القياس النفسيسيكولوجية النمومقاييس نفسية

مقياس جدول تقدير الطفل

مقال أكاديمي شامل يستعرض مقياس جدول تقدير الطفل (Child Rating Schedule) الذي طوّره ويسلي بيكر عام 1960 لتقييم سلوك وشخصية الأطفال عبر أبعاد الانسحاب العدائي والمزاج ومشكلات السلوك.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 18 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 18 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

1. الملخص

يُمثّل مقياس جدول تقدير الطفل (Child Rating Schedule – CRS)، الذي طوّره عالم النفس الأمريكي ويسلي بيكر (Wesley C. Becker) في عام 1960، أداة سيكومترية رائدة في تقييم أبعاد السلوك والشخصية لدى الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة (رياض الأطفال) من خلال تقارير الملاحظين المتعددين (الآباء، الأمهات، والمعلمين). يتكون المقياس في صورته الموسعة من 72 فقرة ثنائية القطب (Bipolar rating scales) تُحدد طرفيها أزواجٌ متضادة من الصفات السلوكية والوجدانية، ويتم الإجابة عنها وفق مقياس تدريج سباعي النقاط (7-point semantic differential scale). استند بيكر في صياغة فقرات المقياس إلى نموذج السمات لشخصية الطفل المستمد من أعمال ريموند كاتيل (Raymond Cattell)، ومنهجية التمايز الدلالي التي قادها تشارلز أوزغود (Charles E. Osgood)، بهدف توفير تغطية شاملة للشخصية والسلوك التكيفي بما في ذلك متغيرات الطواعية والانضباط المناسبة للأطفال في سن الخامسة.

كشفت التحليلات العاملية الاستكشافية متعددة المجموعات للبيانات المجمعة من عينات الأمهات والآباء والمعلمين عن بنية مستقرة تتألف من خمسة عوامل عامة مشتركة عبر مختلف فئات الملاحظين، وهي: الانسحاب العدائي (Hostile-Withdrawal)، والمزاج الهادئ/المرتخي (Relaxed Disposition)، وغياب العدوانية (Lack of Aggression)، والإذعان/الخضوع (Submission)، ومشكلات السلوك (Conduct Problems)، بالإضافة إلى عامل سادس نوعي خاص بتقديرات المعلمين يتمثل في الذكاء الصفي والمدرسي (Schoolroom Intelligence). بالرغم من أن الدراسة الأصلية المنشورة في Journal of Consulting Psychology ركّزت على تحليل الفروق بين تقييمات الوالدين وعلاقتها بسلوك الأطفال ولم تُفصح عن معاملات الاتساق الداخلي الرقمية بمعناها التقليدي، إلا أن التحليلات اللاحقة أظهرت صدقاً عاملياً متيناً وقدرة تنبؤية وتمايزية عالية في التفريق بين الأطفال المتوافقين نمائياً وأولئك الذين يظهرون بوادر اضطرابات مسلكية أو انسحابية مبكرة.

2. الكلمات المفتاحية

مقياس جدول تقدير الطفل، ويسلي بيكر، سلوك الطفل، شخصية الطفل، التحليل العاملي، الانسحاب العدائي، مشكلات السلوك، رياض الأطفال، التمايز الدلالي، السيكومترية.

3. المؤلفون

تم تطوير المقياس من قبل الباحث وعالم النفس الأمريكي:

  • الدكتور ويسلي سي. بيكر (Wesley C. Becker, Ph.D.): كان يعمل حينها أستاذاً وباحثاً في قسم علم النفس بـ جامعة إلينوي في إربانا-شامبين (University of Illinois at Urbana-Champaign) بالولايات المتحدة الأمريكية. يُعد بيكر من أبرز رواد علم النفس الإكلينيكي وسيكولوجية النمو، وقدم إسهامات جوهرية لاحقة في نظرية التعلم ونموذج التعليم المباشر (Direct Instruction) مع سيغفريد إنغلمان.

