1. الملخص / Abstract
تُعد مقاييس تقييم الأقران للاعتمادية (Dependency Peer Rating Scales)، التي طورها مارفن زوكرمان (Marvin Zuckerman)، ويوجين ليفيت (Eugene E. Levitt)، وبرنارد لوبين (Bernard Lubin) عام 1961، إحدى الأدوات السيكومترية الرائدة والمصممة لتقييم سمة الاعتمادية والسلوكيات التفاعلية بين الأفراد في البيئات الاجتماعية المغلقة، وتحديداً ضمن مجموعات التدريب التمريضي والأكاديمي. استند المقياس في بنائه وتكوينه المفاهيمي إلى أبعاد قائمة ليري للسلوك التفاعلي بين الأشخاص (Leary’s Interpersonal Check List – ICL) التي أسسها تيموثي ليري عام 1957، حيث جرى اختزال وتكييف تلك الأبعاد في ثلاثة مقاييس ثنائية القطب (Bipolar Scales) يتألف كل مقياس منها من ثماني درجات سلوكية متدرجة، ليصل مجموع فقرات الأداة إلى 24 وصفاً سلوكياً دقيقاً. تقيس هذه المحاور الثلاثة: الفخر مقابل الخزي (Pride-Shame)، والهيمنة مقابل الخضوع (Dominant-Submissive)، والاستقلالية مقابل الاعتمادية (Independent-Dependent).
يتميز المقياس بنظام تدريج متصل من 1 إلى 8 درجات لكل محور، حيث يقوم الأفراد بتقييم أقرانهم الذين يعرفونهم جيداً عبر اختيار الوصف الذي ينطبق بأعلى دقة على كل زميل، ويتم استخراج الدرجة الكلية عبر جمع درجات المقاييس الفرعية الثلاثة لتعكس درجة الاعتمادية الكلية المدركة اجتماعياً. أظهرت الدراسات السيكومترية التي أجراها مطورو المقياس مؤشرات اتساق داخلي وثبات فائقة تم حسابها عبر معادلة هورست (Horst, 1949) الخاصة بتقييمات الأقران المركبة، حيث بلغت معاملات الثبات 0.94 للمقياس الأول (PR-I)، و0.96 للمقياس الثاني (PR-II)، و0.94 للمقياس الثالث (PR-III)، في حين بلغ معامل ثبات المجموع الكلي للتقييم 0.96. يمثل هذا المقياس أداة منهجية متقدمة لقياس البناء النفسي للاعتمادية متجاوزاً عيوب الرغبة الاجتماعية وأساليب الاستجابة المتحيزة المرافقة لمقاييس التقرير الذاتي (Self-Report Inventories).
2. الكلمات المفتاحية / Keywords
تقييم الأقران، الاعتمادية النفسية، مقاييس ليري التفاعلية، القياس السوسيومتري، الهيمنة والخضوع، الاستقلالية، الخصائص السيكومترية، مارفن زوكرمان، معادلة هورست، علم النفس الاجتماعي الإكلينيكي.
3. المؤلفون / Authors
تم تطوير هذه الأداة البحثية من قبل ثلاثة من أبرز علماء النفس الإكلينيكي والقياس النفسي في القرن العشرين:
- مارفن زوكرمان (Marvin Zuckerman, Ph.D.): باحث وأستاذ متمرس في علم النفس، اشتهر عالمياً بنظريته الرائدة حول سمة “البحث عن الإثارة” (Sensation Seeking) ونموذج العوامل الخمسة البديل للشخصية. عمل خلال فترة تطوير المقياس في قسم الطب النفسي بمركز جامعة إنديانا الطبي (Indiana University Medical Center) ومؤسسة الأبحاث النفسية في إنديانابوليس، ثم انتقل لاحقاً ليعمل أستاذاً متميزاً في جامعة ديلاوير (University of Delaware).
- يوجين إي. ليفيت (Eugene E. Levitt, Ph.D.): أستاذ علم النفس الإكلينيكي ومدير قسم علم النفس في كلية الطب بجامعة إنديانا. تميزت إسهاماته العلمية بغزارة الإنتاج في مجالات سيكولوجية القلق، واختبارات الشخصية الإسقاطية والموضوعية، وتصميم المنهجيات البحثية السيكومترية.
