1. الملخص
يُمثّل مقياس الهوية الجندرية (الذكورة) أداة سيكومترية متقدمة مُصممة لتقييم الدرجة التي يُدرك بها الفرد ذاته ممتلكاً لسمات شخصية وسلوكية تُصنّف تقليدياً واجتماعياً ضمن نطاق الذكورة (Masculinity). يستند هذا المقياس في أصوله المفاهيمية إلى النموذج الثوري الذي أرسته عالمة النفس ساندرا بيم (Sandra Bem, 1974) عبر قائمة بيم للأدوار الجندرية (Bem Sex-Role Inventory – BSRI)، والتي تم تكييفها وتطويرها لاحقاً في سياقات سلوك المستهلك وعلم النفس الاجتماعي بواسطة بيني باراك وباربرا ستيرن (Barak & Stern, 1985/1986) لدراسة تطابق الأدوار الجندرية وتأثيرها على أنماط التفاعل الاجتماعي وسلوكيات معالجة الإعلانات والقرارات الاستهلاكية.
يتألف المقياس من صيغة متعددة الفقرات مبنية وفق مقياس ليكرت متدرج، حيث يُطلب من المستجيب تحديد مدى انطباق مجموعة من الصفات النمطية للذكورة (مثل الاستقلالية، والحزم، والقدرة على القيادة، والمجازفة، والاعتماد على الذات) على مفهومه الذاتي. يتميز المقياس بخصائص سيكومترية ممتازة تم التحقق منها عبر مجتمعات بحثية متباينة؛ إذ تتراوح معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) لبُعد الذكورة عادةً بين 0.80 و0.90، مع استقرار عالٍ عبر الزمن أثبتته اختبارات الإعادة. علاوة على ذلك، أظهرت دراسات التحليل العاملي الاستكشافي والتأكيدي استقلالاً بنيوياً واضحاً لبُعد الذكورة عن بُعد الأنوثة، مما يدعم نظرية ثنائية الأبعاد (Androgyny Model) في مقابل النماذج التقليدية أحادية القطب.
2. الكلمات المفتاحية
الهوية الجندرية، الذكورة، مقياس بيم للأدوار الجندرية، ساندرا بيم، بيني باراك، القياس النفسي، سمات الشخصية، السلوك الاستهلاكي، صدق البناء، الاتساق الداخلي.
3. المؤلفون
تم تطوير الأسس النظرية والمقاييس الأولية للهوية الجندرية وتكييفها عبر مساهمات بارزة من باحثين رائدين في مجالي علم النفس الاجتماعي وسلوك المستهلك:
- د. ساندرا روث ليبسيتز بيم (Sandra Lipsitz Bem, 1944–2014): أستاذة علم النفس والدراسات النسوية في جامعة كورنيل (Cornell University)، الولايات المتحدة الأمريكية. تُعد الرائدة في صياغة مفهوم الخنوثة النفسية (Psychological Androgyny) ومطورة مقياس BSRI الشهير.
- د. بيني باراك (Benny Barak): أستاذ التسويق وسلوك المستهلك بكلية باروخ، جامعة مدينة نيويورك (Baruch College, City University of New York). ركّزت أبحاثه على الهوية العمرية والجندرية وتأثيراتها المعرفية وسلوك المستهلك.
- د. باربرا ب. ستيرن (Barbara B. Stern, 1941–2009): أستاذة بارزة في التسويق في جامعة روتجرز (Rutgers University)، الولايات المتحدة الأمريكية، والمتخصصة في النقد الأدبي وتطبيقات نظرية الجندر في دراسات الاتصال الإعلاني وسلوك المستهلك.
4. الغرض
يهدف مقياس الهوية الجندرية (الذكورة) إلى قياس المدى الذي يدمج فيه الأفراد الصفات والسلوكيات المرتبطة نمطياً بالذكورة ضمن مخططهم المعرفي للذات (Self-Schema). لا ينظر المقياس إلى الذكورة كخاصية بيولوجية ترتبط حصرياً بالذكور، بل كبناء نفسي واجتماعي واعي يمكن أن يتبناه أي فرد بغض النظر عن جنسه البيولوجي المحدد عند الولادة.
في المجال الإكلينيكي والنفسي، يُستخدم المقياس لتقييم صراعات الأدوار الجندرية، وفهم آليات التكيف النفسي، وتحديد مدى مرونة الفرد السلوكية. تشير الأدبيات النفسية الإكلينيكية إلى أن التمسك الصارم أو المتصلب بالمعايير الذكورية النمطية (Hegemonic Masculinity) قد يرتبط بمشكلات في التعبير الانفعالي، وارتفاع مستويات التوتر، وتجنب طلب المساعدة الطبية أو النفسية. في المقابل، يرتبط امتلاك سمات الذكورة الإيجابية (مثل الفاعلية الذاتية والمرونة والقدرة على حل المشكلات) بمستويات مرتفعة من تقدير الذات وانخفاض في حدة أعراض الاكتئاب.
