الملخص
يُعد مقياس سيناريوهات التنمر (Bullying Vignettes Measure)، الذي طوره داكين وزملاؤه (Dakin et al., 2023)، أداة قياس سيكومترية متخصصة ومصممة بدقة لتقييم الشدة المدركة (Perceived Seriousness/Severity) لمختلف حوادث التنمر في بيئة العمل. أُعدت هذه الأداة في إطار بحث تجريبي موسع سعى إلى استكشاف ظاهرة «اتساع مفاهيم الأذى» (Broadened Concepts of Harm) أو ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي والتنظيمي بـ «تمدد المفاهيم» (Concept Creep)، وذلك بالاعتماد على عينة معيارية من البالغين الأمريكيين الذين تم استقطابهم عبر منصة (Amazon Mechanical Turk). يتألف المقياس من ثمانية سيناريوهات واقعية وموجزة (Vignettes) مستمدة من وقائع حقيقية، ودراسات حالة تنظيمية، وتقارير إخبارية موثقة، وتنقسم بنيوياً إلى بعدين متمايزين: الحالات النموذجية (Prototypical instances) والحالات الهامشية أو الحدية (Marginal instances) للتنمر المهني.
يستجيب المشاركون لكل سيناريو باستخدام مقياس تدريج خماسي من نوع ليكيرت (Likert Scale) يمتد من (1 = غير شديد على الإطلاق) إلى (5 = شديد للغاية). أظهرت المعطيات السيكومترية صدق بناء مرتفع تم التحقق منه تجريبياً عبر الاختبار القبلي الدقيق (Pretesting)، حيث كشفت النتائج عن فروق دالة إحصائياً بين تقييمات الشدة الخاصة بالحالات النموذجية مقارنة بالحالات الهامشية، مما يؤكد حساسية الأداة وقدرتها الفائقة على التمييز المفاهيمي بين السلوكيات التي تقع في صلب تعريف التنمر وتلك التي تمثل توسعاً دلالياً غير تقليدي لمفهوم الضرر المهني.
الكلمات المفتاحية
التنمر في بيئة العمل, اتساع المفاهيم, سيناريوهات الحالة, إدراك الشدة, السلوك العدواني, القياس النفسي, علم النفس التنظيمي, بيئة العمل, تقييم الضرر, علم النفس الاجتماعي, العلاقات المهنية, التفاعل بين الموظفين.
المؤلفون
تم تطوير هذا المقياس بواسطة فريق بحثي متخصص في كلية ملبورن للعلوم النفسية بـ جامعة ملبورن في أستراليا:
- برودي سي. داكين (Brodie C. Dakin): باحث رئيسي، كلية ملبورن للعلوم النفسية، جامعة ملبورن، باركفيل، فيكتوريا، أستراليا. معرف أوركيد: 0000-0003-1654-0813. البريد الإلكتروني للمراسلة: [email protected].
- ميلاني جيه. ماكغراث (Melanie J. McGrath): باحثة مشاركة، كلية ملبورن للعلوم النفسية، جامعة ملبورن. معرف أوركيد: 0000-0001-8632-218X.
- جوشوا جيه. ري (Joshua J. Rhee): باحث مشارك، كلية ملبورن للعلوم النفسية، جامعة ملبورن. معرف أوركيد: 0000-0002-6245-7060.
- نيك هاسلام (Nick Haslam): أستاذ علم النفس المتميز، كلية ملبورن للعلوم النفسية، جامعة ملبورن. معرف أوركيد: 0000-0002-1913-2340.
الغرض
يهدف مقياس سيناريوهات التنمر بشكل رئيسي إلى التكميم الدقيق للشدة المدركة لسلوكيات العمل السلبية، وتحديد الكيفية التي يعالج بها الأفراد الإدراك الأخلاقي والقانوني لمواقف التنمر المختلفة داخل السياقات التنظيمية الحديثة. يسعى المقياس إلى سد فجوة منهجية ونظرية بالغة الأهمية تتعلق بظاهرة «تمدد المفاهيم النفسية»؛ حيث شهدت العقود الأخيرة توسعاً أفقياً ورأسياً في دلالات مصطلحات مثل التنمر، والتحرش، والصدمة، مما جعل الحدود الفاصلة بين الاحتكاكات المهنية اليومية غير المؤذية نسبياً وبين الانتهاكات السلوكية الخطيرة غائمة وغير محددة بدقة.
