قد نظن أن رغبتنا في خوض المغامرات المالية أو ميلنا للتردد أمام المواقف الغامضة ينبعان بالكامل من تجاربنا الحياتية وظروف نشأتنا، غير أن دراسة حديثة نُشرت في دورية Management Science كشفت أن جانباً كبيراً من هذه التفضيلات يعود في الواقع إلى بنيتنا البيولوجية. فقد أظهر فريق بحثي أن الاستعداد الوراثي يمارس دوراً حاسماً يفوق التقديرات السابقة في توجيه خيارات صنع القرار لدى الأفراد، ولا سيما عند تقييم المخاطر والمجهول.
تأثير جيني أقوى مما كنا نتوقع
كشفت نتائج الدراسة أن الجينات تلعب دوراً أكبر بكثير في تحديد تفضيلات الأفراد تجاه المخاطرة وعدم اليقين مقارنة بما وثقته الأدبيات العلمية على مدار عقود. وبيّن الباحثون أن التباينات الراسخة بين البشر في كيفية إدارة الاحتمالات والتعامل مع النتائج غير المحسومة لا ترجع فقط إلى بيئاتهم الاقتصادية أو الاجتماعية المتغيرة، بل تستند إلى بنية جينية متأصلة توجه استجاباتهم النفسية للمواقف الشائكة.
منهجية مبتكرة تجمع بين الجينات والاقتصاد
للوصول إلى هذه الاستنتاجات الدقيقة، أجرى الباحثون تجربة ميدانية واسعة النطاق شملت توائم بالغين، ودعموا نتائجهم بمراجعة تحليلية شاملة للأبحاث السابقة في هذا المجال. وتميزت الدراسة بتطبيق منهج تجريبي يدمج تقنيات علم الوراثة السلوكي مع أدوات الاقتصاد القياسي الهيكلي.
وتُعد هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تنجح في استخلاص وقياس ثلاثة أبعاد تفضيلية متزامنة لدى الأشخاص أنفسهم ضمن نطاق دراسات التوائم: تفضيلات المخاطرة، وتفضيلات عدم التيقن، والتفضيلات الزمنية المرتبطة بمدى تفضيل المكافآت العاجلة على الآجلة، مما وفّر صورة متكاملة عن نمط القرار الفردي.
تصحيح المفاهيم: لماذا أخطأت الأبحاث السابقة؟
أوضحت الدراسة أن التقديرات العلمية السابقة كانت تقلل من شأن العامل الوراثي لسبب منهجي؛ إذ اعتمدت على مقاييس غير مباشرة ونماذج قياسية مبسطة، مما أدى بطبيعة الحال إلى تضخيم تأثير العوامل البيئية المحيطة والظروف الخاصة بكل فرد على حساب التأثير الوراثي الحقيقي.
ومن خلال قياس المعايير السلوكية الكامنة بصورة مباشرة ودون الاعتماد على مؤشرات وسيطة تقريبية، تمكّن الفريق من فك الاشتباك التحليلي وتوضيح الحدود الفاصلة بين ما يفرضه المحيط وما تمليه العوامل الوراثية، مبرهنين على أن ثبات بعض السمات السلوكية يعكس تأصلاً جينياً لا تخطئه العين الإحصائية.
ماذا تعني هذه النتائج لحياتنا وقادتنا؟
تفتح هذه الخلاصات آفاقاً جديدة لتفسير أسباب التباين المستمر في سلوكيات الأفراد والقادة على حد سواء؛ إذ تساعد في إيضاح لماذا يميل بعض المديرين التنفيذيين وصناع القرار إلى تبني استراتيجيات استثمارية جريئة بطبيعتهم، في حين يتمسك آخرون بالحرص والتحوط الشديد حتى في ظل المعطيات الاقتصادية نفسها.
كما يُسهم فهم الأساس البيولوجي للتفضيلات في مساعدة المؤسسات على تصميم بيئات عمل أكثر مرونة، وتطوير استشارات مالية وإدارية تأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الفردية لكل شخص، بدلاً من افتراض قدرة النصائح التوجيهية وحدها على محو الفروق الجوهرية التي تحكم طريقة تعاملنا مع المخاطر.
المصدر
- An Analysis of Heritability in Preferences Using Behavioral Models of Decision Making
- الباحثون: Nathan Kettlewell, Agnieszka Tymula, Hong Il Yoo
- المجلة: Management Science
- قراءة الدراسة الأصلية