الملخص
يُعد مقياس الضبط الذاتي المدرك للأطفال (Children’s Perceived Self-Control Scale – CPSC)، الذي طوّره الباحث كريغ همفري (Craig A. Humphrey, 1982)، أحد أبرز المقاييس السيكومترية الرائدة في تقييم إدراك الأطفال لقدراتهم التنظيمية وسلوكياتهم الموجهة ذاتياً. يستهدف المقياس الأطفال في المرحلة العمرية الممتدة من سن 8 إلى 13 عاماً (الصفوف من الرابع حتى السادس تقريباً)، بهدف سد فجوة تقييمية جوهرية ناجمة عن الاعتماد المفرط على تقارير المعلمين والوالدين في قياس سمات الضبط المعرفي والانفعالي والسلوكي لدى الناشئة. يتألف المقياس من 23 فقرة تقيس كفاءة الضبط الذاتي الذاتية من منظور الطفل، موزعة على ثلاثة أبعاد أساسية مستخلصة عبر التحليل العاملي: ضبط الذات في العلاقات بين الأشخاص (Interpersonal Self-Control)، وضبط الذات الشخصي (Personal Self-Control)، والتقييم الذاتي (Self-Evaluation).
يعتمد المقياس نظام إجابة ثنائي مبسط (نعم / لا) يناسب القدرات القرائية والمعرفية للأطفال، مما يُقلل من التحيزات الإدراكية والتشتت الذهني أثناء التطبيق. يتمتع المقياس بخصائص سيكومترية رصينة؛ حيث أظهرت الدراسات التأسيسية والدراسات المقارنة اللاحقة معاملات اتساق داخلي (ألفا كرونباخ) تتراوح بين 0.70 و0.81 للأبعاد الفرعية، وما يقارب 0.80 للمقياس الكلي، بالإضافة إلى استقرار زمني عالٍ عبر منهجية إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability). كما أثبتت الدراسات صدق المفهوم من خلال ارتباطاته الدالة بمقاييس الكفاءة الاجتماعية، والتحصيل الدراسي، والتوجه الداخلي لموقع الضبط (Locus of Control)، والقدرة على تأجيل الإشباع الفوري. يُعد المقياس أداة محورية في الأبحاث الإكلينيكية، والتربوية، وبرامج التدخل السلوكي المعرفي القائمة على تعزيز تنظيم الذات لدى الأطفال العاديين وتلك الفئات التي تعاني من اضطرابات مسلكية أو قصور الانتباه وفرط الحركة.
الكلمات المفتاحية
الضبط الذاتي للأطفال، التنظيم الذاتي، مقياس همفري، علم النفس التنموي، القياس السيكومتري، السلوك المعرفي، الكفاءة الاجتماعية، علم النفس التربوي، تقرير الذات، تأجيل الإشباع، الضبط بين الأشخاص.
المؤلفون
طُوِّر المقياس من قِبل الدكتور كريغ أ. همفري (Craig A. Humphrey)، أثناء عمله الأكاديمي والبحثي في قسم علم النفس بجامعة إنديانا بلومنجتون (Indiana University Bloomington) بالولايات المتحدة الأمريكية. تركّزت أعماله البحثية في مطلع الثمانينيات على تطوير نماذج القياس النفسي للأطفال في البيئات المدرسية والإكلينيكية، مع التركيز على دور العمليات المعرفية-السلوكية في تشكيل السلوك الاجتماعي والتحصيلي للأطفال، وتصميم برامج التدريب على المهارات الاجتماعية وضبط الذات.
الغرض
نشأت الحاجة إلى بناء مقياس الضبط الذاتي المدرك للأطفال (CPSC) في ظل هيمنة أدوات القياس غير المباشرة المعتمدة على ملاحظات الراشدين (المعلمين والأولياء)، والتي غالباً ما تعكس السلوك الظاهري المزعج أو التوافق السطحي مع القواعد الصفية، دون أن تنفذ إلى البنية المعرفية الداخلية للطفل وإدراكه الذاتي لكفاءته في كبح الاندفاعات وتوجيه الأهداف. يهدف المقياس إلى توفير أداة تقرير ذاتي (Self-Report Instrument) مباشرة وموثوقة، تمكّن الباحثين والممارسين الإكلينيكيين من فحص العمليات التنظيمية الذاتية كما يختبرها ويعبر عنها الطفل نفسه.
