1. الملخص
يُمثّل مقياس الخوف من السعادة (Fear of Happiness Scale – FHS) إحدى أبرز الأدوات السيكومترية المعاصرة التي طوّرها عالم النفس الإيراني محسن جوشانلو (Mohsen Joshanloo) عام 2013، بهدف تقييم البنية المعرفية القائمة على الاعتقاد بأن الشعور بالسعادة والابتهاج يترتب عليه بالضرورة حدوث عواقب وخيمة أو مصائب لاحقة. نشأ هذا المقياس استجابةً للقصور المنهجي والنظري في أدبيات علم النفس الإيجابي الغربي، الذي افترض لعقود طويلة عالمية الرغبة في تعظيم السعادة واختبار الانفعالات الإيجابية دون قيد أو شرط.
يتألف المقياس من خمس فقرات موجزة تعتمد بنية أحادية البُعد، ويُجاب عنها عبر مقياس ليكرت السباعي المتدرج من (1 = أعارض بشدة) إلى (7 = أوافق بشدة). يتمتع المقياس بخصائص سيكومترية متقدمة أثبتتها الدراسات العابرة للثقافات، حيث تم التحقق من صدقه وثباته وبنيته العاملية عبر عينات تمثل أكثر من 14 دولة تنتمي لخلفيات جغرافية وثقافية ودينية متباينة. أظهرت النتائج اتساقاً داخلياً مرتفعاً، إذ تراوحت قيم معامل ألفا كرونباخ بين 0.70 و0.87، فضلاً عن تحقيقه لثبات التكافؤ عبر الثقافات (Measurement Invariance) بمستوياته البنائية والقياسية، مما يجعله أداة قياسية فائقة الكفاءة في البحوث السيكولوجية والإكلينيكية العابرة للثقافات.
2. الكلمات المفتاحية
مقياس الخوف من السعادة، تجنب السعادة، محسن جوشانلو، علم النفس الثقافي، الرفاهية الذاتية، القياس النفسي، التحليل العاملي التوكيدي، الاتساق عبر الثقافات، الانفعالات الإيجابية، المعتقدات المعرفية، الرضا عن الحياة، شيروفوبيا.
3. المؤلفون
طُوِّر المقياس أساساً بواسطة:
- د. محسن جوشانلو (Mohsen Joshanloo): أستاذ مشارك في علم النفس، قسم علم النفس، جامعة كيونغ ميونغ (Keimyung University)، دايغو، كوريا الجنوبية؛ وباحث شرفي في مركز أبحاث الرفاهية التابع لجامعة فيكتوريا في ويلينغتون (Victoria University of Wellington)، نيوزيلندا. البريد الإلكتروني الأكاديمي: [email protected].
وقد شارك في دراسة التحقق العابر للثقافات (2014) فريق بحثي دولي موسع، من بينهم: ز. خ. ليبشوكوفا (موسكو)، ت. بانيوشيفا، أ. ناتاليا، و. س. بون، ف. و. يونغ، س. سوندارام، م. العشوي، ر. أسانو، ت. إيغاراشي، س. تسوكاموتو، م. رضوان، إ. أ. خيلجي، م. س. فيريرا، ج. س. بانغ، ل. س. هو، غ. هان، ج. باي، ود. جيانغ، ممثلين لمؤسسات أكاديمية رائدة في البرازيل، الصين، الهند، إيران، اليابان، كوريا الجنوبية، ماليزيا، نيجيريا، باكستان، روسيا، المملكة العربية السعودية، سنغافورة، تايوان، والولايات المتحدة.
4. الغرض
يهدف مقياس الخوف من السعادة إلى قياس المعتقدات الفردية والثقافية التي تنظر إلى السعادة، لاسيما في حالاتها القصوى أو الفائقة، بوصفها حالة خطرة قد تستجلب سوء الحظ أو تؤدي إلى كوارث وانقلابات سلبية في الحياة. نشأ المقياس لمعالجة الفجوة النظرية التي نتجت عن تعميم النماذج الغربية الفردية في السعادة؛ إذ ينطلق علم النفس الغربي الكلاسيكي من فرضية تفيد بأن السعادة غاية قصوى يسعى الجميع لبلوغها دون أدنى تردد. ومع ذلك، تُظهر الأدبيات الأنثروبولوجية والنفسية أن العديد من المجتمعات الإنسانية تنظر بتوجس وريبة إلى الفرح المفرط.
