الملخص
تُعد قائمة الملاحظات الإكلينيكية (Check List for Clinical Observations) أداة قياس رائدة طوّرها عالم النفس الإكلينيكي بيرترام فورير (Bertram R. Forer) ونخبة من الباحثين البارزين في عيادة الطب النفسي للمرضى الخارجيين التابعة لإدارة المحاربين القدامى (Veterans Administration) في لوس أنجلوس عام 1961. صُممت الأداة بهدف التقييم الموضوعي المنهجي لوجود أو غياب التفاعلات والعمليات الإكلينيكية أثناء جلسات العلاج النفسي (Therapeutic Transactions). تتألف القائمة في صيغتها المطورة من 44 فقرة تغطي طيفاً واسعاً من المتغيرات العلاجية القابلة للملاحظة المباشرة وتلك التي تتطلب استدلالاً إكلينيكياً متقدماً، مثل نشاط المعالج وراحته، والأساليب العلاجية المتبعة (انعكاسية، تفسيرية، داعمة)، وديناميات الصمت، ومقاومة المريض، ومناطق الصراع المشغولة، والتعبير الانفعالي، والآليات الدفاعية النفسية (Defense Mechanisms)، ومؤشرات الاستبصار والانتقال والإنذار العلاجي.
تعتمد الأداة على أسلوب الملاحظة المباشرة خلف المرآة أحادية الاتجاه لجلسات علاج نفسي تمتد كل منها 50 دقيقة، ويقوم بالتقييم محكمون إكلينيكيون معتمدون (Diplomates in Clinical Psychology). تُسجَّل الاستجابات بنظام ثنائي حاسم: «موجود» (Present) أو «غير موجود» (Not Present). خضعت القائمة لتطوير وتنقيح تكراري على مدار ثلاث فترات رصد متتالية شملت 12 جلسة أسبوعية عبر ثلاثة فرق علاجية (معالج ومريض). أظهرت الخصائص السيكومترية للأداة معاملات اتفاق بين الملاحظين محسوبة بمعامل فاي (Phi Coefficient) تراوحت بين 0.27 و0.70، حيث سجلت قيم الوسيط 0.49 و0.45 و0.40 عبر الفترات الزمنية الثلاث المتعاقبة. تُعد هذه القائمة معلماً تاريخياً ومنهجياً جوهرياً في بحوث عملية العلاج النفسي (Psychotherapy Process Research)، حيث أسهمت في وضع معايير التقنين السلوكي للحد من التباين في الحكم الإكلينيكي الشخصي.
الكلمات المفتاحية
قائمة الملاحظات الإكلينيكية، بحوث عملية العلاج النفسي، التفاعل العلاجي، الاتفاق بين الملاحظين، معامل فاي، تقييم المعالج، المقاومة النفسية، آليات الدفاع، إدارة المحاربين القدامى، التحليل الإكلينيكي، القياس النفسي، الملاحظة السلوكية المباشرة.
المؤلفون
تم تطوير الأداة بالتعاون المشترك بين فريق علمي رفيع المستوى في عيادة المحاربين القدامى للمرضى الخارجيين في لوس أنجلوس، كاليفورنيا (Veterans Administration Outpatient Clinic, Los Angeles, USA)، ونُشرت الدراسة الأساسية في Journal of Consulting Psychology عام 1961. يضم الفريق كلاً من:
- بيرترام ر. فورير (Bertram R. Forer, Ph.D.): الباحث الرئيس، عالم النفس الإكلينيكي الشهير وصاحب الإسهام المرجعي في دراسات الشخصية وتقييم الذات ومكتشف الظاهرة النفسية المعروفة باسم «تأثير فورير» (Forer Effect).
- نورمان ل. فاربيرو (Norman L. Farberow, Ph.D.): أحد رواد علم دراسة الانتحار عالمياً (Suicidology) ومؤسس مشارك لمركز لوس أنجلوس للوقاية من الانتحار.
- هيرمان فيفيل (Herman Feifel, Ph.D.): الرائد المؤسس لحركة دراسة الموت والاحتضار المعاصرة في علم النفس الإكلينيكي (Thanatology).
