهم مدى ما يؤثر هذا القانون في مقدرات وتصرفاتهم القانونية.
  • التمييز بين القانون الوضعي والقانون الذاتي، ويقصد فيبر بالقانون الوضعي مجموعة القواعد التي يمكن تطبيقها علي كل أعضاء الجماعة دون تمييز، بحيث تخضع الجماعة لنظام قانوني عام. أما القانون الذاتي فإنه يتضمن إمكانية الإنسان في الالتجاء إلي أجهزة القهر والإلزام لتحقيق مصالحه واهتماماته الخاصة مادية أو معنوية، وقد الحق فيبر هذه الحقوق أهمية كبيرة، ومن هذه الاهتمامات التي يحميها القانون، حق رب العمل في أن يستأجر من يحب، وحق العامل في اختيار العمل بحرية مطلقه.
  • التمييز بين القانون الرسمي والقانون المادي، والقانون الرسمي يقصد به النص القانوني الذي يشتق قانوناً من فرض النسق القانوني المحدد. أما القانون المادي أو الحقيقـي فإنه لا يضع في اعتباره عناصر قانونية، بل يعتمد في أحكامه علي قيم دينية وأخلاقية وسياسية. ولهذا فإن هناك طريقين لتصور العدل: الطريق الأول، يقتصر علي قواعد المشرع متصوراً أن ما هو مقرر ومتطابق مع النسق القانوني يكون هو الحق. والطريق الثاني ، يعتمد علي الظروف العامة في الحياة ونوايا الأفراد، وبناء علي ذلك فإن القاضي ينطق بالحكم إما علي أساس نص القانون أو علي أساس الاحتكام إلي عقله وضميره لتحديد الحل الأكثر إنصافاً (10).

4- جورج جورفيتش (1896- 1965):

يمثل جورفيتش عالم الاجتماع الروسي أحد أهم رواد علم الاجتماع القانوني، حيث ذهب جورفيتش إلي أن علم الاجتماع القانوني هو ذلك الجزء من علم الاجتماع الذي يهتم بدراسة الحقيقة الاجتماعية الكلية للقانون، كما أن وظيفته تقوم على تفسير الأنماط السلوكية الجماعية والمظاهر المادية للقانون؛ طبقاً للمعاني والدلالات الداخلية التي تتخللها وتعمل علي تحويلها وتغيرها، وبالتالي يعتبر جورفيتش من العلماء الذين اهتموا بدراسة موضوع أنماط المجتمعات القانونية السائدة في المجتمعات البشرية عموماً، وفي تصوره أن هناك نظماً قانونية تسودُ تلك المجتمعات التي تقوم أساساً علي أساس ديني، ويقصد بذلك المجتمعات الوثنية، وأيضاً تلك النظم التي توجد في المجتمعات التي وحدتها سلطة محلية، والنظم الموجودة في المجتمعات الإقطاعية التي تقوم علي أساس سلطة الكنيسة وقوتها، وأخيراً النظم القانونية التي تسود في المجتمعات التي توحدت عن طريق سيادة المدينة، فالإمبراطورية، وبالتالي فإن علم الاجتماع القانوني ينبغي أن يهتم بطور النظم القانونية والتغيرات التي تطرأ علي هذه النظم.

وفي ضوء ذلك لم يهتم جورفيتش فقط- كما يذهب رجال الفكر القانوني- بدراسة النظم والقواعد المحددة سلفاً ولكنه يهتم بالقانون الذي ينشأ ويتكون نتيجة التفاعل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، وإجماعهم علي قواعد سلوكية محددة يسيرون وفقاً لها في معاملاتهم وتصرفاتهم المختلفة دون حاجة إلي مساندة الدولة وتدخلها عن طريق أجهزتها الرسمية، ويعد هذا القانون التلقائي عمقاً أساسياً وهاماً لقانون الدولة الرسمي. علاوة علي ذلك ذهب جورفيتش إلي أن علم الاجتماع القانوني لا يقتصر علي دراسة قانون الدولة فقط، ولكنه يهتم بدراسة قوانين جماعات أخرى قائمة في المجتمع كالاتحادات العمالية والهيئات الدينية وغير ذلك ، وهذه الهيئات والجماعات المختلفة يتمتع كل منها بقانون خاص يحدده وينظم علاقة أفراده، ويختلف كل منهم علي الأخر ولكنها في النهاية تلتقي عند هدف عام تسعي الدولة إلي تحقيقه، ولذلك نري أن جورفيتش ينكر المصدر الوحيد للقانون وربط فكرة القانون بالدولة.