- برنارد لوبين (Bernard Lubin, Ph.D.): عالم نفس إكلينيكي وباحث مرموق تركزت أبحاثه على قياس الحالات الوجدانية وتطوير قوائم الصفات الانفعالية، ومن أشهرها قائمة صفات المزاج المتعددة (MAACL). شغل مناصب أكاديمية وبحثية قيادية، من بينها عمله في جامعة ميزوري في كانساس سيتي (University of Missouri–Kansas City).
4. الغرض / Purpose
صُممت مقاييس تقييم الأقران للاعتمادية بهدف تحقيق غاية سيكومترية ومنهجية بالغة الأهمية في علم النفس الإكلينيكي وبحوث الشخصية؛ وهي توفير معيار خارجي وموضوعي (Objective External Criterion) لتقييم سمة “الاعتمادية بين الأشخاص” (Interpersonal Dependency). تاريخياً، واجه علماء النفس معضلة منهجية حادة في قياس سمات الشخصية الحساسة مثل الاعتمادية، نظراً لأن مقاييس التقرير الذاتي المباشرة (Direct Measures) غالباً ما تتأثر بآليات الدفاع النفسي وتزييف الاستجابة نحو الرغبة الاجتماعية (Social Desirability)، بينما تفتقر المقاييس غير المباشرة أو الإسقاطية (مثل اختبار تفهم الموضوع TAT) إلى درجات ثبات مرتفعة ومعايير تصحيح موضوعية لا لبس فيها. من هنا، برزت الحاجة الملحة لتطوير أداة تقييم سوسيومترية تعتمد على ملاحظة الأقران في بيئات تفاعلية حقيقية مستمرة.
تم تطبيق هذا المقياس بالأساس على طالبات التمريض في السنة الثانية (Sophomore Nursing Students) داخل بيئة تدريبية وإقامية مشتركة تتيح للأفراد ملاحظة استجابات بعضهم البعض السلوكية تحت ضغوط العمل والتفاعل الأكاديمي واليومي المكثف. إن معرفة الأقران لبعضهم البعض عبر شهور طويلة من التفاعل المباشر تجعل من تقييماتهم معياراً واقعياً (Ecologically Valid Criterion) يرصد بدقة ما إذا كانت الفردية تتسم بالمبادرة والاستقلال والسيطرة، أو تميل نحو الاتكالية، واستجداء الدعم، والامتثال الأعمى، والخنوع. وبالتالي، هدفت الأداة إلى دراسة الصدق التلازمي والصدق البنائي للمقاييس المباشرة وغير المباشرة للاعتمادية عبر مقارنة نتائج تلك الأدوات بأحكام الأقران المتبادلة.
يمتد التطبيق العملي والبحثي لهذه المقاييس إلى العديد من السياقات، ومنها:
- البحوث الإكلينيكية والسيكومترية: التحقق من صدق محكات مقاييس الشخصية، ومقارنة التقييم الذاتي للفرد بالصورة السلوكية التي يعكسها في محيطه الاجتماعي والمهني.
- علم النفس التنظيمي وفرق العمل: تقييم التوازن التفاعلي داخل المجموعات المهنية المصغرة، وتحديد أنماط القيادة والتبعية، والتنبؤ بالأفراد المعرضين للانهيار السلوكي أو الذين يتطلبون إشرافاً مفرطاً نتيجة لسمات الاعتمادية الشديدة.
- المؤسسات التدريبية والتعليمية المكثفة: تشخيص الصعوبات التكيفية لدى الطلاب والمتدربين في البيئات الطبية والعسكرية التي تتطلب استقلالية حاسمة في اتخاذ القرار وقدرة على المبادرة وتجنب السلوك السلبي الخاضع.