- مورتيمر م. ماير (Mortimer M. Meyer, Ph.D.): إخصائي علم النفس الإكلينيكي ومدير التدريب في عيادة المحاربين القدامى.
- فيتا س. سومرز (Vita S. Sommers, Ph.D.): باحثة إكلينيكية متخصصة في علم النفس التحليلي والتفاعلات الدفاعية.
- روث س. تولمان (Ruth S. Tolman, Ph.D.): عالمة نفس إكلينيكية ورئيسة قسم الأبحاث والخدمات الإكلينيكية بالعيادة.
لم تُسجل عناوين بريد إلكتروني نظراً لنشر الدراسة في الحقبة السابقة للاتصالات الرقمية (1961)، وتُنسب المراسلات الأكاديمية التاريخية إلى قسم الطب النفسي وعلم النفس الإكلينيكي في الإدارة المركزية لشؤون المحاربين القدامى بالولايات المتحدة الأمريكية.
الغرض
تتمثل الغاية الجوهرية من تطوير «قائمة الملاحظات الإكلينيكية» في توفير أداة قياس مقننة وموضوعية قادرة على رصد وتوثيق التفاعلات العلاجية (Therapeutic Transactions) التي تقع أثناء الجلسة النفسية بين المعالج والعميل. نشأت الحاجة إلى هذا المقياس من مشكلة إبستيمولوجية وسيكومترية عميقة كانت تواجه علم النفس الإكلينيكي في منتصف القرن العشرين؛ ألا وهي الذاتية المفرطة وتدني الاتفاق بين الإكلينيكيين عند تقييم ما يدور داخل غرفة العلاج. كانت الملاحظات التقليدية تعتمد على كتابة تقارير انطباعية حرة تصطبغ بالتحيزات النظرية والشخصية لكل ملاحظ، مما جعل المقارنة العلمية بين الجلسات والأساليب العلاجية أمراً بالغ الصعوبة.
من الناحية الإكلينيكية التطبيقية، استهدفت القائمة تحقيق الأغراض التالية:
- التدريب والإشراف الإكلينيكي: تمكين المشرفين والموجهين من رصد السلوكيات اللفظية وغير اللفظية للمتدربين بدقة، مثل وتيرة نشاط المعالج، ومستوى راحته مع المريض، ونوع التدخل المهيمن (هل هو انعكاسي لمشاعر المريض، أم تفسيري تحليلي، أم داعم مساند).
- تحليل عمليات المقاومة والتحالف: توثيق مؤشرات المقاومة السلوكية الصريحة والضمنية (مثل الانقطاع في الكلام، ومقاطعة المعالج، واستخدام المصطلحات التجريدية التقنية للهرب من المشاعر الحقيقية).
- تفكيك المحتوى الدفاعي والوجداني: مساعدة الممارسين على تحديد مناطق الصراع المحورية التي يعالجها المريض (مثل مشاعر العداء، والجنس، والاعتمادية، والسلطة) والآليات الدفاعية المسيطرة أثناء الجلسة (الكبت، الإسقاط، التبرير، العزل الانفعالي).
- أغراض البحث التجريبي المقارن: إتاحة بيانات كمية ثنائية التشفير (حاضر / غائب) تسمح بإجراء دراسات إحصائية حول العلاقة بين أحداث الجلسة ومخرجات العلاج، وتتبع التغيرات الدينامية التي تطرأ على مدار أسابيع العلاج النفسي الممتد.
ويكمن المبرر النظري والمنهجي للأداة في سد الفجوة بين الوقائع السلوكية الملاحظة الخام (مثل فترات الصمت التي تزيد عن 30 ثانية وحركات التململ الحركي) وبين الاستنتاجات الإكلينيكية رفيعة المستوى (مثل طبيعة التحويل النفسي وقابلية المريض للاستبصار ومآل العلاج)، وذلك من خلال صياغة تعاريف إجرائية دقيقة لكل فقرة تحد من التخمين والتأويل الفضفاض.