تتعدد التطبيقات الإكلينيكية والبحثية للمقياس، وتشمل ما يلي:
- التشخيص الإكلينيكي والتقييم النفسي: يُستخدم المقياس كأداة مسحية وفارقة لتحديد الأطفال المعرضين لخطر المشكلات السلوكية الاندفاعية، والاضطرابات المسلكية (Conduct Disorders)، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD).
- تقييم البرامج العلاجية والتدخلات المعرفية السلوكية: يُعتمد عليه في قياس فاعلية التدخلات الموجهة نحو تنمية مهارات التفكير التأملي، والحديث الذاتي الإيجابي، وتدريبات حل المشكلات الاجتماعية.
- التطبيقات التربوية والتعليمية: التنبؤ بالاندماج الأكاديمي، وإدارة الوقت الصفي، وتحديد العلاقة بين الضبط الذاتي والإنجاز الدراسي ومقاومة المشتتات داخل الغرفة الصفية.
- الأبحاث النمائية: دراسة المسارات التطورية للضبط الذاتي وعلاقته بمتغيرات مثل المخططات الوجدانية، والتعاطف، والدافعية الداخلية، والنمو الأخلاقي.
البناء النفسي
يرتكز المقياس على بناء نفسي متعدد الأبعاد يرى أن الضبط الذاتي (Self-Control) ليس سمة أحادية جامدة، بل هو منظومة متكاملة من العمليات السلوكية والمعرفية والوجدانية. يتكون المقياس من ثلاثة أبعاد فرعية رئيسية:
1. ضبط الذات في العلاقات بين الأشخاص (Interpersonal Self-Control)
يقيس هذا البعد (المكون من 11 فقرة) قدرة الطفل على تنظيم استجاباته وتصرفاته في المواقف التفاعلية الاجتماعية التي تفرض ضغوطاً أو استفزازات أو صراعات مع الأقران والراشدين. يتضمن كبح ردود الفعل العدوانية، ومقاومة الامتثال للضغوط السلبية للأقران، والامتناع عن السلوكيات التخريبية أو مقاطعة الآخرين أثناء الحديث. يبرز هذا البعد الكفاءة في إدارة الغضب وتأجيل الرغبات الفردية لتحقيق الانسجام الاجتماعي.
2. ضبط الذات الشخصي (Personal Self-Control)
يركز هذا البعد (المكون من 7 فقرات) على التنظيم الذاتي للمهام الفردية المستقلة، مثل القدرة على التركيز والمثابرة في أداء الواجبات المدرسية الصعبة، ومقاومة المشتتات البيئية، وتأجيل المكافآت الفورية لصالح أهداف بعيدة المدى (Delayed Gratification)، واتباع التعليمات والقواعد الذاتية حتى في غياب الرقابة الخارجية.
3. التقييم الذاتي (Self-Evaluation)
يتناول هذا البعد (المكون من 5 فقرات) المعايير المعرفية والوجدانية التي يطبقها الطفل لتقييم أدائه وسلوكه، وشعوره بالكفاءة والرضا عن إنجازاته، ومستوى لوم الذات أو تعزيزها. يعكس هذا المكون قدرة الطفل على المراقبة الذاتية (Self-Monitoring) وإصدار أحكام واقعية حول تقدمه ومدى تطابق سلوكه مع معاييره الشخصية.
الإطار النظري
يستند مقياس الضبط الذاتي المدرك للأطفال إلى مرجعية النظرية المعرفية الاجتماعية (Social Cognitive Theory) التي طورها ألبرت باندورا (Albert Bandura)، ونموذج التنظيم الذاتي المعرفي لـ فريدريك كانفر (Frederick Kanfer, 1970). يفترض هذا الإطار أن التنظيم الذاتي يمر عبر حلقة ثلاثية متزامنة تشمل:
- المراقبة الذاتية (Self-Monitoring): وعي الطفل المتعمد بسلوكياته واستجاباته في مختلف السياقات.
- الحكم والتقييم الذاتي (Self-Judgment): مقارنة الأداء بالمعايير الشخصية والقيم البيئية المكتسبة.
- الاستجابة التعزيزية الذاتية (Self-Reaction): تقديم مكافآت ذاتية نفسية أو إعادة ضبط الأهداف عند حدوث فجوة بين الأداء والمعيار.
كما يتكامل هذا البناء مع إسهامات والتر ميشيل (Walter Mischel) في دراسة آليات تأجيل الإشباع، والتحكم المعرفي في المثيرات الساخنة والباردة (Hot and Cool Systems)، وأعمال دونالد مايكنبوم (Donald Meichenbaum) حول التعليمات الذاتية والحديث الداخلي في تعديل السلوك الاندفاعي.
