كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت في مجلة Zeitschrift für Psychologie أن مفهومًا يُعرف باسم “العامل المظلم للشخصية” (The Dark Factor of Personality – D) يمثل مؤشرًا دقيقًا وموثوقًا للتنبؤ بـ السلوك الإجرامي. وأوضح الباحثون أن هذا العامل يربط بشكل مباشر بين السمات النفسية السلبية وسجلات الإدانات الجنائية الفعلية على مدى عقود، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم الجذور العميقة للانتهاكات القانونية والسلوكيات المعادية للمجتمع.
ما هو العامل المظلم للشخصية (D)؟
يُعرّف علماء النفس “العامل المظلم للشخصية” (ويرمز له بالحرف D) بأنه النواة الأساسية والجوهر المشترك الذي تتفرع منه مختلف السمات السلبية والمؤذية، مثل النرجسية (الأنانية والتعالي)، والسيكوباتية (القسوة وانعدام التعاطف)، والميكيافيلية (الميل للتلاعب واستغلال الآخرين لتحقيق مكاسب ذاتية).
وبدلاً من التركيز على كل سمة سلبية بشكل منفرد، توصل باحثو الدراسة إلى أن قياس هذا العامل الموحد يقدم تفسيرًا أكثر شمولًا ووضوحًا لدوافع السلوك الإجرامي؛ إذ يعكس العامل المظلم النزعة المتأصلة لدى الفرد لتقديم مصالحه الشخصية دون أدنى اعتبار لحقوق الآخرين ومشاعرهم، مع امتلاكه قناعات نفسية تُبرر هذه السلوكيات.
من الاستبيانات إلى سجلات المحاكم: كيف أُجريت الدراسة؟
لتأكيد موثوقية هذا الارتباط واختباره علميًا، صمم الفريق البحثي دراستين اعتمدتا على أدوات قياس متنوعة:
اعتمدت الدراسة الأولى على عينة واسعة ضمت 7,026 مشاركًا، واستندت إلى الإبلاغ الذاتي لتقييم مستويات “العامل المظلم” لديهم وفحص مدى ارتباطه بسجلات الملاحقات والتحقيقات الجنائية التي خضعوا لها سابقًا.
أما في الدراسة الثانية، فقد ارتقى الباحثون بالتحليل عبر ربط السمات الشخصية بالواقع الفعلي الموثق؛ حيث حللوا سجلات إدانات جنائية رسمية صادرة عن المحاكم شملت 11,979 شخصًا، وغطت فترة زمنية طويلة امتدت إلى 41 عامًا، مما أتاح فحص التاريخ الإجرامي الفعلي للمشاركين بدقة متناهية بعيدًا عن احتمالات التحيّز في الإفصاح الذاتي.
نتائج حاسمة تدعم علم النفس والعدالة الجنائية
أظهرت نتائج الدراستين وجود ارتباط إيجابي قوي وثابت بين ارتفاع درجات “العامل المظلم للشخصية” وزيادة احتمالية ارتكاب الجرائم بمختلف أنواعها. فكلما امتلك الفرد درجة أعلى في النواة المظلمة، ارتفعت فرصة تورطه في أنشطة مخالفة للقانون وتعديات على حقوق المجتمع.
وأكدت الدراسة أن تأثير هذا العامل لا ينعكس فقط في الاعترافات والاستبيانات النفسية الفردية، بل يمتد بشكل حاسم إلى الإدانات القضائية المسجلة رسميًا على أرض الواقع، مما يمنح هذا المفهوم وزنًا علميًا قويًا كأداة قادرة على تفسير الظواهر الإجرامية وتتبعها.
أهمية الاكتشاف وآفاقه المستقبلية
تفتح هذه النتائج آفاقًا عملية بالغة الأهمية لخبراء علم النفس الجنائي ومنظومة العدالة؛ إذ تساعد في تعميق الفهم حول الدوافع النفسية الكامنة خلف الجريمة، وتطوير معايير تقييم المخاطر وتوقع السلوكيات الخطرة بدقة أكبر لدى الأفراد الخاضعين للمحاكمة.
كما يُسهم التركيز على النواة المظلمة الموحدة في مساعدة المؤسسات الإصلاحية على بناء برامج وقائية وإعادة تأهيل أكثر فاعلية وتخصيصًا، تعتمد على معالجة الدوافع السلوكية المركزية بدلاً من الاقتصار على الأعراض الخارجية للسمات النفسية المتعددة.
المصدر
- The Core of Aversive Personality and Crime
- الباحثون: Lau Lilleholt, Benjamin E. Hilbig, Morten Moshagen, Ingo Zettler
- المجلة: Zeitschrift für Psychologie
- قراءة الدراسة الأصلية