البناء النفسي
يعتمد البناء النفسي لقائمة الملاحظات الإكلينيكية على مفهوم مركب ومتعدد الأبعاد لـ «التفاعل العلاجي» (Therapeutic Transaction)، حيث يُنظر إلى جلسة العلاج النفسي كنسق اتصالي ودينامي تفاعلي يضم طرفين؛ المعالج والمريض. تنقسم فقرات المقياس الـ 44 إلى عدة أبعاد ومجموعات فرعية تم بناؤها استناداً إلى مستوى الاستدلال الإكلينيكي المطلوب من الملاحظ:
1. محددات سلوك المعالج وأسلوبه الفني (Therapist Variables)
يركز هذا البعد على التدخلات السلوكية والوجدانية للمعالج خلال الدقائق الخمسين للجلسة، ويتضمن:
- النشاط اللفظي الإجمالي (Therapist Activity): ويُقصد به هل كان المعالج مبادراً ومتحدثاً نشطاً في الحوار أم اتخذ وضعاً صامتاً ومستمعاً (الفقرة 1).
- مستوى الارتياح (Therapist Comfort): يعكس شعور المعالج بالاسترخاء والطمأنينة وعدم التهديد في مواجهة المريض ومادته المطروحة (الفقرة 2).
- المنهج الفني المهيمن (Therapeutic Modality): تصنيف التدخل الأساسي إلى: أسلوب انعكاسي مشاعري (Reflective – الفقرة 3)، أو تفسيري تحليلي للديناميات اللاواعية (Interpretive – الفقرة 4)، أو داعم ومطمئن للذات (Supportive – الفقرة 5).
2. هيكلية الجلسة وديناميات التفاعل اللفظي (Session Structure & Interaction Dynamics)
يقيس هذا البعد كيفية تدفق الحوار داخل الجلسة والتحكم في بؤرة التركيز:
- التركيز على مشكلة محددة (Problem Focus): تقييم ما إذا كانت الجلسة تدور حول قضية واضحة ومحددة المحتوى أو الدينامية، في مقابل استرسال المريض وتشتته العشوائي بين الموضوعات (الفقرات 6، 6a، 6b).
- فترات الصمت وكسرها (Silences): رصد فترات التوقف التام عن الحديث التي تستمر 30 ثانية أو أكثر، وتحديد الطرف المسؤول عن كسر هذا الصمت عادةً؛ هل هو المعالج أم المريض (الفقرات 7، 8a، 8b).
3. سلوكيات المريض ومظاهر المقاومة (Patient Behaviors & Resistance)
يغطي هذا المحور كلاً من المؤشرات السلوكية العيانية والمظاهر الدفاعية المباشرة:
- المقاومة الصريحة والضمنية (Resistance Manifestations): مثل معارضة تفسيرات المعالج، مقاطعة المعالج أكثر من مرة، التردد في الكلام والوقفات اللغوية غير المكتملة، التعميم المفرط في الطرح، واللجوء للمصطلحات النفسية المتخصصة كحيلة للهروب من الخبرة الوجدانية (الفقرات 9، 9a-9e).
- المحددات الحركية والصوتية: التحدث بنبرة صوت رتيبة أحادية الإيقاع (Monotone – الفقرة 10)، التململ والاضطراب الحركي (Fidgety/Restless – الفقرة 11)، وتكرار استخدام الإيماءات والحركات الجسدية التعبيرية (الفقرة 20).
- طبيعة المادة المطروحة وعمقها: غزارة المادة وتنوعها، وعمق المادة المعروضة عبر ربط الحاضر بالماضي بصورة ذات معنى، أو التعبير عنها بشحنة وجدانية هائلة (الفقرات 21، 22).
4. مجالات الصراع والمشكلات المعالجة (Problem Areas Worked On)
يستقصي هذا المكون المحاور الدينامية التي انصب عليها تركيز المريض ونقاشه خلال الجلسة، وتشمل ثمانية مجالات رئيسية: قضايا السلطة (Authority)، الجنس (Sex)، الاعتمادية على الآخرين (Dependency)، العمل والمهنة (Work)، مشاعر العداء (Hostility)، التحكم الانفعالي (Emotional Control)، الأعراض النفسية الجسدية (Symptoms)، والعلاقات الشخصية المتبادلة (Relationships with People) (الفقرات 12 إلى 19).