ومن خلال ذلك يتضح أن رؤية جورفيتش تحدد بشكل متعمق أبعاد علم الاجتماع القانوني، وتميزه عن فقه القانون الذي يهتم بالصورة المثالية التي ينبغي أن يكون عليها المجتمع.

5- الاتجاه الوظيفي:

ظهر الاتجاه الوظيفي من خلال تخصصات متباينة في مجالات البيولوجيا وعلم النفس والانثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، كما أنه لم يأت نتيجة جهد فردي لمفكر بعينة بل تضافر علي الإسهام فيه ابتداءً من هربرت سبنسر ودوركايم ومروراً براد كليف ومالينوفكس وانتهاء بإسهامات بارسونز وميرتون وغيرهم، وغالباً ما تشير الوظيفية إلى الإسهام الذي يحققه الجزء إلى الكل، وهذا الكل قد يكون متمثلاً في مجتمع أو ثقافة، وقد يتسع هذا المعني فتشير الوظيفية إلى الإسهامات التي تقدمها الجماعة إلى أعضائها، وبالتالي يستخدم الوظيفيين هذه المقولة للتأكيد علي تكامل الأجزاء في إطار الكل.

وتعد مسألة التوازن الاجتماعي من القضايا الأساسية في النظرية الوظيفي، والتي تراه واقعاً وهدفاً يساعد المجتمع على أداء وظائفه وبقائه واستمراره، ويتحقق بالتناغم بين مكونات البناء. والتكامل بين الوظائف الأساسية يحيطها جميعاً شريط ذهبي من الاشتراك في القيم والأفكار التي يرسمها المجتمع لأفراده وجماعاته، فلا يملكون حق الخروج عليها، وإن خرجوا يقعوا تحت وطأة جزاءات الضبط الرسمي (القانون)، وأن وقع عليهم هذا أصبحوا منحرفين خارجين علي مسيرة المجتمع.

وبالتالي فالمجتمعات المثالية من وجهة نظر الوظيفيين هي المجتمعات التي يسودها طابع التوازن والتكامل والنظام، ووفقاً لهذه الرؤية، فالقانون عند الوظيفيين عبارة عن مجموعة القواعد والأساليب والإجراءات التي تصدرها سلطة عامة عليا في المجتمع، بهدف تنظيم الروابط والعلاقات الاجتماعية، والتي تجبر الدولة علي إتباعها ولو بالقوة كلما اقتضي الأمر ذلك بهدف الحفاظ علي الاستقرار والتوازن والنظام داخل المجتمع أو الجماعة.

لذا فقد ذهب روبن ويليافر إلي أن النظم Institution تمثل ذلك المركب من القواعد والمعايير التي تنطوي على جزاءات اجتماعية تلقي تأييداً وترتبط بدورها بالتوجيهات القيمية وباتجاهات أساسية، لكن كيف تتكامل النظم المستقلة استقلالاً ذاتياً؟ وقد أجاب ويليافر في سياق نظرية مبدئية له عن التكامل الاجتماعي إلي أن وسائل تحقيق التكامل هي:

  • التوازن بين مكاسب الفرد ومصالحه.
  • الميكانزمات الظاهرة التي تؤدي إلى التماسك، مثل الاتفاق على القواعد التي يتم من خلالها تحقيق المصالح، ووجود تنظيمات كبيرة ترتبط مع كل من التنظيمات الصغرى والجماعات الأولية وأنساق الضبط الملزم.
  • رد الفعل إزاء الضغوط، كالحرب أو التهديد بها.
  • القبول العام للقيم والرموز.

ويعتقد ويليافر أن استخدام هذه المفاهيم التحليلية يمكننا من فهم الأحداث اليومية التي تحدث في المجتمع والمحافظة علي النظام السائد فيه.

