كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية “Eating Disorders” عن تحفظات وانقسامات واسعة بين المتخصصين والمرضى ومقدمي الرعاية تجاه مقترح طبي يرمي لتصنيف بعض حالات فقدان الشهية العصابي الشديدة كمرض “نهائي” أو ميؤوس من شفائه. وأظهرت الدراسة، التي قادتها الباحثتان سارة روب وأنيتا فيديريتشي، أن غالبية الأطراف المعنية تخشى التبعات الخطيرة لمثل هذا التوصيف، وتطالب بتوجيه الجهود نحو إصلاح منظومة الرعاية النفسية بدلاً من الاستسلام للمرض وقطع حبال الأمل أمام المتعالجين.
جدل طبي وأخلاقي: ما هو فقدان الشهية الميؤوس منه؟
تعود جذور القضية إلى معايير اقترحتها دراسة قادتها الطبيبة جنيفر غودياني عام 2022، حيث وضعت إطاراً سريرياً لتحديد ما وصفته بـ”فقدان الشهية العصبي النهائي”. وتضمن هذا المقترح أربعة شروط رئيسية: وجود تشخيص مؤكد للمرض، وبلوغ المصاب سن الثلاثين عاماً فما فوق، وخضوعه مسبقاً لعلاجات متعددة عالية الجودة دون تحسن، إلى جانب إبداء المريض قناعة مستمرة وغير متغيرة بعدم جدوى العلاج، بشرط تمتعه بـالأهلية العقلية الكافية لاتخاذ قراراته المصيرية.
وأثارت هذه المعايير موجة عارمة من الجدل في الأوساط الطبية؛ إذ حذر نقاد من أن إضفاء صفة “الميؤوس منه” على أحد اضطرابات الأكل النفسية يشكل سابقة بالغة الحساسية، قد تفتح الباب نحو تقليص الرعاية الفعالة والاكتفاء بتقديم رعاية تلطيفية لمرضى لا يزال شفاؤهم ممكناً من الناحية العلمية والتاريخية.
رفض واسع لمعيار العمر وتحفظات على فكرة التصنيف
أظهرت نتائج الدراسة الاستقصائية معارضة قوية من المشاركين لثلاثة من المعايير الأربعة المقترحة، وكان الرفض الأشد موجهاً ضد معيار السن (30 عاماً أو أكثر)، حيث عارضه أكثر من 61% من المستطلعة آراؤهم (22.4% عارضوا، و38.8% عارضوا بشدة). واعتبر المعترضون أن حصر الأمل عند سن الثلاثين يُعد حكماً جائراً يتجاهل آلاف الحالات التي حققت التعافي الكامل في عقود متقدمة من العمر.
في المقابل، نال المعيار الرابع—المتعلق باحترام رغبة المريض وقناعته بعدم جدوى التدخلات إذا ثبتت أهليته—أعلى نسبة قبول، بتأييد نحو 47% من المشاركين (25.2% مؤيدون، و21.6% مؤيدون بشدة)، استناداً إلى مبدأ استقلالية المريض. غير أن التحليل النوعي كشف أن القلق الأكبر لدى أغلب الأطراف لم ينصب على تفاصيل المعايير وحدها، بل على أصل الفكرة ومشروعيتها الأخلاقية، محذرين من الضرر النفسي والجسدي الذي قد يلحق بالمصابين بمجرد تصنيفهم ضمن فئة “المحكوم عليهم بالموت”.
منهجية الدراسة: استطلاع آراء أصحاب المصلحة
اعتمدت الباحثتان على منهجية بحثية مختلطة جمعت بين الأرقام الإحصائية والتحليل النوعي، بمشاركة 219 شخصاً يمثلون أصحاب المصلحة المباشرين؛ ومن بينهم أفراد خاضوا تجربة الإصابة بفقدان الشهية بأنفسهم، وأفراد من عائلاتهم ومقدمي الرعاية، فضلاً عن أطباء ومعالجين نفسيين متخصصين في اضطرابات الأكل. كما قدّم نحو 182 مشاركاً إجابات نوعية مفصلة عبر أسئلة مفتوحة.
وسلطت الإجابات الضوء على معضلات سريرية عميقة؛ لا سيما صعوبة التنبؤ الدقيق بـمآل المرض النفسي، وتعقيدات الجزم بانعدام الأهلية أو اكتمالها في ظل التأثيرات العصبية المباشرة للمجاعة وسوء التغذية الحاد على التفكير والتقييم المنطقي.
الخلاصة: إصلاح الرعاية الصحية بدلاً من التسميات الميؤوس منها
خلصت الدراسة إلى أنه على الرغم من تعاطف شريحة محدودة مع الطرح لتخفيف المعاناة المستمرة للمرضى، فإن الإجماع الأوسع يرفض ترسيخ هذا المصطلح. ورأى المشاركون أن الحل لا يكمن في خلق مسارات استسلامية، بل في الدفع نحو إصلاح شامل وعميق للمنظومة العلاجية، وتطوير أساليب التدخل الصحي، وسد الفجوات التي تحول دون حصول المرضى على رعاية طويلة الأمد ومتخصصة.
وتؤكد نتائج البحث حاجة الطب النفسي إلى صياغة مصطلحات علاجية مسؤولة وقائمة على الإجماع الأخلاقي؛ مصطلحات تضع الإنسان واحتياجاته في صلب اهتمامها وتتمسك بفرص الشفاء، بدلاً من إطلاق أحكام نهائية تقطع الطريق أمام رحلة التعافي.
المصدر
- Stakeholder views on the proposed criteria for ‘terminal anorexia’: a mixed-methods study
- الباحثون: Sara Robb, Anita Federici
- المجلة: Eating Disorders
- قراءة الدراسة الأصلية