من الناحية التطبيقية والبحثية، يخدم المقياس عدة غايات مركزية:
- البحث التنظيمي والسلوكي: تمكين الباحثين في مجالات إدارة الموارد البشرية، والسلوك التنظيمي، وعلم النفس المهني من قياس العتبات المعرفية التي يعتمد عليها الموظفون والمديرون في تصنيف الأفعال بوصفها تنمراً يتطلب التدخل المؤسسي أو العقابي.
- تقييم الحساسية الأخلاقية والضرر: اختبار الفرضية القائلة بأن توسيع مظلة مفهوم التنمر لتشمل تصرفات هامشية أو طفيفة قد يؤدي بشكل عكسي وغير مقصود إلى تقليل الشدة المدركة للظاهرة ككل (Trivialization effect)، مما يضعف استجابة الضحايا والشهود للمواقف الجسيمة.
- التطوير المؤسسي وتصميم السياسات: توفير أداة قياس تشخيصية يمكن للمنظمات الاسترشاد بها عند صياغة مدونات السلوك المهني وبرامج التدريب ضد التحرش والتنمر، لضمان وضوح المعايير التمييزية لدى الكوادر الإدارية والعاملين.
البناء النفسي
يرتكز البناء النفسي (Psychological Construct) للأداة على مفهوم الشدة والجدية المدركة لحوادث التنمر (Perceived Seriousness of Bullying Instances)، وهو بناء متعدد المستويات يعكس الحكم المعرفي والأخلاقي الذي يصدره الفرد على فعل ما باعتباره خرقاً للأعراف الاجتماعية والمهنية ومصدراً للضرر النفسي. يتشكل هذا البناء من بعدين أساسيين تم تصميمهما بعناية فائقة لتمثيل طيف السلوكيات التنظيمية:
1. بعد الحالات النموذجية (Prototypical Bullying Instances)
يمثل هذا البعد الأفعال والسلوكيات التي تتطابق كلياً مع التعريفات الكلاسيكية والمعايير المعترف بها دولياً للتنمر المهني، وفق أطر أبحاث إينارسن وزملائه (Ståle Einarsen). تشتمل هذه السيناريوهات على سلوكيات تتسم بالعدوانية الصريحة، وتكرار الفعل، والخلل الواضح في موازين القوى بين الجاني والضحية، والقصدية المباشرة في الإهانة، أو التهديد، أو العزل المهني الممنهج. يُتوقع في هذا البعد أن يُجمع الأفراد على تقييم هذه الممارسات بدرجات مرتفعة جداً من الشدة، نظراً لوضوح الضرر والأثر النفسي والتنظيمي المترتب عليها.
2. بعد الحالات الهامشية أو الحدية (Marginal Bullying Instances)
يعكس هذا البعد السلوكيات الواقعة على الحافة التفسيرية لمفهوم التنمر، وهي الحالات الناتجة عن الاتساع الدلالي للمصطلح. تتضمن هذه السيناريوهات ممارسات قد تندرج تحت مظلة الإحباط الوظيفي المعتاد، أو الضغط الإداري المشروع ولكنه غير اللبق، أو النقد المهني البناء الذي يتم التعبير عنه بحدة طفيفة، أو الصراعات العابرة التي تخلو من القصدية الخبيثة أو التفاوت الحاد في القوة. يهدف قياس هذا البعد إلى كشف الفروق الفردية في الحساسية تجاه الأذى النفسي، وتحديد مدى ميل الأفراد إلى تصنيف السلوكيات السلبية الطفيفة بوصفها تنمراً شديد الخطورة.
الإطار النظري
يستند المقياس بشكل جوهري إلى نظرية تمدد المفاهيم (Concept Creep Theory) التي صاغها عالم النفس الاجتماعي الشهير نيك هاسلام (Nick Haslam, 2016). تقترح هذه النظرية أن المفاهيم النفسية المرتبطة بالأذى وسوء المعاملة والظلم الاجتماعي قد خضعت خلال العقود الماضية لتحول دلالي مستمر يتمثل في اتجاهين رئيسيين:
- التمدد الرأسي (Vertical Creep): اتساع المفهوم نحو الأسفل ليشمل أشكالاً أقل خطورة وحدة من السلوك، بحيث يُنظر إلى المضايقات الطفيفة أو مجرد عدم اللباقة على أنها مكافئة للأفعال العدوانية الجسيمة.