تتعدد التطبيقات البحثية والإكلينيكية لهذا المقياس في مجالات متنوعة:
- التطبيقات الإكلينيكية: يُسهم المقياس في تفسير استجابات كبح الانفعالات الإيجابية (Dampening Positive Emotions)، وظواهر التخريب الذاتي (Self-Sabotage)، والانحسار الوجداني، ومقاومة التدخلات العلاجية القائمة على تعزيز السعادة لدى مرضى الاكتئاب الجسيم واضطراب القلق العام. إذ يُدرك العميل السعادة كـ”إشارة إنذار” تدل على اقتراب الصدمة.
- التطبيقات البحثية: يُستخدم المقياس كمتغير وسيط أو مُعدِّل (Mediator/Moderator) في دراسات الرفاهية الذاتية، وجودة الحياة، والتنبؤ الوجداني (Affective Forecasting)، وتأثير المعتقدات الثقافية والدينية على تقدير الذات والرضا عن الحياة.
5. البناء النفسي
يستند المقياس إلى مفهوم النفور من السعادة (Aversion to Happiness)، وتحديداً ذلك البُعد المعرفي المتمثل في “الخوف التوقعي من السعادة”. لا يُشير البناء النفسي هنا إلى انعدام القدرة على تجربة المتعة (Anhedonia) أو الحزن المزمن، بل يُعبّر عن نظام من المعتقدات التوقعية القائمة على فكرة أن المشاعر الإيجابية العارمة تستتبع حتماً انحداراً مأساوياً.
ينطوي البناء النفسي للمقياس على مفاهيم ومحددات رئيسية تشمل:
- التوقع السببي للضرر: الاعتقاد بوجود ارتباط شرطي أو سببي غيبي بين اختبار الفرح وحدوث الشرور؛ كأن يرى الفرد أن السعادة تُعطّل التيقظ الدفاعي وتجعل المرء عرضة للمصائب.
- تفضيل الاعتدال الوجداني: الامتناع المتعمد عن التعبير عن الفرح الغامر أو الاستمتاع التام به خوفاً من وطأة الحزن الذي يليه (مثل العبارة: “أفضّل ألا أكون في غاية الفرح، لأن الفرح غالباً ما يعقبه الحزن”).
- المعتقدات الجبرية والقدرية: التصور بأن الحظ الجيد يستهلك رصيد الإنسان من الأمان، مما يستدعي عقاباً قدرياً لإعادة التوازن الكوني، وهو ما يتقاطع مع المفهوم الشعبي للحسد (Evil Eye) أو رد الفعل الكوني المعاكس في بعض الثقافات.
6. الإطار النظري
يتأصل المقياس في نظريات علم النفس الثقافي والنظريات المعرفية في تنظيم الانفعال. استند جوشانلو في أطروحته النظرية إلى مقارنة جذرية بين الفلسفات الغربية والشرقية:
في الفلسفة الغربية، المتأثرة بالأرسطية ونزعة المتعة (Hedonism) وعصر التنوير، يُنظر إلى السعادة كقيمة جوهرية غير مشروطة وحق فردي أصيل. بالمقابل، تستند التقاليد الفكرية الشرقية—كالطاوية، والبوذية، والهندوسية—إلى مفهوم الثنائية الجدلية (Dialecticism) والاعتماد المتبادل؛ حيث يُنظر إلى الكون ككيان ديناميكي خاضع لمبدأ التغير الدائم (Yin and Yang)، حيث يحتوي الفرح في طياته بذور الحزن، ويُفضي الاستقطاب الانفعالي الحاد إلى اضطراب التوازن الكوني والروحي.
وعلاوة على ذلك، تستند الخلفيات النظرية إلى الثقافة الإسلامية والمسيحية التقليدية وبعض الثقافات السلافية التي تؤكد على الحذر من الإفراط في الفرح الزائل، وتعتبر الكبح الانفعالي وسيلة لحماية النفس من الغرور أو استجلاب غضب القدر. صُممت فقرات المقياس لتجسيد هذا الإطار الجدلي عبر صياغات تقيس الأثر العكسي المتوقع للمشاعر السارة، مما يمكّن الباحثين من قياس هذا المعتقد بوصفه سمة معرفية ثابتة نسبياً تؤثر على السلوك اليومي ومعالجة المعلومات الوجدانية.
