نظرية ماكس فيبر

نظرية ماكس فيبر:

تقوم نظرية عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر”M.Weber “1864-1920” على تحليله للسلوك الاجتماعيSocial Behaviour لأعضاء المجتمع.(63)ويعني “فيبر” بالسلوك الاجتماعي أية حركة أو فعالية مقصودة يؤديها الفرد، وتأخذ بنظر الاعتبار وجود الأفراد الآخرين. والسلوك الاجتماعي الذي يعنيه ” فيبر” يعتمد على ثلاثة شـروط أساسية هي:

– وجود شخصين أو أكثر يتفاعلان معاً ويكونان السلوك.

– وجود أدوار اجتماعية متساوية أو مختلفة يشغلها الأفراد الذين يقومون بالسلوك.

– وجود علاقات اجتماعية تتزامن مع عملية السلوك. كذلك فإن “فيبر” قسّم السلوك إلى ثلاثة أنواع هي:

1- السلوك الغريزي:

وهذا السلوك مصدره الغريزة والعاطفة التي غالباً ما تتناقض مع العقل والبصيرة وما تقره الحياة الواقعية التي يعيش فيها الفرد، والغريزة هي ميل حيواني أو بيولوجي ينبعث من منطقة اللاشعور ويدفع صاحبه إلى العمل من أجل إشباع متطلباته وحاجاته الشهوانية والحيوانية دون تفكير بالنتائج أو العواقب التي تتبع السلوك الغريزي. علماً أن الفرد لا يكون خاضعاً خضوعاً تاماً للحاجات والدوافع الغريزية فهناك منطقة الذات الموجودة في العقل الظاهري التي تهذبها وتضبطها وتهيمن عليها وتمنعها من جلب الضرر للإنسان والمجتمع.

إن الدوافع الغريزية تريد الانطلاق وإشباع نزواتها وحاجاتها الحيوانية، لكن الإنسان السوي والمنضبط يمنع انطلاقها ويهذبها ويوجه دوافعها نحو تحقيق أهدافه وطموحاته بصورة عقلانية ومهذبة من أجل خيره وسعادته ورفاهية مجتمعه.

2- السلوك الاجتماعي التقليدي:

ويتأتى هذا السلوك من عادات وتقاليد وقيم ومثل وأخلاق المجتمع. وهذه الضوابط الاجتماعية التقليدية تحدّد سلوك الإنسان وتنظّم علاقاته بالآخرين وترسم أهدافه ومصالحه التي غالباً ما تنطبق مع تلك التي يعتمدها المجتمع ويؤمن بها. ويكتسب الفرد هذا النمط من السلوك منذ حداثة حياته من المؤسسات والمنظمات البنيوية التي يحتك بها ويتفاعل معها مثل الأسرة والقرابة والمجتمع المحلي وجماعة اللعب والمسجد..الخ. وهذه المؤسسات والمنظمات تزرع عند الفرد بذور هذا النمط من السلوك وتصب في عروقه النموذج التقليدي للسلوك الاجتماعي الذي ينسجم ويتفق مع أخلاقية وسلوكية المجتمع التي تُمرَّر بدورها عبر الأجيال وتشارك في تحقيق وحدة المجتمع وقوته. ويتجسد هذا النوع من السلوك بطقوس التحية ومراسيم الأعياد والمناسبات الوطنية والدينية وحفلات الزواج والختان والمآتم وغيرها.

3- السلوك الاجتماعي العقلي:

وهو السلوك الذي يتميّز بالتعقّل والمنطق والبصيرة والإدراك الثاقب للأمور والقضايا والمشكلات، ومصدره منطقة الذات التي تعبّر عن ماهية العالم الخارجي وحقيقة الحياة الاجتماعية التي يعيشها الأفراد والجماعات، وعند الاقتداء بهذا السلوك يعتمد العضو في احتكاكه مع الآخرين اللغة الرفيعة والكلام المهذب والأخلاق العالية والحجج الموضوعية للأفعال التي يمارسها. كما يتميز بالرقة والوداعة والعفة والطهارة عند مقابلته للآخرين لكي يكسب ثقتهم وينال رضاهم وبالتالي يحقق أهدافه وطموحاته.

ويقسّم “فيبر” هذا النوع من السلوك إلى ثلاثة أنواع حسب طبيعة الواسطة والغاية سلوك اجتماعي عقلي ذو واسطة عقلية وغاية غير عقلية:

إن الغاية أو الواسطة العقلية هي الغاية أو الواسطة الأخلاقية الشريفة والمهذبة التي تنسجم مع أخلاقية ومثل وتعاليم المجتمع وتسير في فلكها. أمّا الغاية أو الواسطة غير العقلية فهي التي لا تنسجم مع قيم ومثل وأخلاقية وأهداف المجتمع. ويتمثل هذا السلوك بحالة المنتج الرأسمالي المحتكر الذي يستعمل الآلات الميكانيكية الحديثة ويعتمد الخبرات العلمية في الإنتاج لأجل خلق البضاعة التي يحتاجها المجتمع، غير أن غايته من الإنتاج هي تحقيق الأرباح المادية واستغلال الأفراد.

– سلوك اجتماعي عقلي ذو واسطة غير عقلية وغاية عقلية:

وهذا السلوك معاكس للسلوك الأول من ناحية الواسطة والغاية، ويتمثل بحالة رغبة الطالب بالنجاح، لكنه يحاول بلوغ هدفه هذا عن طريق الغش في الامتحان، أو رب الأسرة الذي يرغب بامتلاكه دار للسكن، لكن عدم حوزته على الأموال اللازمة قد تدفعه إلى السرقة أو الاختلاس، وهنا تكون الغاية عقلانية وأخلاقية لكن الواسطة لا أخلاقية ولا تنسجم مع أخلاقيات المجتمع ومثله.

– سلوك اجتماعي عقلي ذو واسطة عقلية وغاية عقلية:

يسمى هذا النوع من السلوك العقلي بالنموذج المثالي للسلوكIdeal Type ، وهو السلوك الذي يبتعد عن العاطفة والتحيز والتعصب ويكون سلوكاً محايداً من حيث أدوات تنفيذه وأغراضه. أي هو سلوك مقبول ومتفق مع أخلاقيات المجتمع في الغاية والواسطة، ويتجسد هذا النمط من السلوك بسلوك الطالب الذي يعد سلوكه مثالياً طالما أن واسطته عقلية “السعي والاجتهاد والانتظام في الدراسة “وغايته عقلية ” الحصول على الشهادة العلمية” وسلوك الجندي في المعركة سلوك عقلي مثالي من حيث الواسطة “السلاح”، ومن حيث الهدف أو الغاية “الدفاع عن الوطن”، وهناك أمثلة لا حصر لها عن النماذج السابقة للسلوك.

إذن، “فيبر” يعطي أهمية كبيرة للقيم والتقاليد والعادات التي تتجسد في السلوك الاجتماعي التقليدي الذي يمارسه الأفراد في حياتهم اليومية، ويعلق أهمية أكبر على النموذج المثالي للسلوك الذي تتفق فيه الوسائل مع الغايات وهو سلوك يطمح إليه المجتمع الإنساني الموحد والقوي، والذي يشكل الاقتراب منه أو الوصول إليه قاعدة مهمة للضبط الاجتماعي في المجتمع.

Pin It on Pinterest