- التمدد الأفقي (Horizontal Creep): تمدد المفهوم عرضياً لابتلاع ظواهر وسلوكيات جديدة نوعياً لم تكن تندرج سابقاً تحته، مثل توسيع تعريف التنمر ليشمل الخلافات الإدارية المشروعة أو التقييم المهني الصارم.
انطلاقاً من هذا الإطار، يجادل داكين وزملاؤه (2023) بأن اتساع مفهوم التنمر يترتب عليه معضلة سيكولوجية؛ فبينما يهدف التوسع المفهومي نظرياً إلى تعزيز الحماية وتوفير بيئة عمل آمنة، إلا أنه عملياً يؤدي إلى تخفيف خطورة المفهوم العام في الإدراك الجمعي (Dilution Effect). وعليه، تم بناء سيناريوهات المقياس الثمانية لتجسيد هذا التباين النظري بين ما هو «نموذجي» في صلب المفهوم وما هو «هامشي» على حدوده التوسعية، مما يوفر منصة رصينة لفحص كيفية تقييم الأفراد للأذى الأخلاقي والمهني.
الصدق
خضع مقياس سيناريوهات التنمر لخطوات تحقق منهجية وصارمة لإثبات صدقه العلمي وصلاحيته السيكومترية:
صدق البناء (Construct Validity)
تم تأسيس صدق البناء من خلال إجراء اختبارات قبلية شاملة (Pretesting) تهدف إلى ضمان التباين الدلالي والإدراكي بين الفئتين من السيناريوهات. أظهرت نتائج التحليل الإحصائي المقارن وجود فروق ذات دلالة إحصائية واضحة بين متوسط درجات الشدة المنسوبة لمجموعة السيناريوهات النموذجية وتلك المنسوبة لمجموعة السيناريوهات الهامشية؛ حيث حظيت الحالات النموذجية بتقييمات شدة أعلى بصورة منتظمة وجوهرية مقارنة بالحالات الهامشية.
الصدق التمايزي والتقاربي (Discriminant & Convergent Validity)
برهنت الأداة على قدرة تمييزية عالية؛ إذ نجحت السيناريوهات في استثارة استجابات متباينة تعكس بدقة الفروق في معايير الحكم الأخلاقي على الأذى، كما ارتبطت التقييمات بنمط منطقي مع المتغيرات السلوكية المقاسة في دراسة داكين وزملائه (2023)، مؤكدة أن الأداة تقيس الشدة الإدراكية المرتبطة بمفهوم التنمر ذاته وليس النزعة العامة للشكوى أو التحيز السلبي في الاستجابة.
الثبات
نظراً لطبيعة الأداة القائمة على السيناريوهات التجريبية (Vignette-based Experimental Measure)، ركزت الدراسة الأصلية التي أجراها داكين وزملاؤه (2023) بصورة أساسية على تأكيد صدق البناء والتمايز التجريبي بين الأنماط المعروضة، ولم تتضمن الدراسة المنشورة تقارير إحصائية تقليدية لمعاملات الاتساق الداخلي كمعامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) أو معاملات ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability).
ويُعد هذا أمراً شائعاً في المقاييس التجريبية التي تعتمد على سيناريوهات متنوعة نوعياً تمثل مواقف وسياقات سلوكية مختلفة لا يُشترط فيها التكافؤ الداخلي الرياضي التام، بل تهدف إلى تفعيل آليات الحكم التقييمي على متصل الشدة. ومع ذلك، يوصي المتخصصون في القياس النفسي والتنظيمي الباحثين المستقبليين بحساب معاملات الاتساق الداخلي (أوميغا ماكدونالد أو ألفا كرونباخ) لكل بعد فرعي على حدة (الأبعاد النموذجية والأبعاد الهامشية) عند استخدام المقياس في دراسات مسحية مقطعية أو طولية.