5. البناء النفسي / Construct
يرتكز البناء النفسي للمقياس على مفهوم “الاعتمادية النفسية والتفاعلية” (Psychological and Interpersonal Dependency)، والتي تُعرّف بوصفها استعداداً عاماً وثابتاً نسبياً لدى الفرد للبحث عن التوجيه، والموافقة، والدعم العاطفي والعملي من الآخرين، مع العجز عن اتخاذ القرارات المستقلة وتفضيل وضع القيادة والمسؤولية في يد قوى خارجية. ومع ذلك، لم ينظر زوكرمان وزملاؤه إلى الاعتمادية كسمة أحادية البعد ومعزولة، بل فهموها في إطار شبكة معقدة من التفاعلات بين الأشخاص كما حددها نموذج ليري، حيث تتداخل الاعتمادية وتتشابك مع محاور الهيمنة، والتقدير الذاتي، والشعور بالذنب والخزي. وعليه، تم تجزئة البناء النفسي إلى ثلاثة أبعاد رئيسية متدرجة عبر مقاييس ثنائية القطب:
أولاً: بعد الفخر مقابل الخزي (Pride-Shame Continuum)
يختص هذا البعد بتقييم المستوى الوجداني والتقديري للذات في مقابل الاستجابات الانكسارية والانهزامية أمام الجماعة. يمتد هذا المحور بين قطبين متناقضين:
- قطب الفخر والتعالي (Pride): يتجلى في سلوكيات المبالغة في تقدير الذات، وتوقع الإعجاب الدائم من الآخرين، والميل إلى إسداء النصائح المتعالية ومحاولة إظهار التفوق والنجاح المفرط، وهو ما يمثل في جوهره تعويضاً نرجسياً قد يُخفي وراءه رغبة في نيل استحسان المحيطين.
- قطب الخزي وجلد الذات (Shame): يتمثل في مشاعر الدونية المستمرة، وضعف الثقة بالنفس، والاعتذار المتكرر، والخجل الشديد، وصولاً إلى العقاب الذاتي (Self-punishing) والشعور المزمن بالعار من النفس. يرتبط هذا القطب ارتباطاً وثيقاً بظاهرة الاعتمادية التراجعية التي يشعر فيها الفرد بأنه لا يستحق الوجود إلا تحت كنف ورعاية الآخرين.
ثانياً: بعد الهيمنة مقابل الخضوع (Dominant-Submissive Continuum)
يعكس هذا المحور توزيع القوة والسيطرة وممارسة السلطة في المواقف الاجتماعية، وهو حجر الزاوية في فهم ميكانيزمات السلوك الاعتمادي:
- قطب الهيمنة (Dominant): يتدرج من الدكتاتورية وفرض السيطرة المطلقة على الآخرين، مروراً بالسلوك التسلطي (Bossy)، وصولاً إلى ممارسة القيادة الحازمة وحب تحمل المسؤوليات المعقدة والقدرة على إصدار الأوامر بثقة.
- قطب الخضوع (Submissive): يتدرج في المقابل من الاستعداد الطبيعي للامتثال والتعاون، مروراً بالتنازل الدائم، والتواضع المفرط، وسهولة الانقياد، ووصولاً إلى السلبية المطلقة والاستكانة (Meek)، والامتثال غير المشروط، وفقدان العزيمة تماماً (Spineless)، وهي الخصائص الجوهرية للشخصية الاعتمادية غير القادرة على توكيد الذات.
ثالثاً: بعد الاستقلالية مقابل الاعتمادية (Independent-Dependent Continuum)
يمثل هذا المحور البناء الجوهري المباشر للأداة، حيث يتناول الكيفية التي يدير بها الفرد حاجاته العاطفية والعملية في علاقته بالبيئة الاجتماعية:
- قطب الاستقلالية والاكتفاء الذاتي (Independent): يتراوح بين الأنانية المفرطة والبرود الانفعالي، والاعتداد المتغطرس بالنفس، إلى الثقة بالنفس والاعتماد الكامل على القدرات الشخصية والقدرة على حماية الذات وتدبير شؤونها دون حاجة للمساعدة الخارجية.
- قطب الاعتمادية والالتصاق (Dependent): يتدرج من التقدير والامتنان وتلقي العون بمرونة، إلى الرغبة الملحة في نيل الرضا والقبول الاجتماعي وتقليد الآخرين، ووصولاً إلى العجز التام، وسهولة الانخداع، والحاجة المزمنة لأن يكون الفرد مَقوداً ومحميّاً، والتحول إلى شخصية لاصقة (Clinging vine) تمنح ثقتها العمياء لأي طرف يوفر لها الشعور بالأمان الزائف.