الصدق
أظهرت دراسات التحقق السيكومتري التي أجراها همفري (1982) والباحثون اللاحقون مستويات قوية من الأدلة التجريبية على صدق المقياس:
- صدق المفهوم والبناء (Construct Validity): أظهرت تحليلات التباين وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين الأطفال المصنفين إكلينيكياً بأنهم يعانون من اضطرابات مسلكية أو صعوبات في التعلم مقارنة بأقرانهم العاديين، حيث سجلت المجموعة العادية درجات أعلى دالة إحصائياً في كافة الأبعاد الفرعية (p < .001).
- الصدق التقاربي (Convergent Validity): ارتبطت درجات مقياس CPSC ارتباطاً موجباً دالاً إحصائياً مع مقياس مركز الضبط للأطفال لنورويكي-ستريكلاند (Nowicki-Strickland Locus of Control Scale) بقيم ارتباط تراوحت بين r = 0.35 و r = 0.48، وكذلك مع تقييمات المعلمين للكفاءة الاجتماعية وضبط النفس الصفي (r = 0.30 إلى 0.42).
- الصدق التمايزي (Discriminant Validity): تميز المقياس بضعف ارتباطه بمقاييس الذكاء العام المجرد والقدرات اللفظية الصرفة (قيم r غير دالة، تراوحت بين 0.08 و 0.14)، مما يؤكد استقلالية سمة الضبط الذاتي المدرك عن القدرة العقلية العامة.
- الصدق التنبؤي (Predictive Validity): أظهرت الدراسات التتبعية قدرة درجات المقياس على التنبؤ بمستويات التكيف المدرسي، وانخفاض نسب الإحالة إلى العيادات النفسية والمشكلات الانضباطية على مدى فترات زمنية لاحقة.
الثبات
خضع المقياس لاختبارات ثبات متقدمة أكدت اتساقه الداخلي واستقراره الزمني:
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): بلغت قيمة معامل ألفا كرونباخ للمقياس الكلي في العينة المعيارية الأصلية (N = 415) نحو 0.79، في حين تراوحت معاملات ألفا للأبعاد الفرعية كالآتي:
- ضبط الذات في العلاقات بين الأشخاص: 0.71
- ضبط الذات الشخصي: 0.67 – 0.72
- التقييم الذاتي: 0.60 – 0.65
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت إعادة تطبيق المقياس بعد فاصل زمني تراوح بين أسبوعين إلى أربعة أسابيع معامل استقرار زمني بلغ r = 0.71 للمقياس الإجمالي، مما يدل على ثبات واستقرار البنية المقاسة دون تأثر مفرط بالحالات المزاجية العابرة.
التحليل العاملي
أجرى همفري (1982) تحليلاً عاملياً استكشافياً (Exploratory Factor Analysis – EFA) باستخدام طريقة المكونات الأساسية (Principal Components Analysis) مع التدوير المتعامد (Varimax Rotation) على مصفوفة الارتباطات لفقرات المقياس التجريبية الأولية. أسفرت النتائج عن ظهور ثلاثة عوامل متميزة تفسر نسبة معتبرة من التباين الكلي:
- العامل الأول (ضبط الذات بين الأشخاص): تشبعت عليه 11 فقرة بحمولات عاملية (Factor Loadings) تراوحت بين 0.38 و 0.68.
- العامل الثاني (ضبط الذات الشخصي): تشبعت عليه 7 فقرات بحمولات عاملية تراوحت بين 0.36 و 0.64.
- العامل الثالث (التقييم الذاتي): تشبعت عليه 5 فقرات بحمولات عاملية تراوحت بين 0.35 و 0.61.
كما أكدت الدراسات اللاحقة باستخدام التحليل العاملي التوكيدي (CFA) ملاءمة النموذج ثلاثي العوامل مع مؤشرات تطابق مقبولة (CFI > 0.90, RMSEA < 0.06)، مما يدعم البنية التكوينية للأداة عبر مختلف الفئات العمرية والثقافية.
أداة القياس
- نوع الاختبار: استبيان تقرير ذاتي (Self-Report Questionnaire).
- الشكل والتنسيق: بنود مكتوبة بأسلوب لغوي مباشر وبسيط يناسب الفهم القرائي للأطفال، بنظام ورقة وقلم أو تطبيق رقمي.