5. التعبير الانفعالي والوجداني (Affective Experience)
تقييم معايشة المريض للوجدان (Experiencing Affect – الفقرة 23)، وتحديد الصبغة النوعية السائدة لهذا الانفعال: الغضب (Anger)، الخوف (Fear)، الحزن (Sadness)، القلق (Anxiety)، أو الدفء والمودة (Warmth) (الفقرات 24 إلى 28).
6. الوظائف الدفاعية والخصائص الدينامية والمآل (Defenses, Dynamic Traits & Prognosis)
يتطلب هذا القسم أعلى مستويات الاستدلال الإكلينيكي، ويشمل:
- السمات العامة والأداء العلائقي: الجمود النفسي (Rigidity – المطبق على طلاقة الجلسة وعفويتها)، والقدرة على تكوين علاقات حميمة، والقدرة على تكوين الاستبصار، ونقد الذات (الفقرات 29 إلى 32).
- التحالف والانتقال (Transference & Rapport): طبيعة الرابطة الوجدانية الشعورية الواعية بالمعالج (الفقرة 33)، والصبغة الغالبة للانتقال التحليلي اللاواعي؛ إيجابية أم سلبية (الفقرات 34a، 34b).
- الآليات الدفاعية للغة الأنا: الإسقاط (Projection)، الكبت والتبرير (Repression/Rationalization)، التجنب والإنكار (Avoidance/Denial)، العقلنة (Intellectualization)، العزل (Isolation)، التكوين العكسي (Reaction Formation)، والتحويل الإزاحي (Conversion/Displacement) (الفقرات 35 إلى 41).
- التكهن والمآل الإكلينيكي (Prognosis): التنبؤ بقدرة المريض على إكمال العلاج، والحاجة إلى علاج طويل الأمد يمتد لسنة ونصف أو أكثر، والانطباع التشخيصي النهائي (الفقرات 42 إلى 44).
الإطار النظري
تستند قائمة الملاحظات الإكلينيكية إلى مزيج نظري رصين يجمع بين التحليل النفسي الكلاسيكي ومدرسة علم نفس الأنا (Ego Psychology) من جهة، ومبادئ القياس السلوكي وعلم النفس الإنساني المبكر من جهة أخرى. في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، كانت الساحة الإكلينيكية تشهد صراعاً فكرياً حاداً بين التحليليين التقليديين الذين ينظرون إلى العلاج كعملية تأويلية غير قابلة للتكميم، وبين المناطقة الوضعيين الذين طالبوا بتحويل علم النفس الإكلينيكي إلى علم تجريبي صارم.
تأثر فورير وزملاؤه برؤية زيغموند فرويد حول مفاهيم المقاومة (Resistance) والانتقال (Transference)، وكذلك أعمال آنا فرويد وهاينز هارتمان في توصيف آليات الدفاع الخاصة بالأنا وطرق تكيفها. إلا أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية صياغة هذه المفاهيم الدينامية المجردة في صورة مؤشرات سلوكية يمكن لملاحظ خارجي الاتفاق عليها دون الغرق في الاستنتاجات الذاتية غير المنضبطة. ومن هنا، اعتمد الباحثون على منهجية التقريب العملياتي (Operational Definition) لكل مفهوم تحليلي؛ فالاستبصار لم يُترك كانطباع غائم، بل عُرف بقدرة المريض على إيجاد روابط سببية ذات مغزى بين مشاعره وخبراته الماضية والحاضرة.
كما تأثر الإطار النظري للمقياس بنظرية العلاقات بين الأشخاص لـ هاري ستاك سوليفان (Harry Stack Sullivan)، التي تؤكد أن العلاج النفسي هو دراسة استقصائية تفاعلية مشتركة بين شخصين؛ حيث يتأثر سلوك المريض ومقاومته بشكل مباشر بمستوى راحة المعالج ونشاطه ومنهجه الفني. كذلك انعكست أفكار كارل روجرز (Carl Rogers) ومدرسته المتمركزة حول العميل في إدراج أبعاد تعكس الاستجابات الانعكاسية والداعمة والقبول الوجداني، مما جعل القائمة أداة شمولية عابرة للمدارس النظرية تسعى لتسجيل الواقع التفاعلي لجلسة العلاج كما يحدث بالفعل.
