الملخص
يُعد مقياس التسلطية – التمرد (Authoritarianism-Rebellion Scale – A-R Scale)، الذي طوره عالم النفس الكندي بول إم. كون (Paul M. Kohn) في عام 1972، أحد أبرز الأدوات السيكومترية التي أحدثت نقلة نوعية في قياس التسلطية والاتجاهات السياسية والاجتماعية. جاء هذا المقياس كاستجابة نقدية منهجية للعيوب البنيوية التي شابت «مقياس كاليفورنيا للفاشية» (California F Scale) الذي وضعه تيودور أدورنو وزملاؤه، ولا سيما تحيز الاستجابة بالموافقة (Acquiescence Response Set) واقتصار المفهوم على التسلطية اليمينية وتجاهل التسلطية اليسارية أو النزعات التمردية المقاومة للسلطة التقليدية.
يتألف المقياس في نسخته المعيارية الكاملة من 30 فقرة متوازنة بدقة؛ حيث تشتمل على 15 فقرة مصاغة باتجاه تأييد التسلطية والامتثال للمؤسسات والسلطة، و15 فقرة مصاغة باتجاه التمرد والرفض الراديكالي للأعراف والقوانين السائدة. يُدار المقياس عبر سلم ليكرت متدرج من 6 أو 7 نقاط يتراوح من «أعارض بشدة» إلى «أوافق بشدة». أظهرت الدراسات السيكومترية تمتع المقياس بخصائص قياسية رفيعة، حيث تراوحت معاملات الاتساق الداخلي (Cronbach’s Alpha) بين 0.78 و0.87، ومعاملات ثبات إعادة الاختبار تجاوزت 0.80، مع مؤشرات صدق تقاربي وبنائي وتمايزي قوية تعكس كفاءته العالية في التمييز بين الخضوع التقليدي والتمرد الأيديولوجي دون الوقوع في شراك التحيز المنهجي.
الكلمات المفتاحية
مقياس التسلطية والتمرد، التسلطية، التمرد النفسي، مقياس كاليفورنيا ف، الخضوع للسلطة، علم النفس السياسي، القياس النفسي، تحيز الموافقة، الاتجاهات الاجتماعية، الدوغماتية، الامتثال، الشخصية التسلطية، القياس السيكومتري، الراديكالية.
المؤلفون
تم تطوير المقياس بواسطة بول إم. كون (Paul M. Kohn)، أستاذ علم النفس والباحث في القياس النفسي وعلم النفس الاجتماعي والشخصية في جامعة يورك (York University) في تورنتو، أونتاريو، كندا. ركزت أبحاث الدكتور كون على سيكولوجية الاتجاهات، والضغط النفسي، والتكيف، والمنهجية الإحصائية في قياس التوجهات الأيديولوجية المعقدة.
الغرض
تم تصميم مقياس التسلطية – التمرد لتحقيق أهداف نظرية ومنهجية وتطبيقية دقيقة في حقل علم النفس السياسي والاجتماعي:
- معالجة تحيز الاستجابة بالموافقة (Acquiescence Response Bias): كان الانتقاد الأكبر لمقياس F الكلاسيكي هو صياغة جميع بنوده في اتجاه واحد (التسلطي)، مما جعل من المستحيل التمييز بين الشخصية التسلطية الحقيقية والميل التوافقي العام للمستجيبين للموافقة على أي عبارة موثوقة النبرة. هدف مقياس A-R إلى تقديم صياغة متوازنة (Balanced Scale) تلغي هذا الأثر الإحصائي المشوه.
- توسيع المفهوم النظري للتسلطية: سعى المقياس إلى سد الفجوة التي نشأت عن الخلط بين التسلطية كبناء نفسي وبين التحفظ السياسي اليميني، مما أتاح قياس النزعات التسلطية المضادة والتمردية التي قد تتواجد لدى التيارات اليسارية أو الحركات الراديكالية والرافضة للمؤسسات القائمة.
- التطبيقات البحثية: يُستخدم المقياس كأداة تشخيصية وبحثية لفهم آليات الاحتجاج المدني، والامتثال للقوانين، والانخراط في الحركات الاجتماعية المتطرفة، ودراسة التفاعل بين سمات الشخصية والتفضيلات الحزبية والسياسية.
- التطبيقات الإكلينيكية والمؤسسية: يساعد في دراسة الأنماط التكيفية للأفراد داخل البيئات عالية الهيكلية (كالجيش والمؤسسات الأمنية والشركات الهرمية) مقارنة بالبيئات الإبداعية والمرنة، فضلاً عن فهم سمات التحدي المعارض والعداء للمصادر الرسمية للدعم.
