1. الملخص
يُعد مقياس الازدهار الرقمي (Digital Flourishing Scale – DFS؛ Janicke-Bowles et al., 2023) أداة سيكومترية متقدمة تتألف من 25 فقرة، صُممت خصيصاً لتقييم وقياس مفهوم "الازدهار الرقمي"، والذي يُعرّف إجرائياً ونظرياً بأنه الإدراكات والتجارب الإيجابية المرتبطة بالتفاعلات الاجتماعية عبر الوسائط الرقمية، مثل منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة الفورية، وشبكات الإنترنت التفاعلية. طُوّر هذا المقياس عبر سلسلة منهجية دقيقة شملت ثلاث دراسات تجريبية وميدانية مستقلة، استهدفت معالجة فجوة مفاهيمية وبحثية بارزة في أدبيات علم النفس الإيجابي والتواصل الحاسوبي (Computer-Mediated Communication)، حيث ركزت أغلب المقاييس السابقة بشكل شبه حصري على المظاهر المرضية والسلبية كالإدمان الرقمي، والمقارنة الاجتماعية الهدامة، والقلق التواصلي، متجاهلة الجوانب البنّاءة والداعمة لجودة الحياة عبر الفضاء السيبراني.
يستند المقياس في منطلقاته الفلسفية والتطبيقية إلى نظرية تقرير المصير (Self-Determination Theory – SDT) التي صاغها إدوارد ديسي وريتشارد رايان (Deci & Ryan, 2000)، والتي تفترض أن الرفاه النفسي والازدهار الإنساني يتحققان عند إشباع الحاجات النفسية الأساسية الثلاث: الكفاءة، والاستقلالية، والانتماء. مر بناء المقياس بمراحل متعددة بدأت ببنك أولي مكوّن من 120 فقرة جرى استخلاصها من مراجعة نقدية شاملة للأدبيات ومجموعات تركيز مع شباب ويافعين، تلاها تحكيم من خبراء القياس النفسي، ومن ثم تطبيق الأداة رقمياً على عينة واسعة ممثلة ديموغرافياً للمجتمع الأمريكي من البالغين. أسفرت التحليلات العاملية الاستكشافية والتوكيدية عن بنية خماسية العوامل شديدة التماسك، تتضمن خمس فقرات لكل بُعد فرعي، وهي: الترابط الاجتماعي الرقمي (Connectedness)، والمشاركة المدنية الإيجابية (Civil Participation)، والمقارنة الاجتماعية الإيجابية (Positive Social Comparison)، والإفصاح الأصيل عن الذات (Authentic Self-Disclosure)، وضبط الذات الرقمي (Self-Control). يتم الإجابة على فقرات المقياس عبر مقياس ليكرت السباعي (من 1 = أعارض بشدة إلى 7 = أتفق بشدة). أظهرت الدراسات تمتع المقياس بخصائص سيكومترية استثنائية، حيث تراوحت معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) بين 0.73 و0.91، إضافة إلى مؤشرات مطابقة ممتازة في التحليل العاملي التوكيدي، ودلائل قوية على صدق البناء والصدق التلازمي والتقاربي مع مقاييس الرفاه والرضا عن الحياة المعيارية عالمياً.
2. الكلمات المفتاحية
الازدهار الرقمي، مقياس الازدهار الرقمي، الرفاه النفسي السيبراني، نظرية تقرير المصير، التواصل الحاسوبي، الترابط الاجتماعي، المقارنة الاجتماعية الإيجابية، الإفصاح عن الذات، الضبط الذاتي الرقمي، علم النفس الإيجابي، القياس النفسي، المشاركة المدنية، جودة الحياة الرقمية.
3. المؤلفون
تم تطوير وتوثيق مقياس الازدهار الرقمي من قبل فريق بحثي دولي متعدد التخصصات يجمع بين علم النفس التواصلي، ودراسات الإعلام والاتصال، والقياس السيكومتري:
- صوفي هـ. جانيك-بولز (Sophie H. Janicke-Bowles): قسم دراسات الاتصال، جامعة تشابمان (Chapman University)، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية. معرف أوركيد: 0000-0003-4162-3717. البريد الإلكتروني: [email protected].
- تيس م. باكلي (Tess M. Buckley): جامعة تشابمان (Chapman University)، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية. البريد الإلكتروني: [email protected].