6. الإطار النظري / Theoretical Framework
يستند الأساس النظري لمقاييس تقييم الأقران للاعتمادية إلى النظرية التفاعلية في الشخصية (Interpersonal Theory of Personality)، ولا سيما أطروحات هاري ستاك سوليفان (Harry Stack Sullivan) وتطبيقاتها السيكومترية الشاملة التي طورها تيموثي ليري (Timothy Leary, 1957) في ما يُعرف باسم “النموذج الدائري التفاعلي” (Interpersonal Circumplex). تنطلق هذه المدرسة الفكرية من فرضية مفادها أن الشخصية لا يمكن ملاحظتها أو قياسها بمعزل عن التفاعلات الإنسانية الحية؛ فالسمات النفسية تعبر عن نفسها في صورة رسائل سلوكية متبادلة تهدف إلى خفض القلق والحفاظ على تقدير الذات وضمان الأمن النفسي.
في نموذج ليري، تتوزع أنماط السلوك التفاعلي حول فضاء دائري ثنائي المحاور تحكمه زاويتان أساسيتان: محور القوة والوكالة (Agency / Dominance vs. Submission) ومحور الاندماج والشركة (Communion / Affiliation vs. Hostility). رأى ليري أن السلوك التكيفي السوي يقع في المناطق المعتدلة من الدائرة، في حين تمثل الأطراف البعيدة أنماطاً غير تكيفية أو مرضية من السلوك. اعتمد زوكرمان وزملاؤه (1961) على قائمة ليري الأصلية (ICL) المكونة من 128 صفة، وقاموا باستخلاص وتكثيف أبعاد محددة تلتحم مباشرة بمفهوم الاعتمادية.
قام الباحثون بإعادة صياغة تلك الفئات في صورة أقطاب متقابلة ثنائية الاتجاه، مستلهمين كذلك مبادئ نظرية المقارنة الاجتماعية (Social Comparison Theory) لليون فيستنجر (Leon Festinger). ترى هذه النظرية أن تقييم الخصائص النفسية والسلوكية يكتسب دقته القصوى عندما يصدر عن مراقبين يشتركون في نفس السياق الاجتماعي والبيئي، حيث يمتلك الزملاء والأقران معايير ضمنية مشتركة للحكم على مستويات المبادرة والانقياد. كما استند النموذج إلى مفاهيم التحليل النفسي الكلاسيكي والنيوفرويدي حول الشخصية الفمية التلقيّة (Oral-Receptive Character) التي تتمحور حول العجز والحاجة المستمرة للدعم، مع معالجة هذه الديناميات من خلال رصد السلوكيات الموضوعية القابلة للملاحظة الخارجية بدلاً من الاقتصار على التفسيرات الباطنية غير القابلة للتحقق التجريبي.
7. الصدق / Validity
خضعت مقاييس تقييم الأقران للاعتمادية لفحوصات تجريبية مكثفة بهدف التحقق من صدقها البنائي (Construct Validity) وصدقها التلازمي (Concurrent Validity) في دراسة زوكرمان، ليفيت، ولوبين (1961)، والتي نُشرت في مجلة علم النفس الاستشاري (Journal of Consulting Psychology). ركزت الدراسة على عينة معيارية مؤلفة من طالبات التمريض اللواتي عشن معاً في سكن جامعي وتدربن في أجنحة المستشفى ذاتها، مما وفر شرط المعرفة الدقيقة المشتركة اللازمة لتقييم الأقران.