7. الصدق
خضع مقياس الخوف من السعادة لاختبارات تجريبية صارمة للتحقق من صدقه الإحصائي والنظري عبر بيئات ثقافية متعددة:
الصدق البنائي والتقاربي (Construct and Convergent Validity)
أظهرت دراسات جوشانلو (2013، 2014) ارتباطاً سالباً دالاً إحصائياً بين مقياس الخوف من السعادة ومقاييس الرضا عن الحياة (SWLS)، حيث تراوحت معاملات الارتباط بين (-0.25) و(-0.50) عبر عينات مختلفة. كما ارتبط المقياس إيجابياً وبشكل دال بكل من: العصابية (Neuroticism)، وأعراض الاكتئاب، والقلق، وتفضيل كبح المشاعر الإيجابية، مما يؤكد قدرته على رصد التوجهات المعرفية السلبية المرتبطة بخلل التنظيم الانفعالي.
الصدق التمايزي (Discriminant Validity)
أثبتت نتائج التحليل العاملي التوكيدي متعدد المجموعات أن درجات مقياس الخوف من السعادة تنفصل بوضوح عن درجات القلق العام والاكتئاب والتشاؤم، مما يُبرهن على أنه يقيس بناءً نفسياً مستقلاً بذاته وليس مجرد انعكاس للمزاج السلبي العام.
الصدق العابر للثقافات (Cross-Cultural Invariance)
في الدراسة المعيارية الكبرى لعام 2014 التي شملت 2,715 مشاركاً من 14 دولة، حقق المقياس صدق التكافؤ الشكلي (Configural Invariance) وصدق التكافؤ المتري (Metric Invariance)، مما يُثبت أن الفقرات تفهم بنفس الطريقة وتتمتع بنفس الأوزان العاملية عبر الثقافات الفردية والجمعية على حد سواء.
8. الثبات
أظهر المقياس مستويات رفيعة وموثوقة من الاتساق الداخلي عبر العديد من البيئات الجغرافية:
- معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha): بلغ معامل الثبات الكلي في العينة الأصلية المطورة في إيران 0.81. وفي الدراسة الدولية المقارنة (Joshanloo et al., 2014)، تراوح معامل ألفا بين 0.70 (في ماليزيا وكوريا الجنوبية) و0.87 (في البرازيل وإيران وروسيا).
- معامل أوميغا ماكدونالد (McDonald’s Omega): أكدت الدراسات اللاحقة أن قيم معامل أوميغا تتجاوز 0.82، مما يعكس اتساقاً تركيبياً متيناً لا يتأثر بطول المقياس القصير.
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت الاختبارات المطبقة بفاصل زمني قدره أربعة أسابيع استقراراً زمنياً ملحوظاً بمعامل ثبات بلغ r = 0.76، مما يؤكد استقرار المعتقد المعرفي عبر الزمن لدى الأفراد.
9. التحليل العاملي
أُجريت تحليلات عاملية استكشافية (EFA) وتوكيدية (CFA) مكثفة لتقييم البنية العاملية للمقياس:
التحليل العاملي الاستكشافي (EFA)
أظهر استخراج العوامل عبر طريقة المحاور الأساسية وتحليل المكونات الرئيسية وجود عامل أحادي مهيمن (Single-Factor Structure) ذي جذر كامن (Eigenvalue) يتجاوز 2.8، مفسراً ما يزيد عن 55% إلى 65% من التباين الكلي في استجابات الأفراد عبر مختلف الثقافات، مع هبوط حاد في قيمة الجذر الكامن للعامل الثاني (أقل من 0.70)، مما يدعم الأحادية المطلقة للبناء.