- ريكيشي راي (Rikishi Rey): قسم الاتصال، جامعة كليمسون (Clemson University)، ساوث كارولينا، الولايات المتحدة الأمريكية. معرف أوركيد: 0000-0002-8538-2890. البريد الإلكتروني: [email protected].
- تايا فوزنياك (Tayah Wozniak): جامعة كونكورديا إيرفاين (Concordia University Irvine)، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية. معرف أوركيد: 0000-0002-5132-5660. البريد الإلكتروني: [email protected].
- أدريان ماير (Adrian Meier): قسم الاتصال، جامعة فريدريش ألكسندر إرلانغن-نورنبرغ (Friedrich-Alexander University Erlangen-Nürnberg)، ألمانيا. معرف أوركيد: 0000-0002-8191-2962. البريد الإلكتروني: [email protected].
- آنا لومانوفسكا (Anna Lomanowska): شبكة الصحة الجامعية بمستشفى تورونتو العام (Toronto General Hospital University Health Network)، تورونتو، كندا. معرف أوركيد: 0000-0003-0847-6153. البريد الإلكتروني: [email protected].
4. الغرض
يهدف مقياس الازدهار الرقمي بشكل رئيسي إلى التقاط وتقييم الإدراكات والخبرات الإيجابية الناتجة عن التفاعلات الاجتماعية عبر البيئات الرقمية المتنوعة. لعقود طويلة، انحازت الأبحاث السيكولوجية والإعلامية نحو "النموذج المرضي" للإنترنت، حيث كان التركيز منصباً على قياس التوتر التواصلي، وخوف الفقدان (FOMO)، والتنمر الإلكتروني، والسلوك الإدماني، والانعزال الاجتماعي. نشأ مقياس الازدهار الرقمي ليحدث تحولاً نموذجياً (Paradigm Shift) نحو رؤية متوازنة تعترف بأن ملايين البشر يستمدون المعنى، والمساندة الوجدانية، والنمو الشخصي، والفاعلية المجتمعية من خلال تفاعلاتهم الرقمية اليومية.
تتجلى الأهمية البحثية والإكلينيكية للمقياس في قدرته على تزويد الأكاديميين والممارسين النفسيين بأداة معيارية دقيقة تخدم أهدافاً تطبيقية واسعة، تشمل:
- التطبيقات البحثية: دراسة محددات جودة الحياة الرقمية، وفحص التأثيرات المتبادلة بين السلوك الرقمي والرفاه النفسي العام، وتقييم الفروق الفردية في استجابة الأفراد للبيئات الافتراضية، وتحليل أثر منصات التواصل الاجتماعي الجديدة على صحة المراهقين والبالغين عبر تصاميم بحثية طولية ومستعرضة.
- التطبيقات الإكلينيكية والإرشادية: يمكن للمعالجين النفسيين والمستشارين التربويين استخدام المقياس في تقييم أنماط استخدام العميل للتكنولوجيا. بدلاً من توجيه التوصية الساذجة بـ "الديتوكس الرقمي" أو الامتناع الكامل، يساعد المقياس في تحديد مكامن القوة ونقاط الضعف؛ فقد يمتلك الفرد ترابطاً اجتماعياً ممتازاً عبر الإنترنت لكنه يعاني من انعدام الضبط الذاتي لإشعارات الأجهزة، مما يوجه التدخل العلاجي (مثل العلاج المعرفي السلوكي) نحو تنظيم الوقت وحوكمة الحدود الرقمية مع الحفاظ على الشبكات الداعمة.
- تصميم الواجهات وتكنولوجيا الرفاه (Well-being Tech): الاستفادة من مؤشرات المقياس الخمسة من قِبل مطوري البرمجيات ومصممي تجربة المستخدم (UX Designers) لبناء منصات تعزز الحوار المدني، وتقلل من الإحباط المقارن، وتدعم حرية التعبير الأصيل، مما يحقق مبادئ التكنولوجيا الإنسانية الموجهة لخدمة الرفاه البشري.
