كشفت دراسة علمية رائدة نُشرت حديثاً في مجلة Nature المرموقة أن مركب السيلوسيبين (Psilocybin)، وهو المادة الفعالة في الفطر المهلوس، لا يغير النشاط الذهني بطريقة عشوائية، بل يعيد تنظيم شبكات الدماغ العصبية لتتناغم وتتطابق بدقة مع السياق والبيئة المحيطة بالشخص. ويقدم هذا البحث تفسيراً علمياً جديداً لكيفية تأثير هذه المادة على الوعي، ممهداً الطريق لفهم أعمق لإمكاناتها العلاجية الواعدة في الطب النفسي.
تناغم غير مسبوق بين الدماغ والبيئة
أظهرت نتائج الدراسة أن السيلوسيبين يعيد هيكلة المسارات العصبية، مما يجعل استجابات المخ متوافقة بعمق مع المؤثرات الخارجية المحيطة. ففي الحالة الطبيعية، تعمل شبكات الدماغ المسؤولة عن معالجة الأفكار والتأملات الداخلية بانفصال نسبي عن الشبكات المعنية باستقبال مدخلات البيئة الخارجية؛ غير أن السيلوسيبين أحدث تكاملاً متماسكاً دمج بين هذه المسارات المنفصلة.
وفقاً للباحثين، تجلى هذا التناغم في تجارب حية أبلغ فيها المشاركون عن شعور إيجابي بزوال الحدود الذاتية أو ما يعرف بـ “تلاشي الأنا”. وأدى هذا التحول إلى تجربة وجدانية عميقة من الاندماج والانغمار البيئي، حيث شعر المشاركون بأنهم جزء متصل وغير منفصل عن محيطهم، مما يعكس توافقاً عصبياً دقيقاً بين الحالة الداخلية والواقع الخارجي.
أضخم مسح تصويري عصبي من نوعه
اعتمد البحث على جمع وتحليل أضخم قاعدة بيانات تصوير عصبي في مجال أبحاث المواد المخلة بالنفس حتى اليوم، وشملت 62 مشاركاً بالغاً تناول كل منهم جرعة محددة بلغت 19 ملغ من السيلوسيبين. وخضع المتطوعون لفحوصات دقيقة عبر تقنية الرنين المغناطيسي الوظيفي بعد نحو 80 دقيقة من تناول الجرعة، وجلسات تخطيط أمواج الدماغ بعد قرابة 150 دقيقة، خلال حالات الاسترخاء ومحفزات طبيعية شملت التأمل، والاستماع للموسيقى، ومشاهدة مقاطع مصورة.
باستخدام خوارزميات التعلم الآلي لنمذجة نشاط المخ ضمن مسارات منخفضة الأبعاد، رصد الفريق تحولاً لافتاً؛ إذ أصبح النشاط العصبي المسجل أثناء إغماض العينين مشابهاً للنشاط المسجل أثناء فتحها. كما زاد الاتصال الوظيفي العام في المناطق الترابطية العليا من المخ وتراجع في المناطق الحسية الأولية، كاشفاً عن تنظيم بنيوي معقد وحساس للسياق تغفله القياسات التقليدية.
أبعاد علاجية وتغير إيجابي في التفكير
لم تتوقف آثار التجربة عند التغيرات اللحظية في وظائف الأعصاب؛ إذ أفاد نصف المشاركين بأن خوض هذه التجربة كان من بين أكثر الأحداث ذات المغزى والمعنى في حياتهم. وأثبتت التحليلات الإحصائية أن درجة وقوة التناغم العصبي مع السياق المحيط ارتبطت بصورة مباشرة بحدوث تغيرات إيجابية في طريقة تفكير المشاركين ورؤيتهم الذهنية في اليوم التالي للتجربة.
تؤسس هذه النتائج لإطار علمي يربط بين علم الأحياء العصبي والتجربة الشعورية الذاتية والتغير السلوكي. كما تسلط الضوء على الأهمية القصوى لتهيئة البيئة النفسية والمكانية المحيطة بالمريض أثناء جلسات العلاج النفسي المدعومة بالسيلوسيبين، مؤكدة أن ضبط عناصر السياق الخارجي ليس مجرد تفصيل ثانوي، بل عامل جوهري لتوجيه النشاط العصبي نحو مسارات الشفاء والتعافي النفسي.
المصدر
- Psychedelics align brain activity with context
- الباحثون: Devon Stoliker, Leonardo Novelli, M. Amin Khajehnejad, Mana Biabani, Matthew D. Greaves, Tamrin Barta, Martin Williams, Sidhant Chopra
- المجلة: Nature
- قراءة الدراسة الأصلية