التحليل العاملي التوكيدي (CFA)
أظهر نموذج العامل الواحد مؤشرات مطابقة ممتازة عبر العينات الدولية:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI) > 0.96
- مؤشر توكر-لويس (TLI) > 0.95
- جذر متوسط مربعات خطأ التقريب (RMSEA) < 0.06 (بفاصل ثقة 90% يتراوح بين 0.03 و0.07)
- جذر متوسط المربعات المتبقية القياسي (SRMR) < 0.04
تراوحت التشبعات العاملية للفقرات (Factor Loadings) على العامل الأحادي بين 0.61 و0.85، وهي تشبعات قوية جداً تدل على نقاء المؤشرات وارتباطها الوثيق بالمتغير الكامن.
10. أداة القياس
تتميز أداة القياس بالمواصفات الفنية التالية:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Questionnaire).
- التنسيق: مقياس أحادي البُعد مكون من عبارات إقرارية تُعرض بصيغة ورقية أو رقمية موحدة.
- عدد الفقرات: 5 فقرات فقط.
- مقياس الاستجابة: مقياس ليكرت سباعي النقاط (7-point Likert Scale) يتدرج كالتالي:
- 1 = أعارض بشدة (Strongly disagree)
- 2 = أعارض نوعاً ما (Somewhat disagree)
- 3 = أعارض قليلاً (A little disagree)
- 4 = لا أتفق ولا أعارض (Neither Agree or Disagree)
- 5 = أوافق قليلاً (A little agree)
- 6 = أوافق نوعاً ما (Somewhat agree)
- 7 = أوافق بشدة (Strongly agree)
- طريقة التصحيح: يتم احتساب الدرجة الكلية عن طريق جمع درجات الفقرات الخمس (تتراوح الدرجة الخام بين 5 و35)، أو عن طريق حساب المتوسط الحسابي للفقرات (بين 1 و7). تشير الدرجة المرتفعة إلى مستويات أعلى من الخوف من السعادة وتجنبها.
- الفقرات المعكوسة: لا توجد فقرات معكوسة؛ جميع الفقرات مصوغة ومصححة في الاتجاه المباشر للبناء.
- زمن التطبيق: يتراوح بين دقيقة واحدة ودقيقتين تقريباً نظراً لاختصار المقياس وسهولته.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر المقياس رسمياً لأول مرة في عام 2013 من قِبل الدكتور محسن جوشانلو، ثم خضع لدراسة الصدق العالمية في عام 2014. يُعد المقياس من الأدوات المتاحة مجاناً للأغراض الأكاديمية والبحثية والتعليمية غير الربحية دون الحاجة إلى دفع أي رسوم مادية أو شراء حقوق، شريطة الالتزام بالأمانة العلمية وتوثيق الأداة بالرجوع إلى أبحاث المؤلف الأصلية. أما بالنسبة للاستخدامات التجارية، أو إدراج المقياس ضمن تطبيقات ربحية، فيتطلب الأمر الحصول على إذن خطي مسبق من المؤلف الأصلي والناشرين (Elsevier / SAGE Publications).
12. المراجع
- Joshanloo, M. (2013). The influence of fear of happiness beliefs on responses to the satisfaction with life scale. Personality and Individual Differences, 54(5), 647–651. https://doi.org/10.1016/j.paid.2012.11.011
- Joshanloo, M., Lepshokova, Z. Kh., Panyusheva, T., Natalia, A., Poon, W. C., Yeung, V. W., Sundaram, S., Achoui, M., Asano, R., Igarashi, T., Tsukamoto, S., Rizwan, M., Khilji, I. A., Ferreira, M. C., Pang, J. S., Ho, L. S., Han, G., Bae, J., & Jiang, D. (2014). Cross-cultural validation of the Fear of Happiness Scale across 14 national groups. Journal of Cross-Cultural Psychology, 45(2), 246–264. https://doi.org/10.1177/0022022113505357
- Joshanloo, M., & Weijers, D. (2014). Aversion to happiness: A culturally situated phenomenon. Journal of Happiness Studies, 15(3), 717–735. https://doi.org/10.1007/s10902-013-9459-4
- Gilbert, P., McEwan, K., Gibbons, L., Chotai, S., Duarte, J., & Matos, M. (2012). Fears of compassion and happiness in relation to vulnerability to depression and self-criticism. British Journal of Clinical Psychology, 51(3), 239–255. https://doi.org/10.1111/j.2044-8260.2011.02022.x