5. البناء النفسي
ينطلق مفهوم الازدهار الرقمي من بنية نفسية متعددة الأبعاد تُعرّف التجربة الرقمية الإيجابية ككل متكامل لا يقتصر على مجرد غياب المشاعر السلبية، بل يتطلب وجود خمسة أبعاد نفسية وسلوكية بنائية متمايزة ومترابطة:
1. الترابط الاجتماعي الرقمي (Connectedness)
يقيس هذا البُعد مدى شعور الفرد بالانتماء، والاندماج، والدعم العاطفي والاجتماعي المتبادل ضمن مجتمعاته وشبكاته الرقمية. يعكس هذا البناء الدرجة التي يجد بها الفرد معنى وهدفاً في تفاعلاته الافتراضية، وقدرته على اللجوء إلى مجتمعه الرقمي طلباً للنصيحة المتخصصة أو المؤازرة في أوقات الأزمات، مما يحول الفضاء الرقمي إلى شبكة أمان وجدانية حقيقية وملموسة وليست مجرد اتصال سطحي عابر.
2. المشاركة المدنية الإيجابية (Civil Participation)
يركز هذا البُعد على الكفاءة التواصلية والأخلاقية للفرد أثناء الانخراط في النقاشات السياسية والاجتماعية عبر الإنترنت. يشمل ذلك القدرة على اتخاذ مواقف واضحة حيال القضايا الجوهرية بطريقة متحضرة ومحترمة، وتوصيل وجهة النظر دون الإساءة للآخرين أو إثارة استعدائهم، والاستجابة العقلانية والمتزنة حتى في حالات الاستفزاز، مع ملاءمة نبرة الحديث وسلوكيات التواصل لطبيعة الجمهور المتلقي ومستوياته الثقافية.
3. المقارنة الاجتماعية الإيجابية (Positive Social Comparison)
يختص هذا البُعد بإعادة صياغة المقارنة الاجتماعية التصاعدية (Upward Social Comparison) عبر الفضاء الرقمي. فبدلاً من أن تولد رؤية إنجازات وتجارب الآخرين مشاعر الحسد والدونية والتعاسة، يقيس هذا البُعد استخدام المحتوى الرقمي كحافز ملهم ومصدر للتعلم الذاتي. يرى الفرد ذو الازدهار الرقمي المرتفع نجاحات الآخرين كمصدر إلهام ودافع إيجابي لتطوير مهاراته، وتحديد أهداف طموحة، وإجراء تعديلات بنّاءة في مسار حياته الواقعية.
4. الإفصاح الأصيل عن الذات (Authentic Self-Disclosure)
يعبر هذا البُعد عن درجة اتساق الهوية الرقمية للفرد مع ذاته الحقيقية والواقعية. يتضمن قياس مدى ارتياح الفرد لعرض شخصيته الفعلية، وقيمه، ومشاعره الصادقة عبر شبكات التواصل، دون تزييف مفرط أو اصطناع لهويات زائفة بهدف حصد القبول الاجتماعي السطحي. يعكس هذا البناء التطابق بين الصورة الذاتية الواقعية (Offline Self) والصورة الذاتية المنشورة رقمياً (Online Self)، وهو عنصر محوري في تعزيز الصحة النفسية والحد من الاغتراب الداخلي.
5. ضبط الذات الرقمي (Self-Control)
يتناول هذا البُعد الاستقلالية التنظيمية والقدرة على حوكمة السلوك الرقمي. يقيس مدى إحساس الفرد بالسيطرة الواعية على فترات استخدامه للوسائط، وقدرته على بدء وإنهاء التفاعل في التوقيت الذي يختاره بإرادته المستقلة بدلاً من الانقياد الأعمى للإشعارات وخوارزميات الجذب الانتباهي. كما يعكس القدرة على الانفصال التام وإيقاف الاتصال عندما يشعر بالحاجة إلى الراحة واستعادة الطاقة الذهنية.