صدق المحك والصدق التلازمي (Criterion & Concurrent Validity)
تم تقييم الصدق التلازمي من خلال فحص مصفوفة الارتباطات بين تقييمات الأقران ومجموعة من المقاييس المباشرة وغير المباشرة للاعتمادية والشخصية، ومن أبرز نتائج هذه الدراسات:
- الارتباط بمقاييس التقرير الذاتي للاعتمادية: أظهرت تقييمات الأقران ارتباطات دالة إحصائياً مع مقياس نافران للاعتمادية (Navran Dependency Scale) المشتق من اختبار منيسوتا متعدد الأوجه للشخصية (MMPI)، وكذلك مع مقياس الخضوع (Deference) ومقياس الاستقلالية (Autonomy) من قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي (EPPS). ارتبطت درجات الخضوع والاعتمادية المقيمة من الأقران إيجابياً وبشكل معنوي مع المقاييس التي تقيس النزوع نحو التبعية، بينما ارتبطت سلبياً مع مقاييس الاستقلالية والتوكيدية.
- الارتباط بالمقاييس الإسقاطية (Projective Techniques): فحص الباحثون العلاقة بين تقييم الأقران واستجابات الأفراد على اختبار تفهم الموضوع (TAT). أظهرت النتائج تبايناً كشف الطبيعة المعقدة للاعتمادية؛ حيث لم ترتبط الحاجة للاعتمادية المشتقة من اختبار TAT بشكل خطي بسيط مع السلوك الظاهر كما يراه الزملاء، وهو ما فسره المؤلفون بأن الفنطاسيات الإسقاطية قد تمثل رغبات دفينة مكبوتة يعوضها الفرد بسلوك استقلالي خارجي، مما أكد الأهمية الفائقة لمقاييس الأقران في عزل السلوك الحقيقي التفاعلي عن النزعات التخيلية غير المعاشة.
الصدق التقاربي والتمايزي (Convergent & Discriminant Validity)
أثبتت النتائج أن الأبعاد الثلاثة للمقياس (الفخر-الخزي، الهيمنة-الخضوع، الاستقلالية-الاعتمادية) تتقارب داخلياً لتشكل بنية متماسكة لقياس التكيف التفاعلي العام؛ فالدرجات المرتفعة على قطب الخضوع كانت ترتبط بقوة مع قطب الاعتمادية وقطب الخزي. ومن الناحية التمايزية، نجح المقياس في التمييز بوضوح بين الاعتمادية السلوكية الملاحظة وبين سمات عامة أخرى مثل القلق العام أو القدرة الأكاديمية المجردة، مما أثبت أن الأداة تقيس محددات التفاعل السلوكي بين الأشخاص بدقة وتمايز موضوعي عالي.
8. الثبات / Reliability
نظراً لأن أسلوب تقييم الأقران يعتمد على مصفوفة تصنيفات متعددة يقوم فيها كل عضو في المجموعة بتقييم جميع زملائه، فإن الطرق التقليدية لتقدير الثبات (مثل معادلة سبيرمان-براون للتقرير الذاتي الفردي أو إعادة الاختبار الفردي) لا تلائم طبيعة التباين الإحصائي المشترك في القياس السوسيومتري. لذلك، اعتمد زوكرمان وزملاؤه (1961) على الصيغة الرياضية المتقدمة التي وضعها بول هورست (Horst, 1949) لحساب معاملات الثبات للمقاييس السوسيومترية وتقييمات الأقران المركبة (Reliability of Peer Ratings).
تأخذ معادلة هورست في الحسبان تباين المقيمين، وتباين الأفراد الخاضعين للتقييم، وحجم العينة المقيمة، مما يجعلها المعيار الأكثر صرامة في التحقق من دقة التوافق والاتساق بين المقيمين (Inter-rater Consistency). جاءت مؤشرات الثبات وفق ما نشرته دراسة 1961 على النحو التالي:
- المقياس الفرعي الأول: الفخر مقابل الخزي (PR-I: Pride-Shame): بلغ معامل الثبات المركب 0.94، وهو معامل ثبات مرتفع جداً يؤكد اتفاق الأقران الاستثنائي على تحديد موقع الزميل على متصل الثقة والتعالي مقابل الخزي وجلد الذات.
- المقياس الفرعي الثاني: الهيمنة مقابل الخضوع (PR-II: Dominant-Submissive): حقق هذا المقياس أعلى معامل ثبات، حيث بلغ 0.96، مما يعكس سهولة رصد مؤشرات السيطرة والأوامر والقيادة مقابل السلبية والامتثال من قبل الزملاء في مواقف التدريب المشتركة.