كما يمكن أن نجد أن للوظيفية تحليلاً من وجهة النظر الخاصة بالأنثروبولوجيا القانونية مثل تحليلات ليولنين Liewellyn وهوبل Hobel في نظريتهما لوظيفة القانون عن المجتمع ككل، ولكي تحيا المجتمعات، فإن هناك احتياجات أساسية معينة يجب الوفاء بها، وفي هذا السياق تؤكد احتياجات ورغبات الأفراد، ودوافعهم الخلافية نفسها، والصراعات التي تحدث يمكن تجنبها، ولكنها في نفس الوقت أساسية لبقاء المجموعة، ووظائف القانون تستتبع ترتيبات وتعديلات لسلوك الناس، حيث يبقي المجتمع مجتمعاً متوازناً، ويحصل علي طاقة كافية متحررة ومنسقه، لكي يستمر المجتمع، وهما يعتبران وظائف القانون عامة وقابلة للتطبيق وضرورية لكل المجموعات، وكل المجتمعات.

كما ترى الوظيفية ـ في التحليل العام ـ أن التوازن قاعدة استثناؤها التغير، ودليل ذلك اعتبار بارسونز للنظام أول الضرورات الوظيفية التي يستند عليها النسق، بل إن بعضاً من الوظيفيين المحدثين من أمثال ليبست Lipset ونيل سملسر Smelser عندما ميزوا بين التوازن الثابت والمستقر والتوازن الدينامي جعلوا الأخير حالة غير سوية للبناء، وهذه فكرة مرغوبة في رفض التغير، وبالتالي لا يحوي الفكر الوظيفي أي تعيين أو تحديد دقيق لشروط التوازن، ومستوياته ومعاييره، ولذا فقد ذهب هندرسون Hunderson إلى أن ثمة خطأ وقع منه فيه الوظيفيين بفكرة غير واضحة، وبمسألة بغير معايير أو قواعد.

ولذا فقد تعّرض التناول الوظيفي للنقد الشديد؛ نظراً للقصور الوظيفي، والنزعة الأيديولوجية المحافظة التي التزم بها، فضلاً عن التبسيط المنحل واختزال الواقع الاجتماعي إلى مجموعة من القضايا المتسقة داخلياً، وإن كان هناك بعض علماء الاجتماع يعتقدون وجود غاية ضمنية في التحليل الوظيفي، وبالتالي ظهرت دعاوى تفند هذه الادعاءات، بل إن هناك بعض العلماء مثل ريتش Rich يري أن معظم أنصار نظريات سوسيولوجيا القانون ملتزمون بالنظرية الوظيفية وبمعظم أفكار دوركايم وبارسونز.

 6- الاتجاه الماركسي:

لقد نمت الماركسية أساساً في ضوء علم الاجتماع، علي يد كارل ماركس & انجلز، في ضوء التغيرات في أسلوب الإنتاج وتكوين الطبقات والصراع بينهما، في محاولة تفسير التطور التاريخي للمجتمعات الإنسانية، ولأصول وتطور الرأسمالية الحديثة علي وجه الخصوص، والتي أمكن التعبير عنها في صورة “قوانين” تاريخية، وأمكن أيضاُ في ذلك الوقت التنبؤ من هذه القوانين بعملية الانهيار للرأسمالية والتحول إلى الاشتراكية.

وتعد عملية الإنتاج الاجتماعي حجر الزاوية في الفكر الماركسي الذي يقوم عليه المجتمع الإنساني، وأن فهم الطريقة التي يقوم بها المجتمع في تنظيم إنتاجه المفتاح لفهم البنية الاجتماعية للمجتمع ككل، فالإنتاج هو وسيلة العيش والحصول علي القوت، وكذلك فهو الأساس الذي يتم الاعتماد عليه في نشأة مؤسسات الدولة والمفاهيم والمعتقدات والفن والقانون والدين، وبالتالي يرى ماركس أن البناءات الاجتماعية لا توجد أو تنشأ بشكل عشوائي، فقد أوضح أنه يوجد شكل أو نموذج محدد معروف للطريقة التي يتم بها تنظيم الإنتاج للسلع المختلفة، أو عملية الإنتاج بشكل عام من قبل المناطق المختلفة بالعالم، وفي أوقات مختلفة من التاريخ، وتسمى هذه النظرية المرتبطة بالتاريخ والمجتمع بالمادية التاريخية.

