كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة Science Robotics أن تزويد الروبوتات بتعبيرات حركية واجتماعية شبيهة بالبشر يمثل سلاحاً ذا حدين؛ فرغم أن هذه التعبيرات تجعل الآلات أكثر جاذبية وقدرة على الاندماج، إلا أنها تجعل الإنسان أقل تسامحاً مع أخطائها مقارنة بالروبوتات الجامدة. واستطاع باحثون من عدة جامعات ومراكز بحثية فك شفرة الاستجابات العصبية والهرمونية التي تفسر سبب انهيار الثقة البشرية سريعاً وبشكل مضاعف بمجرد ارتكاب الروبوت المعبّر لأي هفوة أثناء اتخاذ القرارات المشتركة.
سلاح ذو حدين: سحر التعبير وخطر الخطأ
أكدت نتائج الدراسة أن موثوقية الأداء هي حجر الزاوية والأساس الجوهري لبناء ثقة الإنسان في مجال التفاعل بين الإنسان والروبوت. وتُظهر التجارب أن الروبوتات ذات التعبيرات التفاعلية والحركات الحيوية تنجح في خلق ارتباط أولي قوي مع البشر، إلا أن هذا السحر ينقلب سريعاً عندما يرتكب الروبوت خطأً تعاونياً.
وبحسب الباحثين، فإن وقوع الروبوت التفاعلي في أخطاء تنتهك معايير التعاون المتوقعة لا يؤدي فقط إلى انخفاض الثقة المعلنة، بل يتسبب أيضاً في تراجع التأثير السلوكي للروبوت على قرارات الإنسان بنسبة تفوق بكثير ما يحدث عند تعامل البشر مع روبوتات ثابتة لا تبدي أي تعبيرات حركية.
داخل المختبر: رصد الدماغ والهرمونات أثناء التفاعل
لفهم الآليات البيولوجية الكامنة وراء هذه الاستجابة، أخضع الفريق المشاركين لجلسات اتخاذ قرار وجهاً لوجه مع روبوت مجسّم شبيه بالبشر. وتمت برمجة الروبوت لتقديم قرارات صائبة تارة وخاطئة تارة أخرى، وذلك ضمن نمطين مختلفين: نمط تفاعلي معبّر بالحركات، ونمط آخر ثابت وجامد ميكانيكياً.
راقب الباحثون نشاط الدماغ بصورة مباشرة ولحظية باستخدام تقنية التحليل الطيفي الوظيفي للأشعة تحت الحمراء القريبة (fNIRS)، مستهدفين منطقة القشرة الجبهية المسؤولة عن الوظائف التنفيذية والتقييم الاجتماعي. وتزامنت مراقبة الدماغ مع جمع عينات لعابية لقياس الهرمونات، إلى جانب تسجيل التقييمات الذاتية ومستوى التأثير السلوكي الفعلي للروبوت على اختيارات المشاركين.
مفاجأة الأوكسيتوسين: يقظة وحذر بدلاً من الترابط
حملت النتائج البيولوجية مفاجأة غير متوقعة تتعلق بهرمون الأوكسيتوسين، الذي يُصنف تقليدياً على أنه “هرمون الترابط والثقة”. فقد أظهرت البيانات أن ارتفاع مستويات هذا الهرمون لم يعزز التسامح أو الارتباط بالآلة، بل ارتبط بأعلى درجات التراجع في الثقة وفقدان التأثير السلوكي أثناء أخطاء الروبوت المعبّر، وسط نشاط مرتفع في القشرة الجبهية وتوافق عصبي هرموني مكثف.
وفسر الباحثون هذا النمط بأنه استجابة يقظة حذرة وحساسة للسياق الاجتماعي؛ حيث يعمل الأوكسيتوسين في هذا الموقف كمعزز لانتباه الدماغ وتحفيزه لليقظة تجاه خرق القواعد والمعايير الاجتماعية المتوقعة، وليس كعامل يمنح الثقة العمياء.
معضلة التصميم ومستقبل الروبوتات الاجتماعية
تضع هذه الاكتشافات العلمية معياراً حاسماً أمام مهندسي ومصممي الروبوتات المخصصة للعمل في المنازل والمستشفيات وبيئات العمل التشاركية. فالإفراط في إضافة سمات بشرية وتعبيرات حركية يرفع سقف التوقعات النفسية والاجتماعية لدى الإنسان إلى مستويات شديدة الحساسية.
وخلصت الدراسة إلى أن تعزيز الجاذبية التعبيرية للروبوت يجب أن يترافق دائماً مع دقة متناهية في الأداء وموثوقية عالية؛ إذ إن الخطأ الصادر عن روبوت يبدو “ذكياً ومتفاعلاً” يوجه ضربة قاصمة لثقة الإنسان يصعب تعويضها، ما يجعل دقة البرمجة شرطاً حتمياً لنجاح الروبوتات الاجتماعية في المستقبل.
المصدر
- Multilevel dynamics of the brain, hormones, mind, and behavior in social human-robot interaction
- الباحثون: Yigit Topoglu, Frank Krüeger, Shawn Joshi, Nina Rothstein, Adrian A. Franke, Xingnan Li, Jonathan Gratch, Ewart J. de Visser
- المجلة: Science Robotics
- قراءة الدراسة الأصلية