نظرية العقد الاجتماعي عند فيكو

يُعد الفيلسوف – المؤرخ الإيطالي جيوفاني باتستا (أو غيامباتيستا) فيكو (1668 – 1744) واحداً من الرواد في العصور الغربية الحديثة في مضمار فلسفة التاريخ ، ولعل أهمية فيكو الفيلسوف  تعود إلى إنه من المعارضين للفلسفة الديكارتية ، وهي (الكارتينيزم أو الديكارتية) النزعة الفلسفية العارمة التي نشأت على فلسفة الفيلسوف الفرنسي رينه ديكارت (1596 – 1650) (1) وبالمقابل إنبثقت موجة فلسفية وأبستمولوجية معارضة لها (2)  والتي نهضت على الفلسفة التجريبية للفيلسوف الإنكليزي فرنسيس بيكون 1561 – 1626 . ومن النافع أن نشير إلى إن فيكو ولد بعد موت ديكارت بثمانية عشر سنة . إضافة إلى ذلك فإن فيكو يحتل مكانة رائدة في حركة الأبستمولوجيا المعاصرة ، والتي أخذ يُطلق عليها بالأبستمولوجيا التركيبية (البنيوية) وذلك لأن فيكو من أوائل من نبه إلى مشكلة توسيع مديات العقلانية في الفلسفة والأبستمولوجيا على حد  سواء ، بل وكان من النُقاد الأوائل للعقلانية (وهذا مضمار يحتاج إلى مقال مستقل) .

   ونحسب إن أهميته الرائدة في طرف فلسفة التاريخ تكمن في رائعته المعنونة مبادئ أو إصول العلم الجديد ، والتي نشرها باللاتينية ومن ثم بالإيطالية . وجاءت النشرة الأولى عام 1725 أي قبيل وفاته بربع قرن من الزمن . والواقع رغم منح الباحثون الريادة لفيكو في فلسفة التاريخ الحديثة ، فإن مصطلح فلسفة التاريخ لا يوجد له أي أثر في نص رائعته إصول العلم الجديد .

  ولد جيوفاني باتستا فيكو في مدينة نابولي (مملكة نابولي ) الإيطالية ، وجاءت ولادته في الثالث والعشرين من حزيران عام 1668 ، وترعرع في أحضان عائلة تعيش على بيع الكتب ، فقد كان والده بياعاً للكتب واُمه بنت صانع عربات (3) . وتلقى تعليمه الرسمي في مدارس النحو في نابولي ، وعلى يد العديد من أساتذة الجزيوت . وفي عمر السابعة تعرض إلى حالة مرضية (يبدو مرض الحصبة) كان نتيجتها كآبة وحزن عميق وتوتر شديد في المزاج ، مما أدى إلى تغيبه مدة ثلاث سنوات من المدرسة ، فتحول خلالها إلى نظام التعليم البيتي (أو مدرسة البيت) . .

  ووفقاً لتقارير من سيرته الذاتية ، بينت إنه بسبب إنقاطع فيكو من المدرسة ، إن توجه نحو القراءة الذاتية ولذلك يصفُ فيكو حاله فيما بعد ” بإنه كان مُعلماً لنفسه ” . والحقيقة إن عادة القراءة تعود إلى مهنة والده بائع الكتب ، وتوجيهاته لولده وحثه على القراءة . ومن ثم إلتحق بجامعة نابولي وحصل على تدريب في الفقه (التشريع) . وقرأ خلال ذلك العديد من الكتب في الكلاسيكيات ، وفقه اللغة (الفيللوجيا) والفلسفة . وهذه القراءات تركت أثرها الواضح على تطوير وجهات نظره الأصيلة حول التاريخ ، وعلم التاريخ (هستروكرافيا) والثقافة (الحضارة) .