- عدد الفقرات: 23 فقرة (موزعة: 11 بين الأشخاص، 7 شخصي، 5 تقييم ذاتي).
- نظام الإجابة والتدريج: خياران ثنائيان (Yes / No) أو (نعم / لا).
- قواعد التصحيح وحساب الدرجات: تُمنح درجة واحدة (1) للإجابة الدالة على الضبط الذاتي السليم، وصفر (0) للإجابة المعبرة عن غياب الضبط الذاتي. تتراوح الدرجة الكلية بين 0 و 23 درجة؛ حيث تشير الدرجات المرتفعة إلى مستويات عالية من الضبط الذاتي المدرك.
- الفقرات المعكوسة (Reverse-scored Items): تُعكس درجات الفقرات المصاغة بطريقة سلبية، بحيث تنال إجابة “لا” الدرجة (1) وتنال “نعم” الدرجة (0).
- الفئة المستهدفة: تلاميذ المدارس الابتدائية والمتوسطة، الأطفال العاديون، والفئات الإكلينيكية التي تعاني من اضطرابات سلوكية أو انفعالية.
- المرحلة العمرية: من سن 8 إلى 13 عاماً (الصفوف 4 إلى 6).
- طريقة التطبيق: فردي أو جماعي داخل الصفوف المدرسية، مع إمكانية قراءة البنود بصوت مسموع من قِبل الفاحص للأطفال الأصغر سناً أو ذوي الصعوبات القرائية.
- زمن التطبيق: يتراوح بين 10 إلى 15 دقيقة تقريباً.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر المقياس رسمياً لأول مرة في عام 1982 عبر الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA). المقياس متاح للاستخدامات البحثية والأكاديمية غير الربحية دون الحاجة إلى دفع رسوم ترخيص مالية، شرط الاستشهاد بالمصدر الأصلي للدراسة. لأغراض الاستخدام التجاري أو التضمين في بطاريات تشخيصية ربحية، يتعين الحصول على إذن رسمي من الناشر أو صاحب الحقوق الفكرية.
المراجع
- Bandura, A. (1986). Social foundations of thought and action: A social cognitive theory. Prentice-Hall, Inc.
- Humphrey, C. A. (1982). Children’s and teachers’ perspectives on children’s self-control: The development of two self-control assessment scales. Journal of Consulting and Clinical Psychology, 50(5), 624–633. https://doi.org/10.1037/0022-006X.50.5.624
- Kanfer, F. H. (1970). Self-regulation: Research, issues, and speculations. In C. Neuringer & J. L. Michael (Eds.), Behavior modification in clinical psychology (pp. 178–220). Appleton-Century-Crofts.
- Meichenbaum, D. (1977). Cognitive-behavior modification: An integrative approach. Plenum Press. https://doi.org/10.1007/978-1-4757-9739-8
- Mischel, W., & Ayduk, O. (2002). Self-regulation in a cognitive-affective personality system: Attentional control in the service of the self. In Self and Identity, 1(2), 113–120. https://doi.org/10.1080/152988602317332020
- Nowicki, S., & Strickland, B. R. (1973). A locus of control scale for children. Journal of Consulting and Clinical Psychology, 40(1), 148–154. https://doi.org/10.1037/h0033978
فقرات المقياس
فيما يلي النص الأصلي لفقرات مقياس (Children’s Perceived Self-Control Scale) باللغة الإنجليزية كما وردت في دراسة همفري التأسيسية:
- When somebody pushes me, I usually push back.
- I find it easy to take turns with other kids.
- I get into trouble because I do things without thinking.
- I can stay in my seat when I am supposed to.
- When other kids tease me, I can ignore them.
- I usually finish my schoolwork before I go play.
- I feel good about the way I act at school.
- It is hard for me to wait for things I want.
- I can stop myself from doing something if I know it is wrong.
- I yell at other kids when I get angry.
- I keep working on hard problems until I solve them.
- I am happy with the choices I make.
- I interrupt other people when they are talking.
- I can pay attention to the teacher even when other kids are making noise.
- I get upset when I make a mistake on my schoolwork.
- I can keep my temper when things don’t go my way.
- I listen carefully to directions before I start working.
- I am proud of the things I do.
- I get into fights when people make me mad.
- I can wait patiently until it is my turn to speak.
- I give up easily when schoolwork gets difficult.
- I feel like I do a good job in school.
- I can control my actions even when I am excited.