وعلى هذا تنظر المادية التاريخية للقانون على أنه نتاج لواقع اجتماعي اقتصادي معين في مرحلة تاريخية محددة، فضلاً عن تحديدها لمنهج دراسة القانون، وهو المنهج الجدلي الذي يربط دراسة القانون في علاقته الجدلية بالواقع الاجتماعي، وبكافة الظواهر الاجتماعية الأخرى.

لذا يشير مصطلح المادية الجدلية إلى نظرية ماركس القائلة بأن التغير التاريخي يحدث من خلال توليفة من المتناقضات داخل النسق، وهي مادية لأنه يرى أن القوى الاقتصادية هي المحرك للتغير التاريخي، وهي جدلية لأن التناقضات تنتج عن العلاقات العدائية” الاقتصادية والاجتماعية بين الطبقات.

لذا فإن التساؤلات عن العلاقة بين جانبي الإنتاج وعن مصادر حركة نمط الإنتاج وأسبابها، وأسباب الانتقال من نمط للإنتاج إلي آخر، وأشكال هذا الانتقال، وبالتالي أسباب التقدم الاجتماعي بوجه عام ، تجيب عنها المادية التاريخية من خلال ما يسمي “بقانون” الملاءمة بين علاقات الإنتاج وبين طابع قوي الإنتاج ودرجة تطورها. وهذا القانون يمكن صياغته على النحو التالي “أن التغيرات في القوي الإنتاجية لابد أن تسترعي عاجلاً أم آجلاً تغيرات مناسبة في علاقات الإنتاج، وعلاقات الإنتاج بدورها تؤثر في القوي الإنتاجية فتساعد على تطويرها إذا كانت ملائمة لها، وتصبح كابحاً لها إذا دخلت في تناقض معها، فقانون الملاءمة يعبر عن جدلية قوي الإنتاج وعلاقات الإنتاج الجارِ على أساس تطور قوي الإنتاج.

وبالتالي فإن القانون وفقاً للرؤية الماركسية هو طريقة للهيمنة والضبط الاجتماعي وتستخدمها الطبقة الحاكمة، ويحمي القانون مصالح أولئك الذين لديهم السلطة، ويحافظ على التمييز بين الطبقات المسيطرة، والمسيطر عليها، وبالتالي فإن القانون يعتبر كمجموعة من القواعد التي تظهر نتيجة الصراع بين الطبقة الحاكمة وأولئك المحكومين، والتي هي الانعكاس المنظم لمصالح الطبقة الحاكمة، فإنها تمرر القوانين التي تخدم مصالح الطبقة المسيطرة. وانقسام المجتمع إلى طبقتين يؤدي حتماً إلى الصراع، وبمجرد أن يصبح الصراع ظاهراً في صورة اضطرابات أو ثورات، فإن الدولة التي تعمل لصالح الطبقة الحاكمة والمالكة، ستطور قوانين بهدف الضبط ـ خاصة للأمور والأفعال التي تهدد وجودها.

وهذا يعني أن القانون وفقاً للتصور الماركسي عبارة عن مجموعة من القواعد التي تحكم سلوك الناس في المجتمع، والتي تعبر عن إرادة الطبقة الحاكمة التي تسنها أو تقررها الدولة بهدف حماية وتطوير العلاقات الاجتماعية على نحو يفيد الطبقة المهيمنة أو المسيطرة.

وبالرغم من الإسهامات الهامة التي قدمتها النظرية “الماركسية” في مجال علم الاجتماع بشكل عام وعلم الاجتماع القانوني بشكل خاص، إلا إنها تعرضت لانتقادات حادة متتالية إلى الاعتقاد في أن ثورة البروليتاريا حتمية نتيجة لتناقضات اقتصادية معينة في النظام الرأسمالي، فهذا ضرب من ضروب التفكير الحتمي الفج، كما أن الماركسية بالغت في تشديدها على الصراع، وتقليلها من دور الإجماع في المجتمع، وأخيراً فإن النظرية الماركسية مثالية من الناحية النظرية ولكنها يمكن أن تكون محبطة وقاسية من الناحية الواقعية، وهذا يشكل ملمحاً أصيلاً من ملامح العقيدة الماركسية.

