كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية Culture Health & Sexuality أن الطريقة التي يتبعها الباحثون في جمع البيانات تؤثر بشكل جوهري على كيفية فهم وتفسير ظاهرة السيولة الجنسية. وأوضح الباحثان أمين غازياني وآندي هولمز أن الإجابات التي يقدمها الأفراد في الاستمارات المكتوبة قد تختلف بصورة ملحوظة عن السرديات التي يشاركونها شفهياً، مما يفتح آفاقاً جديدة لإعادة التفكير في كيفية قياس الهوية الجنسية وفهم تعقيداتها.
تباين ملحوظ بين الورقة والحديث المباشر
أظهرت نتائج الدراسة وجود اختلافات واضحة وغير متطابقة بين ما سجله المشاركون في الاستبيانات المغلقة وما عبروا عنه لاحقاً خلال المقابلات الشفهية. فبينما مالت أدوات القياس المكتوبة إلى حصر الإجابات ضمن تصنيفات محددة وجامدة، أتاحت المقابلات مساحة أوسع للتعبير عن المرونة والتفاصيل الدقيقة المتعلقة بمشاعر الانجذاب والسلوكيات الواقعية التي لم تستطع الخيارات المعدة مسبقاً استيعابها.
ووفقاً للباحثين، فإن التعبير اللفظي المباشر سمح للأفراد بسرد تجاربهم في سياقها الزمني والاجتماعي، مما أبرز جوانب حيوية من السيولة لم تكن لتظهر من خلال الأطر التقليدية للبيانات المكتوبة وحدها.
كيف أُجريت الدراسة؟
اعتمد الفريق البحثي على عينة شملت 52 فرداً يعرفون أنفسهم كمنتمين إلى مجتمع الميم (+LGBTQ). وطُلب من كل مشارك إتمام استبيان ديموغرافي موجز ومنظم أولاً، تلاه إجراء مقابلة متعمقة وشاملة لمناقشة تجاربهم الحياتية.
ومكّنت هذه المنهجية المصممة للمقارنة داخل العينة نفسها من رصد الفروق الدقيقة في كيفية وصف كل شخص لهويته ومشاعره وسلوكياته عبر أداتين مختلفتين لجمع البيانات، مما أتاح للباحثين فرصة نادرة لاختبار أثر الوسيلة على طبيعة المعلومات التي يتم الحصول عليها.
التناقضات ليست أخطاء بل نافذة للفهم
شددت الدراسة على أن هذه التناقضات بين الاستبيان والمقابلة لا تعكس بالضرورة ضعفاً في دقة القياس أو قصوراً في الإجابات، بل تمثل نافذة ثرية لفهم الطبيعة التكيفية للسيولة الجنسية التي تتأثر بالسياق والموقف.
وتسلط النتائج الضوء على كيفية تأثر المفاهيم البحثية بالتقسيمات الثابتة مقابل المرنة، والملصقات التقليدية المألوفة مقابل التسميات الناشئة، وحتى خانات التصنيف المتبقية مثل “أخرى”. وتبرز هذه التباينات كيف يعيد الأفراد تشكيل معاني هوياتهم باستمرار استجابةً للبيئة المحيطة بهم.
ماذا يعني ذلك للبحث العلمي؟
تستند الدراسة إلى ما يُعرف بـ المناهج الكويرية في علم الاجتماع لاقتراح أن التناقضات المنهجية يمكن أن تصبح أرضية خصبة لتطوير النظريات وتعميقها، بدلاً من التعامل معها كعقبات إحصائية يجب التخلص منها.
وتوصي الورقة بتطوير أدوات ومنهجيات بحثية متعددة تأخذ في الحسبان تعقيد التجربة الإنسانية، مؤكدة أن “ما يعرفه الباحثون يعتمد بشكل جوهري على الطريقة التي يتبعونها في المعرفة وطرح الأسئلة”.
المصدر
- What you know depends on how you know: a queer approach for measuring sexual fluidity
- الباحثون: Amin Ghaziani, Andy Holmes
- المجلة: Culture Health & Sexuality
- قراءة الدراسة الأصلية