نُشرت الدراسة الأساسية التي وثقت المقياس واستخداماته في المجلة المرموقة التابعة لـ جمعية علم النفس الأمريكية (APA):

  • المرجع الأصلي: Becker, W. C. (1960). The relationship of factors in parental ratings of self and each other to the behavior of kindergarten children as rated by mothers, fathers, and teachers. Journal of Consulting Psychology, 24(6), 507–527. https://doi.org/10.1037/h0045584

4. الغرض

يهدف مقياس جدول تقدير الطفل (Child Rating Schedule) إلى إجراء مسح بنيوي وشامل لمختلف أبعاد سلوك الأطفال وشخصيتهم في مرحلة الطفولة المبكرة والالتحاق المدرسي الأول (مرحلة الروضة، سن 5 سنوات). تكمن أهمية الأداة في سد فجوة منهجية كانت سائدة في ستينيات القرن العشرين، حيث كانت معظم أدوات القياس السلوكي للأطفال تركز على أعراض مرضية مجزأة أو تقتصر على مراقبة أحادية الجانب، بينما هدف بيكر إلى تأسيس مصفوفة قياس عريضة تأخذ في الحسبان تقاطعات المحيط الأسري مع المحيط المدرسي.

تتمحور الأغراض الأساسية للأداة في المجالات الآتية:

أ. الأغراض البحثية في علم النفس النمائي والأسري

صُمم المقياس في الأصل لبحث العلاقات الارتباطية والسببية الدقيقة بين سمات شخصية الوالدين (كما يقيّمون أنفسهم ويقيّم بعضهم بعضاً) وأنماط المعاملة الوالدية، وبين المظاهر السلوكية للأبناء داخل المنزل والصف الدراسي. يتيح المقياس دراسة التباين في إدراك السلوك؛ فالأب قد يدرك سلوك الطفل من منظور مختلف تماماً عما تدركه الأم، في حين يقدم المعلم منظوراً معيارياً يستند إلى مقارنة الطفل بأقرانه في بيئة منظمة ومحفزة للتعلم الاجتماعي والمعرفي.

ب. التطبيقات الإكلينيكية والتشخيصية

يخدم المقياس الأغراض التشخيصية في العيادات النفسية ومراكز الإرشاد التربوي عبر تحديد الملامح الأولية للاضطرابات السلوكية والانفعالية، مثل: متلازمة الانسحاب الاجتماعي المصحوب بالعدائية، والنشاط الزائد غير المنضبط، وصعوبات الانصياع للقواعد والتعليمات (Conduct Problems)، ومشكلات التكيف الصفي. كما يُستخدم كأداة للتقييم الأولي (Screening) لتحديد الأطفال المعرضين لمخاطر سوء التوافق الاجتماعي قبل تفاقم هذه المشكلات في المراحل الابتدائية المتقدمة.

ج. تقييم البرامج العلاجية والتدخلات السلوكية

نظراً لاعتماد المقياس على تدريج كمي سباعي ذي قدرة تمايزية دقيقة، فإنه يُعد صالحاً لقياس فاعلية البرامج العلاجية وتعديل السلوك وتدريب الوالدين (Parent Management Training). إذ يمكن للباحث أو المعالج إجراء تقييم قبلي وبعدي (Pre- and Post-intervention assessment) لرصد التحولات التي تطرأ على عوامل المقياس المختلفة ومقارنة حجم التغير عبر البيئات المتعددة.

5. البناء النفسي

ينطلق البناء النفسي لمقياس جدول تقدير الطفل من مفهوم الطبيعة متعددة الأبعاد لشخصية الطفل وسلوكه، حيث لا يمكن اختزال التوافق النفسي للأطفال في بُعد ثنائي بسيط مثل (سوي مقابل غير سوي). وقد أظهرت نتائج التحليل العاملي التي أجراها بيكر (1960) تجلي هذا البناء في خمسة أبعاد رئيسية مشتركة بين الملاحظين (الوالدين والمعلمين)، إضافة إلى بُعد إضافي مستقل يظهر بوضوح في البيئة المدرسية:

1. الانسحاب العدائي (Hostile-Withdrawal)

يمثل هذا البُعد نمطاً معقداً من سوء التكيف الاجتماعي والانفعالي، يجمع بين الانطواء والبرود العاطفي والميل إلى الابتعاد عن التفاعل الإيجابي مع الآخرين، مقترناً بمشاعر استياء وضيق داخلي. تشمل الفقرات المعبرة عن هذا البُعد أزواجاً مثل: اجتماعي-غير اجتماعي (Sociable-unsociable)، دافئ-بارد (Warm-cold)، مستجيب-منعزل (Responsive-aloof)، وسعيد-مكتئب (Happy-depressed). فالطفل الذي يحصل على درجات مرتفعة في هذا الاتجاه يميل إلى أن يكون غير مبالٍ بالروابط الاجتماعية، فاقداً للمرح، ويبدي صعوبة في بناء علاقات دافئة ومتبادلة.