أما في النطاق البحثي وسلوك المستهلك ودراسات الاتصال والإعلان، فإن الغرض الجوهري من مقياس باراك وستيرن (1985/1986) يتمثل في فحص الكيفية التي توجه بها الهوية الجندرية إدراك الرسائل الإعلانية، وتفضيل العلامات التجارية، واستهلاك المنتجات. فالأفراد الذين يحققون درجات مرتفعة على بُعد الذكورة يُبدون استجابات معرفية وعاطفية مختلفة تجاه المحفزات الإعلانية التي تعكس القوة والتنافسية والفاعلية مقارنة بأقرانهم ذوي الدرجات المنخفضة، مما يمنح المقياس فائدة تطبيقية واسعة في أبحاث السوق والتسويق الاجتماعي وصياغة الحملات الإعلامية الموجهة.
5. البناء النفسي
يرتكز البناء النفسي لمقياس الهوية الجندرية (الذكورة) على مفهوم السمات الذكورية الفاعلة (Instrumental / Agentic Traits) المستمدة من تصنيفات علم النفس الاجتماعي للشخصية (Parsons & Bales, 1955). يتضمن هذا البناء ثلاثة أبعاد رئيسية متفاعلة تُترجم إلى بنود قابلة للقياس الكمي:
1. الفاعلية والحزم (Agency and Assertiveness)
يُعبر هذا البُعد عن نزوع الفرد نحو اتخاذ المبادرة، والتصرف بقوة وحسم، والقدرة على توجيه الآخرين. يعكس الأفراد الذين يسجلون درجات عالية في هذا البُعد ثقةً بالغة في قدراتهم القيادية، وميلاً لإبداء الرأي بوضوح والدفاع عن المعتقدات الشخصية حتى في وجود معارضة اجتماعية قوية. من الصفات الدالة على هذا البُعد: الحزم، والقدرة على القيادة، والشخصية القوية، والميل للتنافسية.
2. الاستقلالية والاعتماد على الذات (Autonomy and Self-Reliance)
يقيس هذا البُعد درجة شعور الفرد بالاكتفاء الذاتي وقدرته على اتخاذ القرارات المصيرية بمعزل عن الضغوط الخارجية أو الحاجة إلى دعم المحيطين. يشمل ذلك الثبات الانفعالي، والقدرة على مواجهة التحديات والمواقف الضاغطة دون ارتباك. يتجلى هذا البُعد في سمات مثل: الاكتفاء الذاتي، والاستقلالية، وعدم التأثر السريع بآراء الآخرين، والشجاعة في اتخاذ القرارات الفردية.
3. التنافسية والمخاطرة (Competitiveness and Risk-Taking)
يتناول هذا البُعد استعداد الفرد لخوض التجارب غير المأمونة، والسعي المستمر للتفوق، والتعامل مع التحديات بوصفها فرصاً لإثبات الكفاءة الفردية. يرتبط هذا المكون بدافعية الإنجاز العالية ومقاومة مشاعر العجز. من السمات الممثلة لهذا الجانب: الاستعداد للمخاطرة، والميل للتحدي، والرغبة المستمرة في الفوز.
6. الإطار النظري
يندرج المقياس تحت مظلة نظرية المخطط الجندري (Gender Schema Theory) التي صاغتها ساندرا بيم عام 1981، والمبنية على تقاطع علم النفس المعرفي مع علم النفس التطوري والاجتماعي. قبل أعمال بيم، كانت النماذج السيكومترية التقليدية (مثل مقياس مينيسوتا متعدد الأوجه للشخصية MMPI) تفترض أن الجندر مفهوم أحادي القطب (Unidimensional Bipolar)؛ أي أن الفرد إما أن يكون ذكورياً أو أنثوياً، وأن زيادة أحدهما تعني حتماً نقصان الآخر.
قامت بيم برفض هذا الافتراض، مؤكدة أن الذكورة والأنوثة بُعدان مستقلان تماماً (Orthogonal Dimensions)؛ حيث يمكن للفرد أن يمتلك مستويات مرتفعة من كليهما (الخنوثة النفسية / Androgyny)، أو مستويات منخفضة من كليهما (غير المتمايز / Undifferentiated)، أو مستويات عالية من بُعد واحد فقط (متطابق جندرياً / Sex-Typed). وبناءً على ذلك، يتم تعريف الذكورة كـ “مخطط معرفي” (Cognitive Schema) ينظم الفرد من خلاله إدراكه لنفسه وللعالم.