    وقبل فيكو في العام 1686 وظيفة معلم خاص في منطقة فراتسيوني في جنوب ساليرنو . وبعد ذلك كتب إطروحته للدكتوراه في جامعة نابولي ، وكانت في مضمار القانون الكنسي والمدنيوحصل عليها وتخرج من الجامعة عام 1694 . وفي عام 1699 تزوج من صديقة طفولته تريزا ديستيتو ، وقبل رئاسة قسم الخطابة في جامعة نابولي . وفعلاً فقد صرف فيكو معظم حياته بروفسوراً للخطابة في جامعة  نابولي ، وكان يتطلع للحصول على رئاسة قسم فقه التشريع فيها . ولكن لسوء الحظ لم يحدث ذلك ، فظل أستاذاً ورئيساً لقسم الخطابة حتى عام 1734 . ومن ثم عُينمؤرخاً ملكياً لشارلز الثالث (1716 – 1788) وحصل على مرتب عال تجاوز مرتبه بروفسوراً للخطابة بكثير ، وعاد رئيساً لقسم الخطابة حتى تقاعد في العام 1741 ومن ثم  بعد تقاعده خلفه في شُغل هذه الدرجة الأكاديمية ولده البروفسور جينرو فيكو ، ومات الفيلسوف فيكو في 22 / 23 كانون الثاني عام 1644 وقد بلغ من العمر الخامسة والسبعين (4) .

 رائعة فيكو إصول العلم الجديد : من زاوية فلسفة التاريخ

   يذهب بعض الأكاديميين الغربيين إلى إن فيكو هو أول فيلسوف تاريخ في العصر الحديث . ولعل الدوافع التي حملتهم على الحديث عن ريادة فيكو في مضمار فلسفة التاريخ  ، هو رائعته المعنونة مبادئ أو إصول العلم الحديث والتي تظهر عليها بصورة واضحة أثار الفيلسوف التجريبي الإنكليزي فرنسيس بيكون ورائعته التجريبية المعنونة الأورغانون الجديد . وبالرغم من إن فيكو لم يذكر إصطلاح فلسفة التاريخ على الإطلاق ، فإن أطراف من كتابه العلم الحديث يمكن أن تُقرأ على إنها أوراق في فلسفة التاريخ . وعلى هذا الأساس نسعى إلى مراجعة رائعة فيكو إصول العلم الحديث (والتي جاء عنوانها في ترجمة أخرى العلم الحديث) والتي نشرها أولاً باللاتينية ، ومن ثم بالأيطالية ، والألمانية وتلتها ترجمات إلى الإنكليزية (للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات (قيد الإنجاز)) .

     بعد ثلاثين سنة من موت فيكو ، ظهرت رائعة رائدة في فلسفة التاريخ (هي تنتمي إلى عصر الأنوار) كتبها الفيلسوف جوهان كوتفريد هردر (وهو من تلاميذ الفيلسوف عمانوئيل كانط ) وكانت بعنوان (الترجمة الإنكليزية) فلسفة أخرى للتاريخ تتعلق بتطور الإنسانية (صدر بالألمانية لأول مرة عام 1774 وكان عمره ثلاثين سنة فقط) (33) . ومن ثم كتب مؤلفات أخرى حملت عناوين صريحة في مضمار فلسفة التاريخ (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلسفة التاريخ : تاريخ ومدارس ونزعات ، كتاب قيد الإنجاز (هذا بعض من الجزء الأول منه) .

 1 – والكارتينيزم هي النزعة الفلسفية – الأبستمولوجية التي تطلق على العقيدة الفلسفية (أو المدرسة ) للفيلسوف ديكارت ، والذي هو أول فيلسوف حديث ألح على دور العقل في إنشاء العلوم الطبيعية (وبالطبع هو عالم رياضيات كذلك) . والكارتية أو الديكارتية ترى إن العقل منفصل عن الجسم المادي ، وإن الحواس هي مصدر الوهم ، وإن الحقائق اليقينية موجودة في العقل . ومن الكارتيين الأوائل وبعضهم كان معاصراً لديكارت (مثلاً وليس حصراً) كل من رجل الرياضيات واللاهوت إنطونيو إرنلاد (1616 – 1698) ، والكاتب في مضماري

الفلسفة واللاهوت بالثسير بيركر (1634 – 1698) ، والفيلسوف الألماني ورجل اللاهوت ورئيس جامعة ديوبيسبيرك جوهانز كلوبيرك (1622 – 1665) والذي كان يُعرف بالأكاديمي الديكارتيوالقائمة طويلة .  أنظر للإطلاع على موجة الفلسفة (الكارتينيزم) الديكارتية :

Pin It on Pinterest

Share This

Share this post with your friends!