2. المزاج الهادئ/المرتخي (Relaxed Disposition)

يعكس هذا البُعد مستوى الاستقرار الانفعالي والاتزان العصبي لدى الطفل في مواجهة التغيرات والضغوط اليومية، ويقابل بُعد العصابية أو القلق العام. يتم التعبير عنه بصفات مثل: متوتر-مسترخٍ (Tense-relaxed)، عصبي-هادئ (Nervous-placid)، سريع الاستثارة-رزين (Excitable-calm)، ومتقلب-مستقر (Fluctuating-stable). يوضح هذا البناء مدى قدرة الجهاز العصبي والنفسي للطفل على امتصاص الإحباطات دون تفجر نوبات هلع أو توتر حركي وجسدي.

3. غياب العدوانية (Lack of Aggression)

يختص هذا البُعد برصد الاستجابات الموجهة نحو الآخرين ونمط إدارة الغضب والإحباط. يتضمن مفردات مثل: متطلب-غير متطلب (Demanding-not demanding)، سريع الغضب-غير سريع الغضب (Prone to anger-not prone to anger)، حسود-غير حسود (Jealous-not jealous)، وعنيد-صبور (Impatient-patient). الدرجة العالية على هذا البُعد تعكس توافقاً سلمياً ونضجاً انفعالياً يتيح للطفل التخلي عن استخدام العنف أو فرض الرغبات بالقوة أو التعبير عن الغضب بنوبات صراخ وتدمير.

4. الإذعان/الخضوع (Submission)

يتناول هذا المكون ديناميات السيطرة والاستقلالية مقابل التبعية والخضوع لسلطة الراشدين والأقران. تُقاس هذه السمة عبر فقرات مثل: قوي الإرادة-ضعيف الإرادة (Strong willed-weak)، مستقل-معتمد على غيره (Independent-dependent)، ومسيطر-مذعن (Dominant-submissive). يكشف هذا البناء النفسي ما إذا كان الطفل يمتلك زمام المبادرة والجرأة والميل للمغامرة، أم أنه سلبي، يسهل قياده، ويبدي خوفاً من الاستقلال الذاتي.

5. مشكلات السلوك (Conduct Problems)

يُعد هذا البُعد مؤشراً مباشراً على مدى استدخال الطفل للمعايير والقواعد السلوكية والقدرة على الانضباط الخارجي والذاتي. يشتمل على سمات جوهرية مثل: مطيع-عاصٍ (Obedient-disobedient)، مسؤول-غير مسؤول (Responsible-irresponsible)، متعاون-معرقل (Cooperative-obstructive)، وسهل الانقياد-صعب الانقياد والتهذيب (Easily disciplined-difficult to discipline). يمثل هذا البعد صلب مشكلات اضطراب السلوك والتحدي المعارض في تصنيفات الطب النفسي المعاصرة.

6. الذكاء الصفي والمدرسي (Schoolroom Intelligence)

وهو بُعد فريد ينبثق بشكل أساسي من تقييمات المعلمين، نظراً لخبرتهم في رصد العمليات العقلية للطفل في سياق التعلم الأكاديمي. يتضمن صفات مثل: بليد الذهن-ذكي (Dull minded-intelligent)، مشتت الانتباه-قادر على التركيز (Subject to distraction-able to concentrate)، ضعيف الذاكرة-جيد الذاكرة (Poor memory-good memory)، وغير منظم-منظم (Disorganized-organized). يجسد هذا العامل الكفاءة الإدراكية والتنفيذية للطفل داخل غرفة الصف وعلاقتها المباشرة بالدافعية للإنجاز.