التحليل العاملي
لم تُورد دراسة التطوير الأولية تحليلاً عاملياً استكشافياً (EFA) أو توكيدياً (CFA) مسجلاً بصورة رسمية في التقرير المنشور، حيث كان التصميم المنهجي معتمداً على التقسيم النظري القبلي (A priori categorical structure) بين فئتي الحالات النموذجية والحالات الهامشية، وتم تأكيد هذا التصنيف تجريبياً عبر فروق المتوسطات الحسابية.
على الرغم من ذلك، تقترح البنية النظرية للمقياس نموذجاً ثنائي العامل (Two-Factor Model) تتوزع فيه السيناريوهات الأربعة الأولى على عامل «التنمر النموذجي»، بينما تتوزع السيناريوهات الأربعة الأخرى على عامل «التنمر الهامشي»، مع وجود علاقة ترابطية إيجابية متوقعة بين العاملين تمثل المتصل العام للشدة المدركة. ويفتح هذا المجال أمام الدراسات اللاحقة لاستخدام التحليل العاملي التوكيدي للتأكد من ثبات البنية العاملية واستقلال أبعادها عبر عينات ثقافية وبيئات عمل مختلفة.
أداة القياس
- نوع الاختبار: مقياس سيناريوهات تقديري تجريبي (Vignette-based Rating Measure).
- شكل الأداة: يُعرض على المشاركين ثمانية سيناريوهات وصفية موجزة تمثل مواقف مهنية مختلفة، ويُطلب منهم تحديد مدى شدة السلوك الموضح في كل سيناريو.
- عدد الفقرات: 8 سيناريوهات وصفية (4 سيناريوهات تمثل حالات نموذجية للتنمر، و4 سيناريوهات تمثل حالات هامشية للتنمر).
- طريقة الاستجابة: مقياس ليكيرت خماسي التدريج يبدأ من 1 (غير شديد على الإطلاق) إلى 5 (شديد للغاية).
- حساب الدرجات: يتم احتساب متوسط درجات الحالات النموذجية بجمع درجات السيناريوهات الأربعة الخاصة بها وقسمتها على 4، وكذلك احتساب متوسط درجات الحالات الهامشية بقسمة مجموع درجاتها على 4. تعكس الدرجات الأعلى إدراكاً أكبر لشدة الفعل.
- الفقرات المعكوسة: لا توجد فقرات معكوسة في الأداة؛ فجميع الاستجابات تسير في اتجاه طردي مباشر نحو الشدة المتصاعدة.
- الفئة المستهدفة: البالغون من سن 18 عاماً فأكثر (ذكور وإناث)، ولا سيما الموظفون والمهنيون في بيئات العمل التنظيمية.
- اللغة الأصلية: اللغة الإنجليزية (English).
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة الاختبار والنشر: 2023.
- الاستخدام التجاري: غير مسموح للاستخدام التجاري الربحي المباشر (Non-commercial use).
- الرسوم: متاح مجاناً لأغراض البحث العلمي والدراسات الأكاديمية غير الربحية.
- الأذونات وحقوق الملكية: يخضع المقياس والسيناريوهات لحقوق الملكية الفكرية للمؤلفين، ويلزم التواصل مع المؤلف المراسل للحصول على النص الكامل للسيناريوهات وإذن الاستخدام الرسمي: برودي سي. داكين ([email protected]).
- مستودع البيانات المفتوح: يتوفر رابط مشروع البحث والبيانات الإضافية عبر منصة Open Science Framework: osf.io/svtgp.
المراجع
- Dakin, B. C., McGrath, M. J., Rhee, J. J., & Haslam, N. (2023). Broadened concepts of harm appear less serious. Social Psychological and Personality Science, 14(1), 72–83. https://doi.org/10.1177/19485506221076692
- Einarsen, S., Hoel, H., Zapf, D., & Cooper, C. L. (Eds.). (2020). Bullying and harassment in the workplace: Theory, research and practice (3rd ed.). CRC Press. https://doi.org/10.1201/9780429462528
- Haslam, N. (2016). Concept creep: Psychology’s expanding concepts of harm and pathology. Psychological Inquiry, 27(1), 1–17. https://doi.org/10.1080/1047840X.2016.1082418
- McGrath, M. J., & Haslam, N. (2020). The concept creep of prejudice: Evidence of vertical and horizontal creep. Cognition and Emotion, 34(8), 1642–1657. https://doi.org/10.1080/02699931.2020.1788548