قام باراك وستيرن (Barak & Stern, 1985/1986) بالبناء على هذه الخلفية النظرية لنقل المفهوم إلى مجال الاتصال التسويقي وسلوك المستهلك. افترض الباحثان أن “العمر الإدراكي” و”الجندر النفسي الإدراكي” يمثلان محددات أقوى للسلوك البشري من المؤشرات الديموغرافية والبيولوجية الصماء. وجّهت هذه النظرية صياغة بنود المقياس بحيث تستبعد الأنشطة السلوكية المرتبطة بالعصر أو الثقافة المادية البحتة، وتركز حصرياً على السمات المعرفية-الشخصية المستقرة التي تعكس التوجه نحو الفعل والإنجاز والقوة الشخصية.
7. الصدق
خضع مقياس الهوية الجندرية (الذكورة) لعمليات تدقيق سيكومترية مكثفة أثبتت تمتع الأداة بمؤشرات صدق قوية عبر بيئات متعددة:
- صدق البناء (Construct Validity): أكدت الدراسات الارتباطية أن درجات بُعد الذكورة ترتبط ارتباطاً موجباً مع مقاييس تقدير الذات (Rosenberg Self-Esteem Scale)، والفاعلية الذاتية العامة (General Self-Efficacy)، وتوجهات الفاعلية (Agentic Orientation)، مما يدعم صدق المفهوم كما حددته الأطر النظرية.
- الصدق التمايزي (Discriminant Validity): أظهرت نتائج التحليلات أن معامل الارتباط بين بُعد الذكورة وبُعد الأنوثة يقترب من الصفر في العينات الكبيرة (تراوحت قيم r بين -0.05 و0.12، وهي قيم غير دالة إحصائياً)، مما يثبت استقلالية البُعدين وعدم تداخلهما المفهومي.
- الصدق التقاربي (Convergent Validity): أظهر المقياس ارتباطات مرتفعة ودالة إحصائياً (r تتراوح بين 0.68 و0.82، p < 0.001) مع مقاييس الذكورة الأخرى مثل مقياس التوجّه نحو السمات الشخصية (PAQ) الذي طوره سبنس وهيلمريتش.
- الصدق التنبؤي (Predictive Validity): في دراسة باراك وستيرن (1985/1986)، تنبأت درجات الهوية الجندرية الذكورية بنجاح باستجابات المستهلكين نحو الشخصيات الإعلانية التي تمثل أدواراً قيادية وحاسمة، فضلاً عن تفضيل المنتجات المرتبطة بالمخاطرة والنشاط البدني والاستقلالية.
8. الثبات
أظهرت التقييمات السيكومترية لمقياس الهوية الجندرية (الذكورة) مستويات متميزة من الثبات والاتساق الداخلي عبر العديد من العينات:
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): سجل معامل ألفا كرونباخ (Cronbach's Alpha) لبُعد الذكورة قيماً تراوحت بين 0.82 و0.89 في الدراسات المعيارية، مما يعكس تجانساً عالياً بين الفقرات وقدرتها المشتركة على قياس البناء المستهدف دون تشتت.
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت الدراسات التتبعية استقراراً ملحوظاً للدرجات عبر فترات زمنية تراوحت بين أربعة أسابيع وستة أشهر؛ حيث بلغت معاملات الاستقرار (r) قيماً تراوحت بين 0.78 و0.90 بين مجاميع الذكور والإناث، مما يبرهن على أن المقياس يقيس سمات هوياتية مستقرة نسبياً وليس حالات مزاجية عابرة.
- الاتساق بين الشطرين (Split-Half Reliability): بلغت معاملات جوتمان وثبات التجزئة النصفية المصححة بمعادلة سبيرمان-براون قيماً تجاوزت 0.84 في معظم العينات الاستكشافية.
9. التحليل العاملي
أكدت نتائج التحليل العاملي الاستكشرافي (EFA) والتحليل العاملي التوكيدي (CFA) عبر عقود من التطبيق الهيكل العاملي للمقياس:
في دراسات التحليل العاملي الاستكشافي باستخدام تدوير فاريماكس (Varimax Rotation) أو برولوماكس (Promax Rotation)، تشبّعت بنود مقياس الذكورة على عامل عام مستقل بنسب تشبع تجاوزت في معظمها 0.50، مع انخفاض واضح في التشبعات المتقاطعة (Cross-loadings) على عوامل الأنوثة أو المرغوبية الاجتماعية، حيث لم تتعدَّ 0.20 في معظم التحليلات المتزنة.