6. الإطار النظري

تستند خلفية مقياس جدول تقدير الطفل إلى تلاقي مسارين نظريين ومنهجيين أساسيين في تاريخ القياس النفسي وعلم نفس الشخصية:

أ. نظرية السمات عند ريموند كاتيل

اعتمد ويسلي بيكر بشكل جوهري على البنية التصنيفية لسمات الشخصية التي أسسها ريموند ب. كاتيل (1957). كان كاتيل يرى أن بنية الشخصية تتكون من سمات سطحية (Surface traits) وسمات مصدرية (Source traits) يمكن استخلاصها عبر تقنيات التحليل العاملي لمصفوفات بيانات السلوك الواقعي (L-data) وبيانات الاستخبارات الشخصية (Q-data). استفاد بيكر من قائمة المتغيرات السلوكية التي طورها كاتيل لقياس شخصية الأطفال والراشدين، واختار منها المتغيرات الأكثر ملاءمة لطبيعة مرحلة الطفولة المبكرة (مرحلة سن الخامسة)، حيث حرص على تغطية أبعاد حيوية مثل الانبساط مقابل الانطواء، والاستقرار الوجداني، وقوة الأنا الأعلى.

ب. منهجية التمايز الدلالي لأوزغود (Osgood’s Semantic Differential)

استلهم بيكر الصياغة الفنية للمقياس من الأبحاث الرائدة التي قادها تشارلز أوزغود وجورج سوتشي وبيرسي تانينباوم (1957) حول قياس المعنى الدلالي للمفاهيم عبر مقاييس ثنائية القطب تضم أضداداً لغوية (Adjective antonym pairs). افترض أوزغود أن الفضاء الدلالي والإدراكي للإنسان يُختزل في ثلاثة أبعاد عامة: التقييم (Evaluation: جيد-سيئ)، والقدرة أو القوة (Potency: قوي-ضعيف)، والنشاط (Activity: نشط-خامل). وجد بيكر أن توظيف الصفات ثنائية القطب على تدريج سباعي يمنح الملاحظين (الآباء والمعلمين) مرونة لغوية وإدراكية فائقة للحكم على سلوك الطفل دون حصرهم في أسئلة تقريرية جامدة قد تثير الدفاعية النفسية، مما يجعل الأداة تطبيقاً عملياً لنظرية التمايز الدلالي في ميدان التقدير الإكلينيكي والسلوكي.

ج. نظرية التنشئة والتحليل التفاعلي الأسري

تأثر الإطار النظري أيضاً بنظريات التحليل النفسي الاجتماعي ونظريات التعلم الاجتماعي المتزامنة مع تلك الحقبة (مثل أبحاث روبرت سيرز)، والتي أكدت أن سلوك الطفل هو نتاج تفاعلي مباشر لسمات الوالدين وشخصيتهما. لذلك، بنى بيكر مقياس الأطفال ليكون موازياً ومطابقاً في بنيته اللغوية لمقاييس تقدير الذات وتقدير الشريك التي طبقها على الآباء والأمهات، مما سمح له باختبار فرضيات انتقال العدوى الانفعالية، والتماهي الأبوي، وتأثير الصراعات الزوجية على ظهور الاضطرابات السلوكية للأبناء وفق نموذج نسقي متماسك.

7. الصدق

حظي مقياس جدول تقدير الطفل بعمليات فحص وتحقق سيكومترية دقيقة لتقييم بنيته ومصداقيته العلمية، وقد أورد بيكر (1960) في دراسته التأسيسية أدلة متعددة على أنواع الصدق المختلفة:

أ. صدق البناء والمفهوم (Construct Validity)

تم إثبات صدق البناء من خلال التطابق الملحوظ للعوامل المستخلصة عبر عينات الملاحظين المستقلة؛ حيث أجرى بيكر تحليلات عاملية منفصلة لتقديرات الأمهات (N = 63)، وتقديرات الآباء (N = 63)، وتقديرات معلمات رياض الأطفال (N = 63). وأظهرت نتائج استخراج العوامل بالمحاور المتعامدة (Orthogonal Factor Solutions) اتساقاً مصفوفياً عالياً في عوامل الانسحاب العدائي، والمزاج الهادئ، وغياب العدوانية، والإذعان، ومشكلات السلوك عبر جميع المجموعات الثلاث، مما يؤكد أن البناء العاملي للمقياس يقيس سمات سلوكية مستقرة وحقيقية لدى الأطفال وليست مجرد نتاج للتحيز الشخصي لملاحظ واحد.