البناء النفسي
يقوم المقياس على بناء نفسي ثنائي القطب (أو ثنائي الأبعاد المترابطة) يستكشف تموضع الفرد على متصل يتراوح بين التسلطية الخاضعة (Authoritarianism) والتمرد الرافض للسلطة (Rebellion):
1. بعد التسلطية (Authoritarianism Dimension)
يركز هذا البناء على الاعتقاد الراسخ بضرورة وجود سلطة صارمة، والامتثال غير المشروط للأعراف والقوانين المجتمعية المعمول بها، واحترام الهرمية التقليدية. يرى الأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة على هذا البعد أن الفوضى والانهيار الأخلاقي والاجتماعي ينتجان عن غياب الانضباط وتحدي القادة. يشمل هذا البعد مكونات مثل:
- الخضوع السلطوي: الاستعداد النفسي لتقبل قرارات السلطات والمؤسسات الدينية والقانونية كحقائق مطلقة.
- العدوانية السلطوية المقننة: تأييد العقوبات الصارمة واستخدام القوة ضد أولئك الذين ينتهكون المعايير التقليدية.
- التقليدية: الالتزام الصارم بالقيم الثقافية والاجتماعية الراسخة ورفض التجديد غير المنضبط.
2. بعد التمرد (Rebellion Dimension)
يقيس هذا البناء النزعة نحو التشكيك الجذري في شرعية المؤسسات، وتحدي الهيئات الحاكمة، والاحتفاء بالاستقلالية الفردية حتى لو تطلب ذلك كسر القواعد الموضوعة. يعكس هذا البعد نزعة تحررية وراديكالية تنظر إلى القوانين والمؤسسات القائمة على أنها أدوات للقمع والسيطرة، وتتضمن مظاهره:
- التحدي المؤسسي: رفض الامتثال التلقائي للأوامر والتعليمات الرسمية.
- التحرر المعياري: تفضيل التغيير الجذري، والتسامح أو التشجيع على السلوكيات غير التقليدية المناهضة للنظام.
- الشك في السلطة: الاعتقاد بأن مراكز القوة فاسدة بطبيعتها وتخدم مصالح النخب على حساب الأفراد.
الإطار النظري
يندرج مقياس التسلطية – التمرد ضمن تقاطع نظريات الشخصية والتحليل النفسي وعلم النفس الاجتماعي المعرفي:
استند المقياس تاريخياً إلى أطروحة الشخصية التسلطية (The Authoritarian Personality) التي صاغها أدورنو، فرانكل-برونزفيك، ليفنسون، وسانفورد (1950) في معهد فرانكفورت للأبحاث الاجتماعية. افترضت تلك النظرية أن التسلطية تنشأ كآلية دفاعية ناجمة عن تنشئة أسرية قاسية وقمعية تؤدي إلى كبت العدوان وتوجيهه نحو الأقليات والخضوع للأقوياء.
ومع ذلك، تبنى «كون» الانتقادات الحادة التي وجهها علماء مثل ريتشارد كريستي وإدوارد شيلز وميلتون روكيش (Milton Rokeach)، الذين أثبتوا أن نظرية أدورنو صممت لقياس التسلطية الفاشية اليمينية فقط، وأهملت حقيقة أن الدوغماتية والتسلط يمكن أن يظهرا في صورة “تسلطية يسارية” أو تمرد راديكالي منظم. من هنا استلهم «كون» نظرية التوازن البنائي وطور مقياساً يدمج محتوى فكرياً يسارياً وراديكالياً لموازنة البنود اليمينية التقليدية، معتمداً على أسس النظرية الكلاسيكية للاختبار (Classical Test Theory) للتأكد من أن الأداة تقيس التوجه العقلي تجاه مفهوم السلطة في حد ذاته، وليس مجرد الانتماء الحزبي الضيق.
الصدق
خضع مقياس A-R لسلسلة شاملة من دراسات التحقق من الصدق في عينات متنوعة من طلاب الجامعات، والمجتمعات العامة، والفئات المهنية، وجاءت النتائج كالتالي:
- الصدق التقاربي (Convergent Validity): أظهر المقياس ارتباطات ذات دلالة إحصائية موجبة وقوية مع مقياس كاليفورنيا F (r = 0.65 إلى 0.74)، ومقياس الدوغماتية لروكيش (r = 0.52 إلى 0.61)، ومقياس التسلطية اليمينية لـ بوب ألتماير (Bob Altemeyer)، مما يؤكد اشتراكه في قياس السمات المركزية للتسلط.
