الصحة النفسيةعلم النفس السريري

دراسة: الحساسية الأخلاقية تعزز النمو النفسي وسط أهوال الحرب

كشفت دراسة شملت آلاف الأوكرانيين أن الحساسية الأخلاقية تدعم النمو بعد الصدمة، بينما يقود الأذى الأخلاقي إلى التدهور النفسي تحت وطأة الحرب.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 19 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 19 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت في “المجلة الأوروبية للطب النفسي والرضوح النفسية” عن استجابات متباينة يختبرها المدنيون في ظل الحروب؛ إذ أظهرت أن “الحساسية الأخلاقية” تلعب دوراً حاسماً في تعزيز النمو النفسي والتكيف الإيجابي رغم المعاناة الشديدة، في حين يدفع “الأذى الأخلاقي” باتجاه التدهور والانتكاس النفسي. وتلقي هذه النتائج ضوءاً جديداً على كيفية تفاعل المنظومة الأخلاقية للإنسان مع أهوال النزاعات المسلحة المستمرة لحماية الصحة النفسية أو تفاقم هشاشتها.

مساران متناقضان: بين النضج النفسي والتدهور

أظهرت نتائج الدراسة وجود مسارين نفسيين متباعدين تماماً لدى البالغين الأوكرانيين تحت وطأة الحرب الدائرة. فمن جهة، ارتبطت الحساسية الأخلاقية—وهي قدرة الفرد على إدراك الأبعاد الأخلاقية في المواقف الصعبة والاستجابة لمعاناة الآخرين—بشكل مباشر وقوي بحدوث النمو بعد الصدمة، دون أن تسهم في التدهور النفسي؛ حيث أظهر التحليل الإحصائي قدرتها الفريدة على التنبؤ بهذا النضج الإيجابي بقيمة بلغت نحو 0.42.

في المقابل، ارتبط مفهوم الأذى الأخلاقي—الناجم عن انتهاك القيم الجوهرية أو معايشة وقائع تنطوي على خذلان قيمي عميق—بشكل وثيق بحدوث التدهور النفسي وتفاقم المعاناة بقيمة تنبؤية قاربت 0.36، دون أن يرتبط بتحقيق أي نمو. وتؤكد الدراسة أن الاستجابة للصدمات لا تتحدد بحجم الخطر فحسب، بل تتشكل بوضوح وفق المسار القيمي الذي يسلكه الفرد في استيعاب المأساة ومعالجتها داخلياً.

كيف تعيد الحرب تشكيل القناعات الأساسية؟

بيّنت النتائج أن التعرض المباشر لضغوط الحرب واضطراب المعتقدات الجوهرية—مثل الإيمان بعدالة العالم وأمانه والقدرة على التنبؤ به—يفسران قدراً كبيراً من المعاناة الإنسانية. وأوضح الباحثون أن هذين العاملين أسهما معاً في تفسير 69% من التباين في أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، إضافة إلى 37% من تجارب الأذى الأخلاقي و33% من الحساسية الأخلاقية.

وتشير المسارات غير المباشرة التي كشفها التحليل إلى أن انهيار المبادئ الأساسية وضغوط الحرب يفضيان إلى التدهور النفسي عبر وسيطين رئيسيين: أعراض الصدمة والشعور بالذنب أو الخذلان الأخلاقي. على النقيض من ذلك، عندما قادت هذه الضغوط إلى استثارة الحساسية الأخلاقية والوعي الإنساني، مثّلت تلك الحساسية مساراً تكيفياً قاد بفاعلية إلى إعادة بناء الذات وتحقيق النضج النفسي رغم استمرار النزاع.

أكبر مسح نفسي من نوعه: تحليل بيانات 6340 أوكرانياً

تستند هذه النتائج إلى مسح واسع النطاق يُعد من الأكبر من نوعه في أوقات النزاعات النشطة، إذ اعتمد الباحثون على عينة وطنية شملت 6,340 بالغاً يقيمون في أوكرانيا خلال عام 2025. واعتمد الفريق على أسلوب نمذجة المعادلة الهيكلية لتحليل شبكة العلاقات المعقدة بين مهددات الحرب وتداعياتها القيمية والنفسية.

وأثبت الفحص الإحصائي دقة وثبات المقاييس النفسية المستخدمة واستقرارها عبر فئات الجنس، فضلاً عن ثباتها لدى من خاضوا تجارب قتالية مقارنة بمن لم يخوضوها، مما يعزز موثوقية النتائج. وقد نجح النموذج التفسيري في توضيح ما يقارب 35% من التباين الكلي في النمو النفسي و48% من التباين في التدهور النفسي، مقدمًا أدلة قوية حول تباين الاستجابات البشرية تحت النار.

رؤى جديدة لتطوير التدخلات النفسية في مناطق النزاع

تسلط نتائج الدراسة الضوء على ضرورة عدم قصر التدخلات النفسية في مناطق الحروب على معالجة الأعراض التقليدية للصدمة، مثل الخوف والتوتر. وتؤكد على أهمية الالتفات إلى الأبعاد الأخلاقية والوجودية للمتضررين، باعتبارها ركناً أساسياً يحدد اتجاه التعافي إما نحو الانكسار أو نحو التماسك والارتقاء.

ويمكن لمؤسسات الدعم الإنساني والنفسي الاستفادة من هذه المعطيات عبر تصميم برامج علاجية تعزز الحساسية الأخلاقية والتعاطف المجتمعي كمسار تكيفي يحمي من الانهيار الداخلي. كما أن مساعدة الناجين على التعامل مع جروح الأذى الأخلاقي ومعالجة مشاعر الخذلان يمثل خطوة جوهرية لتخفيف التدهور النفسي ودعم التعافي طويل الأمد وسط الأزمات الممتدة.


المصدر

  • Posttraumatic growth and depreciation among Ukrainians: a structural equation modelling approach
  • الباحثون: Mariia Mezhenska, Craig S. Neumann, Ateka A. Contractor
  • المجلة: European Journal of Psychotraumatology
  • قراءة الدراسة الأصلية

تقييم هذا المحتوى

0.0 / 5 0 تقييمات

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 19). دراسة: الحساسية الأخلاقية تعزز النمو النفسي وسط أهوال الحرب. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/news/moral-sensitivity-trauma-growth-ukraine-study/
looti, Mohammed. “دراسة: الحساسية الأخلاقية تعزز النمو النفسي وسط أهوال الحرب.” عرب سايكلوجي, 19 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/news/moral-sensitivity-trauma-growth-ukraine-study/.
looti, Mohammed. “دراسة: الحساسية الأخلاقية تعزز النمو النفسي وسط أهوال الحرب.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 19, 2026. https://arabpsychology.com/news/moral-sensitivity-trauma-growth-ukraine-study/.