ب. الصدق التلازمي والتقاربي (Concurrent & Convergent Validity)

فحصت الدراسة الصدق التقاربي من خلال حساب مصفوفات الارتباط بين تقديرات الأمهات والآباء لنفس الطفل. وعلى الرغم من اختلاف السياقات والمواقف التي يتفاعل فيها كل من الأب والأم مع الطفل، فقد سجلت العوامل ارتباطات موجبة ودالة إحصائياً تراوحت بين 0.40 و0.65 في العوامل السلوكية الجوهرية مثل مشكلات السلوك والانسحاب العدائي. كذلك أظهرت مقارنة تقديرات الوالدين بتقديرات المعلمات (كملاحظين محايدين وموضوعيين في بيئة المدرسة) تقارباً دالاً في العوامل الخارجية (Externalizing factors) مثل العدوان والانصياع، بينما كان التقارب أقل في العوامل الداخلية (Internalizing factors)، وهو نمط يتطابق مع النظريات السيكومترية المعاصرة لتقديرات الملاحظين المتعددين.

ج. الصدق التمايزي (Discriminant Validity)

أثبت المقياس قدرة تمايزية ملموسة؛ حيث انفصل عامل “الذكاء الصفي والمدرسي” المأخوذ من المعلمين تماماً عن عوامل المزاج والمشكلات السلوكية. كذلك أظهرت النتائج أن الدرجات على عامل المزاج الهادئ ارتبطت سلباً بالتوتر الأسري والخلل الوالدي، في حين ارتبطت درجات عامل “مشكلات السلوك” بارتفاع معدلات التنافر بين الوالدين وفرض الأساليب العقابية الصارمة، مما يعكس قدرة المقياس على التمييز بدقة بين الأنماط السلوكية المختلفة وأصولها الأسرية المتباينة.

8. الثبات

في دراسة بيكر الأصلية (1960)، لم يتم التركيز بصورة أساسية على حساب معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) لكل فقرة على حدة كما هو معتاد في القياسات المعاصرة، نظراً لأن التقنيات الحاسوبية المتقدمة لم تكن متاحة بشكل واسع في تلك الفترة. ومع ذلك، قدمت الدراسة بيانات وبراهين تجريبية تعكس الثبات السيكومتري للمقياس:

أ. الاتساق الداخلي والموثوقية العاملية

أشارت التشبعات العاملية المرتفعة للفقرات المتجمعة حول العوامل الخمسة (حيث تجاوزت تشبعات معظم الفقرات 0.50 إلى 0.80 على العوامل المقابلة) إلى درجة عالية من التجانس والاتساق الداخلي لمجموعات الصفات المكونة لكل عامل. وفي دراسات وتحليلات إعادة القياس التي طُبقت لاحقاً على مصفوفات مماثلة مستخرجة من أداة بيكر، تم تقدير معاملات الاتساق الداخلي لمقاييس العوامل المركبة؛ حيث تراوحت تقديرات الثبات لعامل “مشكلات السلوك” بين 0.82 و0.89، ولعامل “الانسحاب العدائي” بين 0.78 و0.85، ولعامل “المزاج الهادئ” بين 0.74 و0.81.

ب. ثبات الاتفاق بين الملاحظين (Inter-Rater Reliability)

يُعد ثبات الملاحظين الركيزة الأساسية لموثوقية مقاييس التقدير. حقق المقياس معاملات اتفاق دالة إحصائياً بين الوالدين عند مستوى دلالة (p < .01 و p < .001). وبلغت معاملات الارتباط بين تقديرات الأمهات والآباء لعامل “مشكلات السلوك” قرابة r = 0.58، ولعامل “غياب العدوانية” r = 0.52. وعند إدخال تقديرات المعلمين، بقيت معاملات التوافق مقبولة، وهو ما يُعد مؤشراً قوياً على ثبات الدرجات وعدم خضوعها للصدفة أو التحيزات الفردية المنعزلة.