- الصدق التمايزي (Discriminant Validity): حقق المقياس استقلالية واضحة عن متغير الرغبة الاجتماعية (Social Desirability) المقاس بمقياس مارلو-كراون، حيث كانت معاملات الارتباط منخفضة للغاية وغير دالة (r = -0.08 إلى 0.12)، وهي ميزة تفوق فيها بشكل ملحوظ على مقياس F الأصلي.
- الصدق التنبؤي والمعياري (Predictive & Criterion Validity): نجح المقياس في التنبؤ بسلوكيات التصويت الانتخابي، وتأييد الاحتجاجات الطلابية والعمالية، والمواقف تجاه تشريعات الحريات المدنية وعقوبة الإعدام ومقترحات تقنين المخدرات، بأحجام تأثير متوسطة إلى كبيرة (Cohen’s d تراوحت بين 0.60 و0.95).
الثبات
أثبتت الفحوص الإحصائية لمقياس التسلطية – التمرد مستويات استقرار واتساق داخلي ممتازة عبر دراسات متعددة:
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): أظهرت حسابات معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) قيماً تتراوح بين 0.81 و 0.86 للمقياس ككل. كما بلغت معاملات التجزئة النصفية لسبيرمان-براون (Spearman-Brown split-half reliability) ما بين 0.80 و 0.85، مما يعكس تجانساً عالياً بين البنود الإيجابية والسلبية.
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): في دراسة طولية أجراها كون وفريقه بفاصل زمني مدته 6 أسابيع على عينة جامعية، بلغ معامل ثبات الاستقرار r = 0.84 (p < 0.001)، مما يدل على أن السمة المقاسة تتسم بالثبات النسبي عبر الزمن كسمة شخصية وليست حالة انفعالية عابرة.
التحليل العاملي
أجريت العديد من دراسات التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتحليل العاملي التوكيدي (CFA) على بنود المقياس الـ 30:
كشفت نتائج التحليل الاستكشافي باستخدام طريقة المحاور الرئيسية مع التدوير المائل (Oblimin Rotation) عن تشبع البنود على عاملين رئيسيين مترابطين عكسياً يفسران مجتمعين ما يقارب 42% إلى 48% من التباين الكلي:
- العامل الأول (التسلطية والامتثال): تشبعت عليه بنود التسلطية الـ 15 بتشبعات تراوحت بين 0.41 و 0.73، عاكساً القبول الإيجابي للسيطرة القانونية والتقاليد.
- العامل الثاني (التمرد والرفض الراديكالي): تشبعت عليه بنود التمرد الـ 15 بتشبعات تراوحت بين 0.38 و 0.69، عاكساً الميول الثورية ومعارضة التقاليد.
في التحليل العاملي التوكيدي (CFA)، أظهر نموذج العاملين المترابطين مطابقة جيدة للبيانات (Goodness-of-Fit)، حيث بلغت المؤشرات: CFI = 0.92، TLI = 0.90، RMSEA = 0.048 (90% CI [0.042, 0.054])، و SRMR = 0.051، متفوقاً بشكل دال على نموذج العامل الواحد الأحادي البعد.
أداة القياس
- نوع الاختبار: تقرير ذاتي (Self-report questionnaire).
- عدد الفقرات: 30 فقرة موزعة بالتساوي (15 فقرة تسلطية، 15 فقرة تمردية).
- صيغة الاستجابة: مقياس ليكرت من 6 درجات (1 = أعارض بشدة، 2 = أعارض باعتدال، 3 = أعارض قليلاً، 4 = أوافق قليلاً، 5 = أوافق باعتدال، 6 = أوافق بشدة) بدون خيار حيادي لتجنب الحياد الترددي، أو مقياس متدرج من (-3 إلى +3).
- طريقة التصحيح:
- يتم تصحيح البنود التسلطية (Authoritarian items) باتجاه إيجابي مباشر (1 إلى 6).
- يتم عكس درجات بنود التمرد (Rebellion items) وفق القاعدة: (الدرجة المعكوسة = 7 – الدرجة الأصلية) إذا كان الهدف الحصول على درجة كلية للتسلطية.
- بدلاً من ذلك، يمكن استخراج درجتين منفصلتين: درجة فرعية للتسلطية (مجموع البنود الـ 15 التسلطية) ودرجة فرعية للتمرد (مجموع البنود الـ 15 التمردية).