6. الإطار النظري
يقوم مقياس الازدهار الرقمي في جوهره المعرفي على نظرية تقرير المصير (Self-Determination Theory – SDT) التي أسسها كل من إدوارد ديسي وريتشارد رايان (Deci & Ryan, 1985, 2000)، وتُعد واحدة من أكثر النظريات رسوخاً في تفسير الدافعية الإنسانية والنمو النفسي وجودة الحياة الذاتية. تفترض النظرية أن البشر يمتلكون نزعة فطرية نحو التكامل النفسي والازدهار، وأن هذا الازدهار مشروط بدرجة تلبيتها لثلاث حاجات نفسية أساسية وعالمية لا غنى عنها:
1. حاجة الانتماء والارتباط (Relatedness)
وهي الرغبة الجوهرية في الشعور بالحب والاهتمام، وبناء روابط وثيقة ذات معنى، والانتماء إلى جماعة إنسانية. في بيئات التواصل الحاسوبي، استلهم المؤلفون هذه الحاجة وصاغوا على أساسها بُعد الترابط الاجتماعي (Connectedness)؛ حيث لا تُعد الشبكات الاجتماعية مجرد قنوات تقنية لنقل البيانات، بل هي مساحات علائقية تسهم -عند توظيفها الإيجابي- في توفير المساندة الاجتماعية، وتخفيف مشاعر الوحدة، وتعزيز رأس المال الاجتماعي الوجداني والمعرفي.
2. حاجة الكفاءة (Competence)
تتمثل في حاجة الفرد للشعور بالفاعلية والتمكن في بيئته، والقدرة على تحقيق نتائج مرغوبة والتغلب على التحديات ومواجهة المواقف المعقدة. تتجلى ترجمة هذه الحاجة في المقياس من خلال بُعدين رئيسيين:
- المشاركة المدنية (Civil Participation): التي تعكس الكفاءة الاجتماعية والأخلاقية في إدارة النقاشات الرقمية والتعبير عن الآراء بأسلوب متحضر دون تصعيد النزاعات أو الانجرار وراء الاستقطاب السام.
- المقارنة الاجتماعية الإيجابية (Positive Social Comparison): والتي تحول المحفزات المقارنة من مصادر للإحباط والشعور بالعجز إلى فرص تعليمية لتعزيز الكفاءة والنمو الذاتي والإنجاز الشخصي.
3. حاجة الاستقلالية (Autonomy)
وتعني إدراك الفرد لذاته كمصدر أساسي لأفعاله وقراراته وتصرفاته الحرة، بحيث تتطابق سلوكياته مع قيمه واهتماماته الذاتية دون إكراه خارجي. تنعكس هذه الحاجة في المقياس عبر:
- الإفصاح الأصيل عن الذات (Authentic Self-Disclosure): الذي يمثل الاستقلالية في التعبير والتصرف بأصالة دون ارتهان لتوقعات وضغوط الإعجابات الافتراضية.
- ضبط الذات الرقمي (Self-Control): الذي يمثل استقلالية الإرادة والسيادة الانتباهية؛ حيث يتحكم الفرد بقراره في الاتصال والانفصال عن المنصات، متحرراً من الاستتباع السلوكي الخوارزمي.
كما يتصل المقياس إبستمولوجياً بأدبيات الرفاه اليودايموني (Eudaimonic Well-Being) ونموذج كارول ريف للرفاه النفسي (Ryff, 1989)، ومفهوم الازدهار الشامل لكوري كيز (Keyes, 2002)، الذي يرى أن العافية النفسية تتجاوز مجرد المتعة اللحظية السطحية إلى تحقيق المعنى، وإدراك الذات، والمشاركة البنّاءة في المجتمع، وهو ما طبقه فريق جانيك-بولز بدقة متناهية على السلوك الرقمي المعاصر.
7. الصدق
خضع مقياس الازدهار الرقمي لبروتوكول صارم للتحقق من الأدلة السيكومترية المرتبطة بالصدق بأنواعه المختلفة، استناداً إلى بيانات تم جمعها من عينات ممثلة ديموغرافياً للبالغين في الولايات المتحدة عبر منصات الاستقصاء الميداني الإلكتروني:
صدق البناء (Construct Validity)
تم تقييم صدق البناء من خلال فحص مصفوفة ارتباطات بيرسون بين أبعاد مقياس الازدهار الرقمي ومقاييس الحاجات النفسية الأساسية الثلاث المنبثقة من نظرية تقرير المصير (الكفاءة، والانتماء، والاستقلالية). أظهرت النتائج الإحصائية ارتباطات طردية موجبة ودالة إحصائياً (p < .001) بين أبعاد المقياس (الترابط، والمشاركة المدنية، والإفصاح الأصيل، والضبط الذاتي) والحاجات الثلاث الأساسية، مما قدم دليلاً تجريبياً قاطعاً على اتساق المقياس مع أطره النظرية المؤسسة. البُعد الوحيد الذي لم يُظهر ارتباطاً دالاً بجميع الحاجات هو بُعد "المقارنة الاجتماعية الإيجابية"، حيث ارتبط بفاعلية الكفاءة كدافع للتطور دون أن يتماس بشكل مباشر مع بعدي الانتماء أو الاستقلالية بذات القدر، وهو ما يفسره المنطق النظري للبناء الفرعي الذي يركز على الدافع الإنجازي الفردي.
