تعتبر طبيعة الوعي البشري وآليات تشكله واحدة من أعظم الألغاز العلمية؛ وفي مراجعة علمية حديثة نُشرت في دورية Brain المرموقة، أعاد عالم الأعصاب البريطاني روبن كارهارت-هاريس تقييم وتأكيد «فرضية الدماغ الإنتروبي». وتُظهر الدراسة كيف يمكن لقياس درجة العشوائية والتعقيد في الإشارات العصبية أن يفسر بدقة التغيرات في حالات الوعي الإنساني، فضلاً عن التنبؤ بمدى استجابة المرضى للعلاجات النفسية الحديثة وتوجيه مساراتها المستقبلية.
نموذج جديد لفهم خريطة الوعي البشري
قُدمت فرضية الدماغ الإنتروبي لأول مرة في عام 2014 وجرى تنقيحها في عام 2018، حيث تقترح أن مستوى اتساع التجربة الشعورية يرتبط مباشرة بدرجة تنوع وعشوائية النشاط العصبي، وهو ما يُعرف بـ الإنتروبيا الدماغية. ووفقاً للورقة البحثية، فإن هذا النموذج أثبت قدرة فائقة على التمييز بدقة بين اتساع التجربة الذاتية وعمقها من جهة، ومجرد الاستثارة العصبية أو اليقظة العامة من جهة أخرى، مما يوفر إطاراً علمياً دقيقاً لقياس الظواهر الشعورية كمياً وربطها بنشاط الدماغ.
بين اتساع الإدراك وتراجعه: كيف يتصرف الدماغ؟
تستعرض المراجعة أدلة تجريبية تربط بين تقلبات الإنتروبيا وحالات الوعي المختلفة؛ ففي حالات «الوعي المتسع»، يظهر الدماغ ارتفاعاً ملحوظاً في الإنتروبيا، مما يعكس مرونة ديناميكية في تدفق المعلومات وتواصلاً أغنى بين الشبكات العصبية. وتتضمن هذه الحالات التأمل المتقدم لدى المتمرسين، ومرحلة نوم حركة العين السريعة، وتجارب الاقتراب من الموت، وحالات الذهان المبكر غير المعالج، بالإضافة إلى الحالات الناجمة عن المواد المخدرة مثل السيلوسيبين.
على النقيض من ذلك، يؤدي تراجع الوعي أو غيابه إلى انخفاض حاد في إنتروبيا النشاط العصبي، مما يعكس جموداً في الاتصال بين مناطق الدماغ. ويظهر هذا الانخفاض بوضوح في حالات التخدير العام، والغيبوبة، والنوم العميق، والنوبات الصرعية، فضلاً عن التدهور المعرفي والجلطات والأمراض التنكسية العصبية مثل الخرف والشيخوخة.
تأثير علاجي واعد وامتداد نحو الذكاء الاصطناعي
لم تقتصر نتائج البحث على الجانب النظري، بل كشفت عن قيمة تنبؤية بالغة الأهمية في الطب النفسي؛ حيث أظهرت المراجعة أن زيادة إنتروبيا الدماغ أثناء الجلسات العلاجية المدعومة بمركب السيلوسيبين، ضمن بيئة نفسية داعمة وموجهة، تتنبأ بحدوث تحسن ملموس في الصحة النفسية ومستوى الرفاه العام لدى المرضى بعد شهر كامل من تلقي الجرعة.
وعلاوة على ذلك، أظهر النموذج قدرة على التطبيق خارج نطاق علم الأعصاب؛ إذ تُوظف دوال رياضية مستندة إلى مبادئ الإنتروبيا ذاتها في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، مما يساعد الأنظمة الذكية على محاكاة المرونة والقدرة على توليد مخرجات إبداعية تحاكي النظم المعرفية الحية.
خلاصة البحث وأثره على الطب النفسي المستقبلي
تؤكد نتائج المراجعة أن إنتروبيا الدماغ تمثل أداة موثوقة ومثبتة علمياً لفك شفرات الوعي وربط نشاط الدماغ بالتجربة الذاتية الحية للإنسان. ويفتح هذا الفهم آفاقاً جديدة لتطوير بروتوكولات علاجية ثورية في الطب النفسي، ترتكز على إعادة ضبط مرونة الدماغ وتحريره من الأنماط العصبية المتصلبة التي تكمن وراء العديد من الاضطرابات النفسية المزمنة كالاكتئاب والقلق.
المصدر
- The entropic brain today
- الباحثون: Robin Carhart‐Harris
- المجلة: Brain
- قراءة الدراسة الأصلية