- مدى الدرجات: الدرجة الكلية تتراوح من 30 إلى 180 نقطة؛ حيث تشير الدرجات المرتفعة إلى تسلطية وامتثال عالٍ، بينما تشير الدرجات المنخفضة إلى نزعة تمردية واستقلالية راديكالية.
- الفئة المستهدفة: البالغون والمراهقون من سن 16 عاماً فما فوق.
- زمن التطبيق: يتراوح بين 10 إلى 15 دقيقة.
- طريقة الإجراء: تطبيق فردي أو جماعي، ورقي أو عبر منصات الجمع الرقمي عبر الإنترنت.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر المقياس رسمياً لأول مرة في عام 1972 في مجلة Sociometry (المعروفة حالياً باسم Social Psychology Quarterly). يُعد المقياس من الأدوات المتاحة في الملكية العامة للأغراض البحثية والأكاديمية غير الربحية مع اشتراط الاستشهاد السليم بالورقة الأصلية للدكتور بول إم. كون. لا توجد رسوم مالية مفروضة على استخدام المقياس في الأطروحات الجامعية والبحوث العلمية المنشورة.
المراجع
- Adorno, T. W., Frenkel-Brunswik, E., Levinson, D. J., & Sanford, R. N. (1950). The authoritarian personality. Harper & Row.
- Altemeyer, B. (1981). Right-wing authoritarianism. University of Manitoba Press.
- Christie, R., & Jahoda, M. (Eds.). (1954). Studies in the scope and method of “The authoritarian personality”. Free Press.
- Kohn, P. M. (1972). The Authoritarianism-Rebellion Scale: A balanced F scale with left-wing content. Sociometry, 35(1), 176–189. https://doi.org/10.2307/2786555
- Kohn, P. M. (1974). Authoritarian, rebellious, and tolerant personalities. Journal of Social Psychology, 92(2), 195–206. https://doi.org/10.1080/00224545.1974.9923101
- Ray, J. J. (1979). A quick measure of authoritarianism. Personality and Individual Differences, 1(1), 85–86.
- Rokeach, M. (1960). The open and closed mind: Investigations into the nature of belief systems and personality systems. Basic Books.
فقرات المقياس
فيما يلي بنود مقياس التسلطية – التمرد كما وردت في المصدر الأصلي للدراسة باللغة الإنجليزية دون أي تعديل أو ترجمة:
- Young people should be taught to question authority rather than just respect it.
- Obedience and respect for authority are the most important virtues children should learn.
- The most important thing for young people is to learn to think for themselves, even if it means disagreeing with their elders.
- People should always obey laws, even if they think the laws are unjust.
- Rules are made to be broken when they interfere with individual freedom.
- A person who has bad manners, habits, and breeding can hardly expect to get along with decent people.
- Society needs more rebels and nonconformists who are willing to challenge established institutions.
- What this country needs most is disciplined citizens who are willing to follow their leaders.
- Established customs and traditions often stand in the way of real progress.
- Every person should have complete faith in some supernatural power whose decisions he obeys without question.
- People should have the right to protest publicly against any government policy they oppose.
- The business man and the manufacturer are much more important to society than the artist and the professor.
- Defiance of established authority is often necessary to achieve social justice.
- Young people sometimes get rebellious ideas, but as they grow up they ought to get over them and settle down.
- It is better to be a free rebel than a contented slave to conventional norms.
- An insult to our honor should always be punished.
- The true path to freedom is through rejecting traditional dogmas and authorities.
- Sex crimes, such as rape and attacks on children, deserve more than mere imprisonment; such criminals ought to be publicly whipped, or worse.
- People should be encouraged to express their disagreements with social conventions openly.
- What youth needs most is strict discipline, rugged determination, and the will to work and fight for family and country.
- No authority is above criticism or rejection by the people.
- No weakness or difficulty can hold us back if we have enough will power.
- Challenging the status quo is the highest form of patriotism.
- Homosexuals are hardly better than criminals and ought to be severely punished.
- Institutions must change when the people demand it, regardless of tradition.
- When a person has a problem or worry, it is best for him not to think about it, but to keep busy with more cheerful things.
- Radical ideas and protests are essential for the health of a democracy.
- Nowadays more and more people are prying into matters that should remain personal and private.
- Unquestioning compliance with rules weakens human dignity.
- Most of our social problems would be solved if we could somehow get rid of the immoral, crooked, and feebleminded people.