الصدق
في دراسة التطوير الأصلية التي أجراها فورير وزملاؤه (Forer et al., 1961)، لم تُقدَّم بيانات كمية معيارية حول صدق البناء (Construct Validity) أو الصدق التنبؤي المحكي بالأساليب الإحصائية المعاصرة (كالارتباط بمقاييس أخرى لمخرجات العلاج). ويُعزى ذلك إلى أن الهدف الأساسي للدراسة كان استكشافياً ومنهجياً؛ حيث انصب الاهتمام على استكشاف حدود الاتفاق الإدراكي الإكلينيكي بين المتخصصين ومعرفة ما إذا كان المحكمون المدربون قادرين أصلاً على رؤية وتسجيل نفس الظواهر الإكلينيكية داخل الجلسة.
ومع ذلك، تضمنت الأداة مؤشرات قوية على عدة أوجه نوعية من الصدق:
- الصدق الظاهري وصدق المحتوى (Face & Content Validity): شارك في بناء فقرات القائمة ستة من كبار علماء النفس الإكلينيكيين الحاصلين على البورد الأمريكي في علم النفس الإكلينيكي (Diplomates in Clinical Psychology). تم تنقيح وتعديل الفقرات بشكل تكراري بعد كل ثلاث جلسات من أصل 12 جلسة تمت ملاحظتها، وذلك لاستبعاد البنود الغامضة أو إعادة تعريفها إجرائياً لتطابق الواقع السلوكي والدينامي للجلسة بدقة متناهية.
- الصدق الإيكولوجي (Ecological Validity): تم تطبيق الأداة على جلسات علاج نفسي حقيقية غير مصطنعة لمرضى يراجعون العيادة الخارجية لإدارة المحاربين القدامى، مما يجعل الملاحظات ممثلة للممارسة الإكلينيكية الفعلية في بيئتها الطبيعية.
- صدق التمايز الاستدلالي (Inferential Differentiation): أظهرت البيانات تمايزاً واضحاً في دقة الملاحظة بين الفقرات التي تقيس سلوكيات عيانية صريحة (مثل وجود فترات صمت، وحركات المريض) وبين الفقرات التي تتطلب استدلالاً عميقاً (مثل طبيعة الانتقال وآليات الدفاع اللاواعية)، مما يعكس تمثيل الأداة لمستويات الإدراك الإكلينيكي المتفاوتة.
توصي الأدبيات السيكومترية الحديثة الباحثين الراغبين في استخدام هذه القائمة بإجراء دراسات إضافية لفحص الصدق التقاربي والتمايزي عبر مقارنة تقييمات القائمة بمقاييس التحالف العلاجي المعاصرة مثل مقياس التحالف العلاجي (Working Alliance Inventory – WAI) وقوائم تشفير دفاعات الأنا (Defense Mechanisms Rating Scales).
الثبات
يُمثل فحص الاتفاق بين الملاحظين (Interrater Agreement) حجر الزاوية السيكومتري في تقييم قائمة الملاحظات الإكلينيكية؛ إذ إن موثوقية الأداة تعتمد كلياً على قدرة ملاحظين مستقلين على الوصول إلى نفس التقييم لجلسة العلاج النفسي المشاهدة عبر المرآة أحادية الاتجاه.
استخدم فورير وفريقه الإحصائي معامل فاي (Phi Coefficient – $phi$) كمقياس دقيق للاتفاق الثنائي بين أزواج المحكمين الإكلينيكيين عبر 12 جلسة علاج نفسي موزعة على ثلاث ثنائيات علاجية (مريض-معالج). وجاءت النتائج على النحو التالي:
- المدى العام لمعاملات الاتفاق: تراوحت معاملات فاي عبر جميع الفقرات والجلسات بين 0.27 و 0.70، مما يعكس تبايناً ملحوظاً يرتبط بطبيعة الفقرة ومستوى التأويل المطلوب.