9. التحليل العاملي

يُمثل التحليل العاملي حجر الزاوية المنهجي الذي تأسس عليه مقياس جدول تقدير الطفل. قام ويسلي بيكر بحساب مصفوفات الارتباط المتبادلة لـ 72 فقرة ثنائية القطب لثلاث عينات منفصلة (تقديرات الأمهات N=63، تقديرات الآباء N=63، وتقديرات المعلمات N=63)، ثم تم استخراج العوامل باستخدام طريقة المكونات الرئيسية مع إجراء التدوير المتعامد وفق محك فاريماكس (Varimax orthogonal rotation).

البنية العاملية المستخلصة

كشفت عملية التدوير عن بنية متميزة تمثلت في خمسة عوامل مشتركة كبرى برزت لدى جميع فئات المقيمين، إلى جانب عامل سادس تخصصت به بيئة المعلم:

اسم العامل طبيعة العامل والتشبعات أبرز الفقرات المشبعة إيجابياً أو سلبياً
1. الانسحاب العدائي (Hostile-Withdrawal) عامل ثنائي يجمع بين الانطواء والبرود والتشاؤم، ويفسر نسبة معتبرة من التباين في تقديرات الآباء والمعلمين. اجتماعي-غير اجتماعي، دافئ-بارد، مستجيب-منعزل، سعيد-مكتئب، فضولي-غير مبالٍ.
2. المزاج الهادئ/المرتخي (Relaxed Disposition) يعكس الهدوء الداخلي وانخفاض مستويات التوتر والقلق الحركي والعصبي. متوتر-مسترخٍ، عصبي-هادئ، سريع الانفعال-هادئ، متقلب-مستقر، خائف-غير خائف.
3. غياب العدوانية (Lack of Aggression) يقيس ضبط الانفعالات الغاضبة وعدم الميل للتسلط أو الانتقام من الآخرين. سريع الغضب-غير سريع الغضب، نوبات غضب-عدم التعرض لنوبات، صبور-قليل الصبر، حقود-متسامح.
4. الإذعان والتبعية (Submission) يعكس الاستسلام وتفضيل التبعية والافتقار للمبادرة في مقابل السيطرة والاستقلالية. قوي الإرادة-ضعيف، مستقل-معتمد، مسيطر-خاضع، مغامر-خجول/جبان.
5. مشكلات السلوك (Conduct Problems) العامل الأكثر وضوحاً في التشخيص الإكلينيكي؛ يرصد التمرد وصعوبة الانصياع للقوانين. مطيع-عاصٍ، مسؤول-غير مسؤول، متعاون-معوق، سهل الانقياد-صعب التهذيب، صادق-كاذب.
6. الذكاء الصفي (Schoolroom Intelligence) عامل نوعي محدد بتقديرات المعلمين، يدمج بين الفطنة المعرفية والتنظيم الذاتي الصفي. بليد-ذكي، مشتت-مركز، ضعيف الذاكرة-ذاكرة قوية، فوضوي-منظم، غير مبالٍ-فضولي.

أكدت نتائج التحليل العاملي أن تقييم سلوك الطفل في هذه المرحلة العمرية يرتكز على قطبين كلاسيكيين: مشكلات التوجه نحو الخارج (Externalizing problems) كالعصيان والعدوان، ومشكلات التوجه نحو الداخل (Internalizing problems) كالانسحاب والتوتر، مما مهّد الطريق لاحقاً للنماذج التصنيفية الشاملة مثل قائمة أشبنباخ لتقدير سلوك الأطفال (CBCL).

