مع تزايد الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي لتقديم الدعم النفسي ومكافحة الشعور بالوحدة، تثار تساؤلات ملحة حول الحدود الحقيقية لما يمكن لهذه التكنولوجيا تقديمه. وفي دراسة حديثة نُشرت في دورية AI & Society، يرى الباحث ليور غازيت أن روبوتات الدردشة، مهما بلغت براعتها، تظل مجرد “مرايا” رقمية تعكس رغبات مستخدميها ولا يمكنها تعويض الصداقة البشرية القائمة على المشاركة الوجدانية العميقة والخبرة الحية المستقلة.
ما وراء الاستجابة الذكية: البحث عن العمق المفقود
تُقيّم روبوتات المرافقة التفاعلية حالياً بناءً على معايير مثل الطلاقة اللغوية، وسرعة الاستجابة، والقدرة على التخصيص، والتواجد المستمر لمساعدة المستخدم. ومع ذلك، يؤكد البحث أن هذه المقاييس تركز على السطح الخارجي للصداقة وتتجاهل جوهرها الأصيل. فالصداقة الإنسانية لا تقتصر على تقديم إجابات ذكية أو مواسية، بل تقوم على ما يصفه الباحث بـ “الذاتية المتبادلة“، وهي وجود مركز داخلي مستقل للوعي والشعور، يملك القدرة على التأثر بصدق ومشاركة لحظات البهجة والألم جنباً إلى جنب مع الطرف الآخر.
المرآة مقابل المصدر: كيف تتشكل علاقاتنا بالآلة؟
استندت الدراسة إلى علم اجتماع التفاعل والنظريات الفينومينولوجية لتمييز فارق جوهري بين نموذجين للعلاقات: “المرآة العلائقية” و”المصدر العلائقي”. وتعمل روبوتات الذكاء الاصطناعي كمرآة علائقية؛ إذ تُولد حماسها الظاهري وردودها داخل سياق يُصاغ بالكامل حول المستخدم ومدخلاته، دون أن تمتلك رغبة خاصة بها. وفي المقابل، يمثل الصديق البشري مصدراً علائقياً حقيقياً؛ فهو يتمتع بحياة داخلية مستقلة تفيض بالأفكار، والانفعالات، والاهتمامات التي تنشأ خارج حدود العلاقة ثم تتدفق إليها لتثريها بمفاجآت وتجارب حية لا يمكن التنبؤ بها مسبقاً.
فجوة بين التفاعل والتجربة المشتركة
تضع الدراسة فاصلاً واضحاً بين مجرد إجراء تفاعل آلي وبين خوض “تجربة معيشة مشتركة”. فالتجربة الإنسانية تتطلب اهتماماً متبادلاً ووعياً يحمل فيه كل طرف رهانات عاطفية حقيقية تجاه الآخر وتجاه العالم. ورغم التقدم الهائل في ابتكار نماذج اللغة الكبيرة وتطوير أنظمة التوصية، إلا أن هذه التقنيات تعمل جميعها وفق منطق واحد يجعلها تابعة للمستخدم وتدور في فلكه، دون أن تمتلك مشاعر صادقة تُخاطر بها أو تُعبر عنها بشكل مستقل.
قيمة حقيقية ولكن ضمن تصنيف مختلف
لا تنفي الدراسة الجدوى العملية لرفقاء الذكاء الاصطناعي؛ إذ يشير الباحث إلى أن لهذه الأنظمة فوائد ملموسة لا يمكن إنكارها في مجالات مثل تقديم الرعاية لكبار السن والمساعدة في التخفيف المؤقت من مشاعر العزلة. لكن الخطورة تكمن في الخلط بين هذه الأدوات والصداقة الإنسانية بمعناها العميق. وتدعو نتائج البحث إلى وضع رفقاء الذكاء الاصطناعي في فئة مفاهيمية مستقلة عن العلاقات البشرية، وهو ما يفرض على المصممين والمشرعين إعادة النظر في أطر تنظيم هذه التكنولوجيا؛ لضمان عدم تسويق أوهام تفاعلية قد تؤدي إلى تراجع السعي وراء الروابط الإنسانية الحقيقية التي لا غنى عنها.
المصدر
- When no one laughs back: reciprocal subjectivity and the limits of AI companionship
- الباحثون: Lior Gazit
- المجلة: AI & Society
- قراءة الدراسة الأصلية