7- الاتجاه السلوكي:

يمثل الاتجاه السلوكي أحد أهم المداخل النظرية التي تتبع المبادئ الوضعية، والتي تجعل من السلوك الخاضع للملاحظة الهدف الأساسي للدراسة، ولقد كان له تأثير هام على العلوم الاجتماعية، ولم تقتصر مهمته على القيام بدوره كنموذج للتحليل العلمي للسلوك البشري بل أنه زود الباحثين بطرقه منهجية لدراسته.

كما أن هذا الاتجاه حوّل الاهتمام من دراسة الكيانات الاجتماعية الكلية Macro- Sociology إلى دراسة الكيانات الصغيرة أو دراسة الوحدات الصغرى Micro- Sociology ويرتكز على نفس المسلمات الرئيسية عن طبيعة الواقع الاجتماعي وواقع فكري يتسم عموماً بالثبات، وطبيعة الإنسان (وعدم القدرة علي تغيير واقعه) التي ارتكزت عليها الاتجاهات الكلاسيكية المثالية مثل الوظيفية، كما أنه يتخذ نفس الموقف من الأوضاع القائمة في المجتمع (تجاهل الصراع الاجتماع والتسليم بمشروعية النظام).

وهذا الاتجاه السلوكي يحاول أن يقدم مقاربة نظرية يركز علي مواكبة تطور النظرية في سوسيولوجيا القانون، مبنية علي منظورات سلوكية محدودة بدراسات عديدة من قبل “دونالد بلاك Donald Black، ولقد أوضح ذلك في كتابيه سلوك القانون The Behavior Of Law والعدالة من وجهة نظر علم الاجتماع Sociological Justice حيث قدم نظرية للقانون بدعوى أنها تفسر التفاوتات في القانون من منظور عبر الدول، وكذلك بين الأفراد داخل المجتمعات، ويعتبر القانون ضبطاً حكومياً يستغل التشريع والتضامن والفصل بين المتنازعين، وكذلك يميز بين السلوك الذي يسيطر عليه بواسطة هذه الوسائل عن السلوك المعرَّض لصور أخرى من الضبط الاجتماعي مثل الاتيكيت (الذوق) والعرف والبيروقراطية، وفي إطار ذلك يعتقد بلاك أن القانون متغير كمي يمكن قياسه في أي سياق اجتماعي معين، بتكرار سن القوانين، وإصدار الشكاوي والإدعاء بالانتهاكات والتعويض عن الإضرار أو توقيع العقوبات، كما أن اتجاه القانون (أي التكرار التمايزي ونجاح تطبيقه بواسطة الأشخاص في السياقات الاجتماعية المختلفة) يتفاوت أيضاً، ثم أن نمط القانون قد يكون اتهامياً أو علاجياً، أو استرضائياً  (في حالة وجود اثنين من نفس الطبقة).

ولذا فإنه يقول على سبيل المثال إن النظرية الاجتماعية للقانون تتنبأ بأن كمية القانون ستكون أكبر وأعظم عندما يشتكي شخص (من مستوى أعلى) من شخص (من مستوى أدنى عنه) عندما تكون الشكوى من الوضع العكس، أما من حيث الشكل فإن القانون يميل إلى أن يكون اتهامياً بين الغرباء، وعلاجياً أو إصلاحياً (استرضائياً) بين من تربطهم حميمية، والأفراد الأقل تنظيماً أكثر عرضه لحدوث القانون العقابي، والأفراد الأكثر تنظيماً يستطيعون الاعتماد على القانون التعويضي.

وعلى الرغم من أن نظرية بلاك للقانون تتسم بأنها كلاسيكية مذهلة، أو أنها مساهمة في سوسيولوجيا القانون، إلا أنها في ذات الوقت تنتقد علي أنها نظرية دائرية، كما أن بعض نتائجها لا تصمد طويلاً أمام الاختيار التجريبي.

Pin It on Pinterest