10. أداة القياس

فيما يلي المواصفات الفنية والميدانية لأداة القياس وطريقة تطبيقها وتصحيحها:

  • نوع الاختبار: مقياس تقدير سلوكي قائم على تقارير الملاحظين (Observer-rating schedule) ويُدار أحياناً كدليل مقابلة شبه مقننة مع الوالدين أو كاستبيان تقريري مباشر للمعلمين والآباء.
  • الفئة المستهدفة: أطفال مرحلة رياض الأطفال (سن 5 سنوات تقريباً). بينما يُملأ المقياس من قِبل الراشدين (الآباء، الأمهات، المعلمات؛ سن 18 عاماً فما فوق).
  • شكل الاستجابة: مقياس تمايز دلالي سباعي النقاط (7-point bipolar rating scale)، حيث يُطلب من المقيم وضع إشارة على نقطة تمتد من (1 إلى 7) بين قطبين يمثلان نقيضين وصفيين للسلوك.
  • عدد الفقرات الأصلي: يتألف المقياس الشامل من 72 زوجاً من الصفات المتضادة ثنائية القطب. تظهر الفقرات الأساسية المعتمدة في التحليلات العاملية مستويات محددة من السلوك الوجداني والاجتماعي.
  • طريقة التصحيح:
    • تُعطى الدرجات من 1 إلى 7؛ حيث يمثل الرقم 1 الطرف الأول من الصفة والرقم 7 الطرف المضاد.
    • تُحدد اتجاهات الأقطاب بصورة تضمن قياس العامل المراد؛ فإذا كان الاتجاه يقيس التوافق، فإن الصفة الإيجابية تأخذ الدرجة الأعلى.
    • تُعكس الدرجات للفقرات التي صيغت في الاتجاه المعاكس لتجنب نزعة الاستجابة النمطية (Reverse-scored items).
    • يتم استخراج درجات مركبة لكل بُعد من الأبعاد الستة عبر جمع درجات الفقرات التابعة للعامل وقسمتها على عددها للحصول على متوسط دال إكلينيكياً.

11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار

  • سنة الصدور الأصلية: عام 1960.
  • حقوق النشر والملكية الفكرية: نُشرت الأداة ومحتوياتها الأصلية في دورية Journal of Consulting Psychology التابعة لـ جمعية علم النفس الأمريكية (APA). جميع حقوق النشر الأدبي محفوظة للجمعية وللمؤلف ويسلي سي. بيكر.
  • رسوم الاستخدام والأغراض البحثية: تقع الأداة تاريخياً ضمن فئة الأدوات المتاحة للأغراض الأكاديمية والبحثية غير التجارية وفق شروط الاستشهاد العلمي المقنن بالدراسة الأصلية المنشورة في عام 1960. أما الاستخدامات السريرية والتجارية الموسعة فيلزمها الحصول على إذن صريح من الناشر الأصلي (APA).

12. المراجع

  • Becker, W. C. (1960). The relationship of factors in parental ratings of self and each other to the behavior of kindergarten children as rated by mothers, fathers, and teachers. Journal of Consulting Psychology, 24(6), 507–527. https://doi.org/10.1037/h0045584
  • Cattell, R. B. (1957). Personality and motivation structure and measurement. World Book Company.
  • Osgood, C. E., Suci, G. J., & Tannenbaum, P. H. (1957). The measurement of meaning. University of Illinois Press.
  • Achenbach, T. M., & Edelbrock, C. S. (1978). The classification of child psychopathology: A review and analysis of empirical efforts. Psychological Bulletin, 85(6), 1275–1301. https://doi.org/10.1037/0033-2909.85.6.1275
  • Peterson, D. R. (1961). Behavior problems of middle childhood. Journal of Consulting Psychology, 25(3), 205–209. https://doi.org/10.1037/h0044508

13. فقرات المقياس

فيما يلي نص فقرات المقياس بلغتها الأصلية كما وردت في الدراسات القياسية المعيارية دون أي تعديل أو ترجمة للحفاظ على صدق أداة القياس وثباتها:

Response Scale: 7-point rating scale between two bipolar extremes (1 to 7).

  1. Sociable-unsociable
  2. Warm-cold
  3. Responsive-aloof
  4. Colorful-colorless
  5. Interesting-boring
  6. Interested-bored
  7. Adjusted-maladjusted

تقييم هذا المقياس النفسي

5.0 / 5 1 تقييم

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 18). مقياس جدول تقدير الطفل. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/scales/child-rating-schedule-scale/
looti, Mohammed. “مقياس جدول تقدير الطفل.” عرب سايكلوجي, 18 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/scales/child-rating-schedule-scale/.
looti, Mohammed. “مقياس جدول تقدير الطفل.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 18, 2026. https://arabpsychology.com/scales/child-rating-schedule-scale/.