- المقياس الفرعي الثالث: الاستقلالية مقابل الاعتمادية (PR-III: Independent-Dependent): بلغ معامل الثبات 0.94، مشيراً إلى درجة عالية من الدقة الإحصائية والتوافق الجماعي في رصد أنماط الاعتماد والاتكالية مقابل الاكتفاء الذاتي.
- الدرجة المركبة الكلية لتقييم الأقران (Combined PR Sum): بلغ معامل ثبات الدرجة الإجمالية للمقاييس الثلاثة مجتمعة 0.96.
توضح هذه الأرقام القياسية أن التقييمات التي تصدر عن الأقران الذين يتعايشون معاً تمتلك درجة متناهية من الاتساق والرسوخ القياسي، متفوقة على معظم مقاييس الشخصية التقليدية، وخالية عملياً من خطأ القياس العشوائي الناتج عن تباين أمزجة المقيمين الفردية.
9. التحليل العاملي / Factor Analysis
انبثقت مقاييس تقييم الأقران للاعتمادية أساساً من بنية عاملية محددة سلفاً في أعمال ليري (Leary, 1957) على قائمة السلوك التفاعلي، حيث كانت الأبعاد الأصلية مبنية وفق نموذج رياضي دائري مستمد من التحليل العاملي لمئات الصفات السلوكية التفاعلية. في دراسة زوكرمان ورفاقه (1961)، تم استخدام هذه الخلفية العاملية لتكثيف المقاييس واختيار الصفات التي تحمل أعلى تشبعات عاملية على محاور التفاعل الأساسية وتجميعها في تدرجات ثنائية القطب.
كشفت التحليلات الإحصائية للعلاقات الداخلية بين أبعاد المقياس الثلاثة عن النتائج البنائية التالية:
- عامل القوة والسيطرة (Agency / Control Factor): تشبعت فقرات مقياس الهيمنة مقابل الخضوع (PR-II) بقوة على هذا العامل، حيث مثلت الفقرات المرتبطة بالدكتاتورية والتسلط والقيادة القطب الإيجابي، بينما تشبعت فقرات الخنوع والامتثال وفقدان العزيمة على القطب السلبي.
- عامل الاستقلالية الوجدانية والانتماء (Autonomy vs. Clinging Factor): تشبعت فقرات مقياس الاستقلالية مقابل الاعتمادية (PR-III) وفقرات مقياس الفخر مقابل الخزي (PR-I) على هذا العامل، مما يعكس التداخل الوثيق بين تقدير الذات والسلوك الالتصاقي والبحث عن القبول الخارجي.
- التداخل العاملي وتكوين الدرجة الكلية: أظهرت مصفوفة الارتباط بين المقاييس الفرعية الثلاثة معاملات ارتباط داخلية موجبة ومرتفعة (تراوحت بين 0.65 و0.80)، مما برر جمع المقاييس الثلاثة لاستخراج درجة اعتمادية كلية مركبة (Combined Peer Rating Score)، حيث يعبر المجموع الكلي عن عامل عام مهيمن من الدرجة الثانية يمثل “العجز التفاعلي والانقياد الاعتمادي” (Interpersonal Ineptitude and Submissive Dependency).
10. أداة القياس / Instrument
تتسم أداة القياس بتصميم سيكومتري فريد يجمع بين الدقة اللفظية وسهولة التطبيق الميداني في المجموعات المعرفة جيداً. وتتلخص الخصائص الفنية للأداة فيما يلي:
- نوع الاختبار: مقياس تقدير سوسيومتري ثنائي القطب لتقييم الأقران (Bipolar Peer Rating Scale).
- الفئة المستهدفة: البالغون (من عمر 18 عاماً فما فوق)، وطُبقت معيارياً على طلبة الكليات والمهن الطبية والمجموعات المقيمة معاً.
- عدد المقاييس والفقرات: يتكون المقياس من ثلاثة مقاييس فرعية رئيسية (I و II و III). يحتوي كل مقياس على 8 عبارات سلوكية متدرجة تمثل نقاط الارتكاز التقييمية، مما يمنح الأداة ما مجموعه 24 فقرة/وصفاً سلوكياً.
