في مجتمعات تتسارع فيها وتيرة الحياة، يجد الكثير من كبار السن أنفسهم في مواجهة قاسية مع مشاعر التهميش والعزلة الاجتماعية. غير أن دراسة حديثة نُشرت في دورية Journal of Business Research كشفت عن أفق جديد لمواجهة هذه المعاناة الصامتة؛ حيث أظهر الباحثون أن الحيوانات الأليفة الروبوتية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تمثل مجرد أجهزة إلكترونية مسلية، بل تعمل كموارد نفسية فاعلة تعيد للمسنين شعورهم بالسيطرة وتمنحهم ولعائلاتهم متنفساً وجدانياً طال انتظاره.
تخفيف وطأة التهميش واستعادة السيطرة
يعاني قطاع عريض من المسنين مما تصفه الدراسة بالشعور بأنهم “غير مرئيين” مجتمعياً، وهو إحساس متولد عن انحسار مواردهم واستقلاليتهم، وتراجع قدرتهم على التحكم في مجريات حياتهم اليومية. وتضع هذه التغيرات كبار السن في موضع ضعف نفسي مستمر يؤثر سلباً في معنوياتهم وصحتهم الإجمالية.
وأظهرت الدراسة، التي أجراها فريق بحثي بقيادة الدكتور نسيم حق، أن اقتناء حيوان أليف روبوتي يسهم بوضوح في تقليص مشاعر الهشاشة والعجز؛ إذ يتيح للمستفيدين فرصة ثمينة لاستعادة دور “الفاعل الراعي” بدلاً من البقاء في موقع المتلقي للرعاية فحسب. فالعناية برفيق آلي يتجاوب معهم بالصوت والحركة تعيد إيقاظ قدرتهم على رعاية كائن آخر والتفاعل الإيجابي معه، ما يمنحهم إحساساً متجدداً بالقيمة ويعزز جودة الحياة والشعور بالتمكن.
الواقعية واللمس: أسرار الارتباط العاطفي
اعتمد الباحثون على التحليل النصي الآلي لآلاف التقييمات الواقعية للمستخدمين عبر الإنترنت مقسمة عبر أربع شرائح مختلفة، لدراسة أبعاد هذا التفاعل. وأثبتت المعطيات أن الخصائص اللمسية – مثل نعومة الفراء وحرارة الجسم وحركات التنفس المحاكية للواقع – متضافرة مع الملامح البصرية المعبرة، تعزز بقوة إدراك المستخدمين لواقعية هذه الكائنات الآلية واقترابها من الحيوانات الحقيقية.
وبيّنت النتائج أن هذا الإدراك العالي للواقعية يرتبط، إلى جانب عوامل أخرى كنشوء الارتباط العاطفي ووجود خبرات سابقة لدى المسن في تربية الحيوانات، بارتفاع ملحوظ في تقييمات الرضا العام وتحسن المؤشرات النفسية للمستفيدين، مما يؤكد أن الاستجابة الحسية المتقنة هي بوابة بناء الروابط الوجدانية الصادقة مع الروبوتات.
أثر ممتد: دعم نفسي لمقدمي الرعاية
لم يقتصر التحول الإيجابي على المسنين وحدهم، بل امتد تأثيره ليشمل أفراد الأسرة ومقدمي الرعاية الذين تنعكس عليهم عادة وطأة تراجع صحة ذويهم فيما يشبه ارتداد الهشاشة النفسية، وهو ما يقود في كثير من الأحيان إلى الإصابة بما يُعرف بـ إجهاد مقدمي الرعاية.
ووفقاً للتحليل، ساعد وجود الحيوان الأليف الروبوتي أفراد العائلة في إدارة مشاعرهم الصعبة، مثل القلق المستمر والشعور بالذنب والعجز أمام شيخوخة أحبائهم؛ إذ وفر هذا الرفيق الآلي مصدر أمان وإلهاء إيجابياً يخفف التوتر في محيط المنزل اليومي، ويمنح مقدمي الرعاية فترات راحة بالغة الأهمية وطمأنينة بأن قري Conan المسن ليس وحيداً.
تجارب واقعية ترسم مستقبل التصميم
تستمد هذه الدراسة أصالتها من استنادها إلى معايشة يومية مستمرة وثقتها العائلات عبر تجارب الشراء والاستخدام الفعلي المطول، متجاوزة بذلك حدود الدراسات المختبرية التقليدية التي كانت تكتفي بمراقبة جلسات تفاعلية قصيرة ومؤقتة بين المشاركين والآلات.
وتقدم خلاصات البحث دليلاً عملياً وتوجيهات جوهرية للمصممين ومطوري الروبوتات الاجتماعية، مؤكدة ضرورة التركيز على تلبية الاحتياجات العاطفية واللمسية للفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع. فالأمر يتجاوز مجرد ابتكار تقني معقد؛ إنه يدور حول ابتكار موارد رحيمة قادرة على استعادة البهجة لمن كاد المجتمع أن يتجاهل وجودهم.
المصدر
- Robotic pets as resources: transforming the lives of the unseen and overlooked
- الباحثون: Nasim Haque, Nichola Robertson, Liliana L. Bove, Satheesh Seenivasan, Phyra Sok, Paul Yates
- المجلة: Journal of Business Research
- قراءة الدراسة الأصلية