الصدق التلازمي والمعياري (Criterion Validity)
لفحص الصدق المرتبط بمحك خارجي ومعياري، تم تطبيق المقياس بالتزامن مع اثنين من أشهر المقاييس النفسية المعتمدة عالمياً في قياس جودة الحياة والرفاه الشخصي:
- مقياس الازدهار العام (Flourishing Scale – FS): الذي طوره إد دينر وزملاؤه (Diener et al., 2010)؛ حيث أظهرت النتائج وجود ارتباط إيجابي قوي ودال إحصائياً بين الدرجة الكلية للازدهار الرقمي والازدهار العام بمقدار (r = .412, p < .001).
- مقياس الرضا عن الحياة (Satisfaction with Life Scale – SWLS): المعد من قبل دينر وزملائه (Diener et al., 1985)؛ وسجل ارتباطاً موجباً ودالاً إحصائياً بلغ (r = .408, p < .001).
تثبت هذه الارتباطات المعيارية أن الازدهار في الفضاء الرقمي يشكل رافداً أساسياً وتجلياً حقيقياً يتقاطع بقوة مع الرضا العام عن الوجود الحياتي والازدهار الإنساني الكلي، وليست ظاهرة معزولة في الفضاء الافتراضي فحسب.
الصدق التمايزي والتقاربي (Convergent & Discriminant Validity)
أكدت تحليلات مصفوفة التباين المشترك أن العوامل الفرعية الخمسة تتميز بتباين مفسر مستقل يفصلها عن بعضها البعض، مع الحفاظ على علاقات ارتباطية بينية متوازنة ومعتدلة تؤكد أنها تعبر عن أبعاد متمايزة تنضوي تحت مظلة مفهوم واحد عام، دون وجود تداخل مفرط قد يهدد التمايز النظري للمتغيرات (Multicollinearity).
8. الثبات
أظهرت جميع المقاييس الفرعية لمقياس الازدهار الرقمي مؤشرات ثبات واتساق داخلي ممتازة ومطابقة لأعلى المعايير السيكومترية المتعارف عليها في القياس النفسي (Cronbach’s Alpha و McDonald’s Omega):
- معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ 𝛼): تراوحت معاملات ألفا لجميع الأبعاد الخمسة في مختلف عينات الدراسة بين 𝛼 = 0.73 كحد أدنى و 𝛼 = 0.91 كحد أقصى، وهي معاملات تدل على تجانس داخلي فائق واستقرار عالٍ في صياغة الفقرات دون وجود حشو أو تكرار لفظي مفرط.
- ثبات الأبعاد الفرعية:
- بُعد الإفصاح الأصيل عن الذات وبُعد المقارنة الاجتماعية الإيجابية حققا أعلى مستويات الاتساق بقيم ألفا تجاوزت 0.88 في مختلف مراحل التطبيق.
- بُعد الترابط وبُعد ضبط الذات سجلا معاملات تتراوح بين 0.82 و 0.87.
- بُعد المشاركة المدنية أظهر اتساقاً داخلياً متيناً بلغ 0.73 إلى 0.78، وهو مستوى يتجاوز معيار القبول الإحصائي الموصى به (0.70) للاستخدام في البحوث الإكلينيكية والمسحية.
- ارتباطات الفقرة بالدرجة الكلية للبُعد (Item-Total Correlations): أظهرت تحليلات الفقرات أن جميع قيم الارتباط بين كل فقرة والدرجة الكلية لبُعدها الفرعي كانت موجبة ودالة إحصائياً وتجاوزت 0.50، ولم يؤد حذف أي فقرة من الفقرات المختارة إلى زيادة تذكر في معامل ألفا الخاص بالبُعد، مما برهن على القوة التمييزية العالية لكافة الفقرات الخمس وعشرين المعتمدة.