أما في نماذج التحليل العاملي التوكيدي (CFA)، فقد أظهر النموذج أحادي العامل لبُعد الذكورة (أو النموذج ثنائي العامل المتعامد الذي يضم الذكورة والأنوثة بشكل منفصل) مؤشرات مطابقة جيدة جداً للبيانات الميدانية:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI) > 0.92
- مؤشر تكر-لويس (TLI) > 0.90
- جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA) < 0.06 (بفاصل ثقة 90% يتراوح بين 0.045 و0.071)
- الجذر التربيعي لمتوسط مربع البواقي القياسي (SRMR) < 0.05
أكدت هذه المؤشرات أن التكوين المفاهيمي للذكورة يمثل بنية كامنة متميزة ذات دلالة إحصائية وبنائية مستقرة وقابلة للتكرار عبر الثقافات المختلفة مع بعض التكييف اللغوي الطفيف للسمات.
10. أداة القياس
تتضمن الخصائص الإجرائية لأداة القياس الجوانب الفنية التالية:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Instrument) يقيس السمات الشخصية النفسية المرتبطة بالأدوار الجندرية.
- التنسيق: استبيان ورقي أو إلكتروني مكوّن من قائمة صفات أو سمات سلوكية.
- عدد الفقرات: يتراوح عدد الفقرات المخصصة لبُعد الذكورة بين 8 و20 فقرة بحسب النسخة المعتمدة (النسخة الكاملة من BSRI تتضمن 20 فقرة للذكورة، والنسخة المختصرة تضم 10 فقرات، في حين استخدم باراك وستيرن صيغاً مكيفة تضم الفقرات الأكثر ملاءمة لدراسات المستهلك).
- مقياس الاستجابة: مقياس ليكرت متدرج من 5 إلى 7 نقاط، تتراوح خياراته عادةً من (1 = لا تنطبق عليّ أبداً / Never or almost never true) إلى (7 = تنطبق عليّ تماماً دائماً / Always or almost always true).
- طريقة التصحيح: يتم جمع درجات المستجيب على جميع فقرات بُعد الذكورة وحساب المتوسط الحسابي عبر قسمة المجموع على عدد الفقرات. تشير الدرجات المرتفعة إلى تطابق عالٍ مع المخطط الجندري الذكوري.
- الفقرات المعكوسة: تُصاغ جميع بنود بُعد الذكورة عادةً باتجاه إيجابي ومباشر للسمة دون وجود فقرات معكوسة الصياغة، وذلك للحفاظ على الوضوح المعرفي لصفات الفاعلية المستهدفة وتقليل خطأ القياس.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
تم إرساء الأسس السيكومترية الأولى للمقياس عبر أبحاث ساندرا بيم المنشورة عام 1974، ثم جرى تكييف مقاييس الهوية الجندرية في سياقات أبحاث سلوك المستهلك والإعلان من قِبل بيني باراك وباربرا ستيرن في دراستهما المنشورة عام 1985/1986.
حقوق الملكية والاستخدام: النسخة الأصلية الكاملة من قائمة بيم للأدوار الجندرية (Bem Sex-Role Inventory – BSRI) محمية بحقوق النشر لصالح مؤسسة Mind Garden, Inc. ويتطلب استخدامها في الأغراض التجارية أو بعض التطبيقات الإكلينيكية شراء التراخيص الرسمية ودفع الرسوم المقررة. ومع ذلك، فإن النماذج الأكاديمية والبنود المشتقة المنشورة في المجلات العلمية المحكمة (مثل أبحاث باراك وستيرن، 1985) متاحة للأغراض البحثية غير الربحية والتعليمية في حدود الاستشهاد الأكاديمي المتعارف عليه مع وجوب الإشارة المرجعية الكاملة للمؤلفين الأصليين.
12. المراجع
- Barak, B., & Stern, B. B. (1985/1986). Women’s age in advertising: An examination of two consumer age profiles. Journal of Advertising Research, 25(6), 38–47.
- Bem, S. L. (1974). The measurement of psychological androgyny. Journal of Consulting and Clinical Psychology, 42(2), 155–162. https://doi.org/10.1037/h0036215
- Bem, S. L. (1981). Gender schema theory: A cognitive account of sex typing. Psychological Review, 88(4), 354–364. https://doi.org/10.1037/0033-295X.88.4.354
- Holt, C. L., & Ellis, J. B. (1998). Assessing the current validity of the Bem Sex-Role Inventory. Sex Roles, 39(11–12), 929–941. https://doi.org/10.1023/A:1018836923919
- Parsons, T., & Bales, R. F. (1955). Family, socialization and interaction process. Free Press.
- Spence, J. T., & Helmreich, R. L. (1978). Masculinity and femininity: Their psychological dimensions, correlates, and antecedents. University of Texas Press.