- وسيط معاملات الاتفاق عبر الفترات: سجل وسيط معامل فاي انخفاضاً طفيفاً وتدريجياً عبر فترات الملاحظة الثلاث المتعاقبة:
- الفترة الأولى (الجلسات 1-3): بلغ وسيط معامل فاي 0.49.
- الفترة الثانية (الجلسات 4-6): بلغ وسيط معامل فاي 0.45.
- الفترة الثالثة (الجلسات 7-12 بعد التعديل الأخير): بلغ وسيط معامل فاي 0.40.
وقد كشف التحليل الإحصائي الدقيق لمصادر التباين في الثبات عن حقيقة بالغة الأهمية؛ فالفقرات ذات الصياغة الإجرائية المباشرة والسلوكية الصرفة (مثل وجود فترات صمت تتجاوز 30 ثانية، ومقاطعة الحديث، والنشاط اللفظي المرتفع) حققت أعلى درجات الاتفاق السيكومتري (معاملات فاي تجاوزت 0.60 إلى 0.70). في المقابل، انخفض الاتفاق بشكل حاد في الفقرات التي تطلبت حكماً قيمياً واستدلالاً إكلينيكياً معقداً (مثل تحديد الدفاعات اللاواعية كالعزل والتكوين العكسي، أو تقييم جمود الشخصية والمآل العلاجي طويل الأمد)، مما أثبت علمياً أن تباين الحكم الإكلينيكي لا يرجع إلى ضعف في كفاءة المحكمين، بل إلى الطبيعة المراوغة للظواهر النفسية غير القابلة للرصد المباشر.
التحليل العاملي
لم تُجرَ تحليلات عاملية استكشافية (EFA) أو توكيدية (CFA) في الدراسة الأصلية المنشورة عام 1961؛ ويعود ذلك في المقام الأول إلى القيود الحسابية والمعلوماتية في تلك الحقبة الزمنية، إضافة إلى طبيعة العينة المحدودة التي ركزت على الملاحظة المكثفة لثلاث حالات علاجية عبر 12 جلسة، وهو ما لا يستوفي الشروط الإحصائية المعيارية المتعلقة بحجم العينة اللازم لإجراء التحليل العاملي لمصفوفة تتألف من 44 متغيراً.
ومع ذلك، ومن منظور القياس النفسي التحليلي المعاصر، يتضح أن بنود القائمة تتجمع نظرياً ومفاهيمياً حول خمسة عوامل أو مكونات كامنة رئيسية:
- العامل الأول: أسلوب وتدخلات المعالج (Therapist Intersubjective Stance): ويشمل النشاط، والراحة، والمنهج الانعكاسي، والتفسيري، والداعم (الفقرات 1-5).
- العامل الثاني: المقاومة وتدفق الحوار (Resistance & Conversational Fluidity): ويشمل الصمت وكسره، والتنافر اللفظي، والتردد، واللجوء للعموميات والمصطلحات التقنية (الفقرات 6-11، 20).
- العامل الثالث: بؤر الصراع وموضوعات المحتوى (Conflict Thematics): ويضم مجالات الصراع الثمانية حول السلطة والجنس والاعتمادية والعداء والأعراض (الفقرات 12-19).
- العامل الرابع: الخبرة الوجدانية وعمق الاستبصار (Affective Immersion & Insight): ويشمل التعبير عن المشاعر النوعية، وعمق المادة، وقابلية الاستبصار وتكوين الروابط الحميمة (الفقرات 21-28، 30-31).
- العامل الخامس: التنظيم الدفاعي والمآل (Defensive Organization & Prognosis): ويضم ميكانيزمات الأنا الدفاعية، وجمود الشخصية، والتحويل، والتكهن بمستقبل العلاج (الفقرات 29، 34-44).
إن إخضاع هذه الأداة للتحليل العاملي التوكيدي في بيئات علاجية معاصرة يعد خطوة بحثية واعدة تتيح التحقق من بنيتها المتعددة الأبعاد وتحديد التشبعات العاملية الدقيقة لكل فقرة.
أداة القياس
- نوع الاختبار: قائمة ملاحظة سلوكية إكلينيكية (Observational Checklist).