9. التحليل العاملي
اتبع الباحثون تصميماً عاملياً دقيقاً ومرحلياً اعتمد على تقسيم العينات الكبيرة واستخدام التحليلات الاستكشافية متبوعة بالتحليلات التوكيدية لضمان أقصى درجات التحقق الإمبيريقي:
التحليل العاملي الاستكشافي (Exploratory Factor Analysis – EFA)
بدأ التحليل الاستكشافي على مجموعة أولية مصغرة تكونت من 47 فقرة منتقاة من حوض الفقرات الأولي (120 فقرة). استُخدم أسلوب المحاور الرئيسية (Principal Axis Factoring) مع التدوير المائل المباشر (Direct Oblimin Rotation)، نظراً للافتراض النظري بوجود ترابط بين أبعاد الازدهار المختلفة. أسفرت مصفوفة التدوير عن بنية عاملية تتكون بوضوح من خمسة عوامل منفصلة ذات جذور كامنة (Eigenvalues) أكبر من الواحد الصحيح، والتي نجحت في تفسير 46.53% من التباين الكلي التراكمي للبيانات، مع تشبعات نقية للفقرات على عواملها الأساسية دون تشبعات متقاطعة مربكة.
التحليل العاملي التوكيدي (Confirmatory Factor Analysis – CFA)
في المرحلة اللاحقة، تم تطبيق التحليل العاملي التوكيدي على عينة جديدة ومستقلة تماماً ممثلة للمجتمع الأمريكي، بهدف تنقية البناء العاملي وموازنة عدد الفقرات ليصبح خمس فقرات محددة لكل بُعد فرعي (إجمالي 25 فقرة). تم فحص تشبعات العوامل (Factor Loadings)، ومصفوفة التباين المشترك للخطأ، والتشبعات البينية (Cross-loadings)، مما أدى إلى حذف الفقرات الفائضة أو ذات التداخل الدلالي، واستقرار المقياس في صورته النهائية المتساوية (5 فقرات لكل عامل).
تم اختبار النموذج الخماسي المكون من 25 فقرة والمترابط كخمسة عوامل مستقلة، وأسفرت تقديرات نمذجة المعادلة البنائية باستخدام طريقة التصحيح القوي (Satorra-Bentler Robust Estimation) عن مؤشرات مطابقة فائقة الجودة تدل على انطباق تام للنموذج على البيانات الواقعية:
- مربع كاي المعدل (Satorra-Bentler corrected χ²): 357.69 (درجات الحرية df = 265, p < .001).
- مؤشر جذر متوسط مربعات الخطأ التقريبي (RMSEA-SB): 0.028 (مع فاصل ثقة 90% يتراوح بين [0.032 – 0.045]).
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI): 0.972 (والقيمة المعدلة Satorra-Bentler CFI = 0.979).
- جذر متوسط مربع البواقي المعياري (SRMR): 0.047.
أكدت هذه المؤشرات تجاوز كافة العتبات الإحصائية الصارمة المقترحة في أدبيات النمذجة (مثل معايير Hu & Bentler, 1999). كما قام الباحثون بإجراء مقارنة إحصائية بين بنية العوامل الخمسة المترابطة ونموذج العامل من الدرجة الثانية (Higher-order factor model)، وأظهرت النتائج أن نموذج العوامل الخمسة المترابطة متعددة الأبعاد يقدم ملاءمة وتطابقاً إحصائياً أفضل قليلاً وأكثر مرونة لتفسير الفروق الفردية في السلوك الرقمي مقارنة بنموذج الدرجة العليا الأحادي.
10. أداة القياس
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي أصيل / استبيان قياس نفسي متعدد الأبعاد (Original Self-Report Inventory).
- عدد الفقرات: 25 فقرة موزعة بالتساوي (5 فقرات لكل مقياس فرعي) عبر 5 أبعاد نفسية وسلوكية.
- صيغة الاستجابة: مقياس استجابة سباعي التدرج وفق طريقة ليكرت (7-point Likert Scale) تتراوح خياراته بدقة من: 1 = أعارض بشدة (Strongly disagree) إلى 7 = أتفق بشدة (Strongly agree).