- مقياس الاستجابة والتدريج: يعتمد المقياس على تدريج ثنائي القطب ممتد من 1 إلى 8 درجات لكل محور:
- في المقياس الأول (I. Pride-Shame): تمثل الدرجة 1 أقصى درجات الفخر والتعالي، بينما تمثل الدرجة 8 أقصى درجات الخزي والمهانة الذاتية.
- في المقياس الثاني (II. Dominant-Submissive): تمثل الدرجة 1 أقصى درجات الهيمنة والدكتاتورية، بينما تمثل الدرجة 8 أقصى درجات الخضوع والضعف.
- في المقياس الثالث (III. Independent-Dependent): تمثل الدرجة 1 أقصى درجات الأنانية والاستقلالية الباردة، بينما تمثل الدرجة 8 أقصى درجات الاعتمادية والالتصاق الأعمى.
- طريقة التصحيح واستخراج الدرجات: يقوم كل مقيِّم باختيار الدرجة (من 1 إلى 8) التي تصف زميله المستهدف على كل مقياس من المقاييس الثلاثة. يتم حساب متوسط تقييمات الأقران التي حصل عليها كل فرد في كل مقياس فرعي، وتُجمع الدرجات عبر المقاييس الثلاثة للحصول على “مجموع تقييم الأقران الكلي للاعتمادية” (Combined PR Sum). تشير الدرجات المرتفعة (المقتربة من 24 في المجموع، أو من 8 في المقاييس الفردية) إلى مستويات حادة من السلوك الاعتمادي والخضوع والشعور بالدونية، بينما تشير الدرجات المنخفضة (المقتربة من 3 في المجموع) إلى الهيمنة، والاستقلالية المتطرفة، والمشاعر العصابية للفخر.
- الفقرات المعكوسة: نظراً لأن المقاييس مبنية وفق متصل ثنائي القطب متدرج عضوياً من السلوك التوكيدي/المستقل (درجة 1) إلى السلوك الانقيادي/الاعتمادي (درجة 8)، فإن الدرجات ترتفع تلقائياً باتجاه مفهوم الاعتمادية، مما يلغي الحاجة إلى إعادة ترميز فقرات معكوسة بشكل منفصل.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار / Permissions & Fee and Test Year
نُشرت مقاييس تقييم الأقران للاعتمادية لأول مرة في الأدبيات السيكومترية عام 1961 ضمن مقال علمي محكم في مجلة علم النفس الاستشاري التابعة لجمعية علم النفس الأمريكية (American Psychological Association – APA). يُعد المقياس من الأدوات الكلاسيكية المتاحة للأغراض البحثية والأكاديمية كجزء من التراث العلمي المنشور، ولا تتطلب الاستعانة به لأغراض البحث غير التجاري دفع رسوم مالية، شريطة الالتزام بالأمانة العلمية والاقتباس الدقيق للمصدر الأصلي (Zuckerman, Levitt, & Lubin, 1961). أما في حال الرغبة في إعادة إنتاج المقياس تجارياً أو دمجه في منصات إلكترونية ربحية أو كتب اختبارات تجارية، فيجب الحصول على إذن خطي مسبق من جمعية علم النفس الأمريكية (APA) بصفتها المالكة لحقوق نشر الدورية الأصلية، والرجوع إلى أصحاب الحقوق الفكرية للمؤلفين وفق اللوائح المعمول بها.
12. المراجع / References
- Horst, P. (1949). A generalized expression for the reliability of measures. Psychometrika, 14(1), 21–31. https://doi.org/10.1007/BF02289146
- Leary, T. (1957). Interpersonal diagnosis of personality: A functional theory and methodology for personality evaluation. Ronald Press.
- Navran, L. (1954). A rationally derived MMPI scale to measure dependence. Journal of Consulting Psychology, 18(3), 192. https://doi.org/10.1037/h0062402
- Sullivan, H. S. (1953). The interpersonal theory of psychiatry. W. W. Norton & Company.
- Zuckerman, M., Levitt, E. E., & Lubin, B. (1961). Concurrent and construct validity of direct and indirect measures of dependency. Journal of Consulting Psychology, 25(4), 316–323. https://doi.org/10.1037/h0040887