- طريقة التطبيق: الملاحظة الإكلينيكية المباشرة من قِبل محكمين متخصصين عبر المرآة أحادية الاتجاه (One-way mirror) أو عبر التسجيلات المرئية والصوتية لجلسات العلاج النفسي الفردي التي تبلغ مدتها 50 دقيقة.
- الفئة المستهدفة: البالغون (من سن 18 عاماً فما فوق) الخاضعون لجلسات العلاج النفسي التحليلي أو الدينامي، بالإضافة إلى أخصائيي العلاج النفسي الخاضعين للتقييم والإشراف.
- عدد الفقرات: 44 فقرة إكلينيكية رئيسية (تتضمن بعض الفقرات تفريعات توضيحية واستبدالية تم إدخالها خلال فترات التنقيح لضبط الدقة الإجرائية مثل 6a-6b و9a-9e).
- مقياس الاستجابة: نظام تسجيل ثنائي حاسم يعتمد على التحقق من وجود الظاهرة أو عدم وجودها خلال الجلسة المشاهدة:
- موجود (Present)
- غير موجود (Not Present)
- طريقة التصحيح واستخراج الدرجات: لا يعتمد المقياس على درجة كلية تجميعية موحدة؛ بل يُفرَّغ التقييم في صورة ملف تعريف سلوكي إكلينيكي (Behavioral/Dynamic Profile) يوضح تكرار وجود السلوكيات الدفاعية والوجدانية، والنسبة المئوية لأساليب المعالج، ومستوى التوافق بين الملاحظين عبر حساب معاملات الارتباط الثنائي (معامل فاي).
- الفقرات المعكوسة: لا توجد فقرات معكوسة بالمعنى السيكومتري التقليدي؛ نظراً لأن كل فقرة تمثل مؤشراً وصفياً قائماً بذاته لا يخضع لاتجاه قياس مفرد أو متصل أحادي البعد.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
طُوّرت قائمة الملاحظات الإكلينيكية ونُشرت للمرة الأولى عام 1961 من قِبل فريق بحثي تابع لعيادة المرضى الخارجيين لإدارة المحاربين القدامى بالولايات المتحدة الأمريكية، ونُشر البحث في مجلة علم النفس الاستشاري التابعة لـ جمعية علم النفس الأمريكية (APA). يُعد هذا العمل نتاج أبحاث مدعومة حكومياً ومنشوراً في سياق أكاديمي تاريخي، وبالتالي فإن الأداة وبنودها متاحة للاستخدام الأكاديمي والبحثي والتدريبي دون الحاجة إلى دفع رسوم مالية، شريطة الالتزام بالأمانة العلمية وتوثيق المصدر الأصلي بشكل كامل وفق أصول الاقتباس الأكاديمي المعتمدة. للاستخدامات التجارية أو إعادة النشر الموسع، يخضع العمل للسياسات العامة لحقوق النشر التاريخية لجمعية علم النفس الأمريكية.
المراجع
- Bordin, E. S. (1979). The generalizability of the psychoanalytic concept of the working alliance. Psychotherapy: Theory, Research & Practice, 16(3), 252–260. https://doi.org/10.1037/h0085885
- Cohen, J. (1960). A coefficient of agreement for nominal scales. Educational and Psychological Measurement, 20(1), 37–46. https://doi.org/10.1177/001316446002000104
- Forer, B. R., Farberow, N. L., Feifel, H., Meyer, M. M., Sommers, V. S., & Tolman, R. S. (1961). Clinical perception of the therapeutic transaction. Journal of Consulting Psychology, 25(2), 93–101. https://doi.org/10.1037/h0044887
- Freud, A. (1936). The ego and the mechanisms of defence. Hogarth Press.
- Hartmann, H. (1958). Ego psychology and the problem of adaptation. International Universities Press.
- Rogers, C. R. (1957). The necessary and sufficient conditions of therapeutic personality change. Journal of Consulting Psychology, 21(2), 95–103. https://doi.org/10.1037/h0045357
- Sullivan, H. S. (1953). The interpersonal theory of psychiatry. W. W. Norton & Company.