- الفئات السكانية المستهدفة: البالغون من كافة الشرائح العمرية (من سن 18 عاماً فأكثر)، بما في ذلك الشباب (18-29)، ومرحلة الثلاثينيات (30-39)، ومتوسطو العمر (40-64)، وكبار السن (65-84)، والمتقدمون جداً في السن (85 عاماً فما فوق) من الذكور والإناث.
- لغة المقياس الأصلية: اللغة الإنجليزية (English).
- أسلوب التصحيح واحتساب الدرجات:
- يتم احتساب درجة كل بُعد فرعي عن طريق جمع درجات الفقرات الخمس التابعة له وتقسيمها على 5 للحصول على متوسط حسابي يتراوح بين 1 و 7 لكل بُعد، أو استخدام المجموع الخام للبُعد (من 5 إلى 35 درجة).
- يمكن احتساب درجة كلية عامة للازدهار الرقمي (Global Digital Flourishing Score) بجمع إجمالي الفقرات (المدى الإجمالي من 25 إلى 175)، أو متوسط إجمالي الفقرات؛ حيث تشير الدرجة المرتفعة إلى مستويات ازدهار ونضج تواصل ونوعية حياة رقمية استثنائية.
- الفقرات المعكوسة (Reverse-Coded Items): كافة فقرات المقياس مصاغة بصيغة إيجابية مباشرة ولا توجد فقرات معكوسة في النسخة المنشورة النهائية (ملاحظة: خضعت الفقرة الرابعة في بُعد الإفصاح الأصيل لتعديل صياغي طفيف أثناء التطوير لتكون مباشرة).
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة النشر: 2023.
- حقوق الاستخدام والأذونات: المقياس متاح للاستخدام المجاني غير التجاري في مجالات البحث العلمي والتدريس والتقييم الإكلينيكي والاسترشادي الأكاديمي، تحت مظلة رخصة المشاع الإبداعي الدولية (Creative Commons Attribution 4.0 International License – CC BY 4.0).
- الرسوم: لا توجد أي رسوم مالية على الإطلاق (أداة قياس مجانية ومفتوحة المصدر Open Access).
- المحددات التجارية: يُحظر بيع المقياس أو إعادة دمجه في منصات أو برمجيات تجارية ربحية دون الحصول على إذن خطي صريح من مؤلفي المقياس وحاملي حقوق النشر.
12. المراجع
- Deci, E. L., & Ryan, R. M. (1985). Intrinsic motivation and self-determination in human behavior. Plenum Press. https://doi.org/10.1007/978-1-4899-2271-7
- Deci, E. L., & Ryan, R. M. (2000). The "what" and "why" of goal pursuits: Human needs and the self-determination of behavior. Psychological Inquiry, 11(4), 227–268. https://doi.org/10.1207/S15327965PLI1104_01
- Diener, E., Emmons, R. A., Larsen, R. J., & Griffin, S. (1985). The Satisfaction With Life Scale. Journal of Personality Assessment, 49(1), 71–75. https://doi.org/10.1207/s15327752jpa4901_13
- Diener, E., Wirtz, D., Tov, W., Kim-Prieto, C., Choi, D. W., Oishi, S., & Biswas-Diener, R. (2010). New well-being measures: Short scales to assess flourishing and positive and negative feelings. Social Indicators Research, 97(2), 143–156. https://doi.org/10.1007/s11205-009-9493-y
- Hu, L. T., & Bentler, P. M. (1999). Cutoff criteria for fit indexes in covariance structure analysis: Conventional criteria versus new alternatives. Structural Equation Modeling: A Multidisciplinary Journal, 6(1), 1–55. https://doi.org/10.1080/10705519909540118
- Janicke-Bowles, S. H., Buckley, T. M., Rey, R., Wozniak, T., Meier, A., & Lomanowska, A. (2023). Digital flourishing: Conceptualizing and assessing positive perceptions of mediated social interactions. Journal of Happiness Studies, 24(3), 1013–1035. https://doi.org/10.1007/s10902-023-00619-5
- Keyes, C. L. M. (2002). The mental health continuum: From languishing to flourishing in life. Journal of Health and Social Behavior, 43(2), 207–222. https://doi.org/10.2307/3090197
- Ryff, C. D. (1989). Happiness is everything, or is it? Explorations on the meaning of psychological well-being. Journal of Personality and Social Psychology, 57(6), 1069–1081. https://doi.org/10.1037/0022-3514.57.6.1069