الملخص
يُعد مقياس التخيل الذهني للمنتجات الغذائية المرتبطة بالنفايات المادية (Imagery of Food Products Linked to Physical Waste Scale) أداة سيكومترية متخصصة ومبتكرة طوّرها الباحثون إيرينا دي فيسر-أدموندسون وجون بيلوزا وميريلا كلاينن (De Visser-Amundson, Peloza, & Kleijnen, 2021) ضمن أبحاث سلوك المستهلك المنشورة في Journal of Marketing Research. صُمم هذا المقياس لتقييم مدى حيوية ووضوح الارتباطات الذهنية والصور العقلية التي يشكّلها المستهلك بين صنف غذائي معين وبين مفاهيم النفايات المادية، والقمامة، والمخلفات. يكتسب هذا المقياس أهمية بالغة في دراسة ما يُعرف بـ “الأغذية القائمة على الإنقاذ” (Rescue-Based Food)؛ وهي المنتجات الغذائية المصنوعة من مكونات صالحة تماماً للاستهلاك ولكن كان مصيرها الهدر بسبب عيوب شكلية أو فائض الإنتاج.
يتكون المقياس في بنيته الأصيلة من بُعد أحادي متماسك يقيس استحضار الصور الذهنية للنفايات، ويُقاس عادة عبر مجموعة مقتضبة تتراوح بين 3 إلى 4 فقرات مصاغة وفق مقياس ليكرت السباعي (من 1 = لا يثير ذلك في ذهني إطلاقاً، إلى 7 = يثير ذلك بوضوح شديد). أظهرت الدراسات السيكومترية التي أجراها المؤلفون عبر عينات تجريبية متعددة خصائص قياس متقدمة؛ حيث تراوحت قيم الاتساق الداخلي لمعامل ألفا كرونباخ بين 0.88 و0.94، مما يعكس موثوقية استثنائية. كما أثبتت تحليلات الصدق التمايزي والتقاربي قدرة المقياس على التمييز بدقة بين إدراك الجودة الموضوعية وبين التمثل الذهني للمخلفات، مما يجعله أداة محورية في دراسات علم النفس البيئي، وعلم نفس التسويق، وأبحاث المشاعر السلبية كالاشمئزاز والنفور التلقائي.
الكلمات المفتاحية
التخيل الذهني، النفايات المادية، الأغذية المنقذة، سلوك المستهلك، استجابة الاشمئزاز، علم النفس السيكومتري، قانون العدوى، استدامة الغذاء، اتخاذ القرار، التقييم الحسي.
المؤلفون
تم تطوير المقياس ونشره من قبل فريق بحثي أكاديمي دولي متخصص في سلوك المستهلك والتسويق المستدام:
- د. إيرينا (أستريد) دي فيسر-أدموندسون (Irena [Astrid] de Visser-Amundson): أستاذة وباحثة في مجال الاستدامة وسلوك المستهلك وإدارة الضيافة، مدرسة لاهاي الفندقية (Hotelschool The Hague)، هولندا. البريد الإلكتروني: [email protected].
- د. جون بيلوزا (John Peloza): أستاذ التسويق ورئيس قسم التسويق في كلية غاتون للأعمال والاقتصاد، جامعة كنتاكي (University of Kentucky)، الولايات المتحدة الأمريكية. متخصص في المسؤولية الاجتماعية للشركات وعلم نفس المستهلك الأخلاقي. البريد الإلكتروني: [email protected].
- د. ميريلا كلاينن (Mirella Kleijnen): أستاذة إدارة الخدمات وتسويق الخدمات في قسم التسويق، كلية الأعمال والاقتصاد، جامعة فريجي بأمستردام (Vrije Universiteit Amsterdam)، هولندا. البريد الإلكتروني: [email protected].
الغرض
ينبع الغرض الجوهري من تطوير مقياس التخيل الذهني للمنتجات الغذائية المرتبطة بالنفايات المادية من مفارقة سلوكية ملحة في المجتمعات المعاصرة؛ فعلى الرغم من تنامي الوعي البيئي والاهتمام الأخلاقي بالحد من هدر الغذاء، غالباً ما يرفض المستهلكون شراء أو تناول الأغذية التي يُعلن صراحة أنها مصنعة من أطعمة مُنقذة من الهدر. صُممت هذه الأداة لتشريح العمليات الإدراكية الخفية التي تؤدي إلى هذا التردد، وتحديداً دراسة الكيفية التي تُثير بها الرسائل التسويقية غير المدروسة صوراً ذهنية غير مرغوب فيها تتعلق بسلات المهملات ومكبات النفايات والتحلل العضوي.
يخدم المقياس أغراضاً متعددة في مجالات البحث العلمي والتطبيقي، من أبرزها:
- تفكيك استجابات النفور التلقائي: تمكين الباحثين في علم النفس من رصد استجابة الاشمئزاز المسبق (Anticipatory Disgust)؛ حيث إن مجرد تفعيل تمثلات بصرية لمكبات القمامة في العقل البشري يقود مباشرة إلى تفعيل آليات الدفاع المعوي والنفسي الرافضة للمنتج.
- تحسين التواصل البيئي والتسويقي: اختبار استراتيجيات التأطير المعرفي (Framing Effect) للحملات التسويقية الهادفة لتشجيع استهلاك الأغذية المنقذة دون تنشيط فكرة المخلفات المادية، كاستبدال وصف “منتج مصنوع من خبز تم إنقاذه من القمامة” بعبارات تركز على “المكونات المحصودة بوعي” أو “الاستخدام الدائري المبتكر”.
- التطبيقات الإكلينيكية والسلوكية: فهم آليات التلوث المعرفي والوساوس المرتبطة بنقاء الأطعمة، وتقييم الفروق الفردية في الحساسية للملوثات المتصورة بين فئات المستهلكين المختلفة.
البناء النفسي
يرتكز البناء النفسي للمقياس على مفهوم التخيل الذهني المعرفي المستند إلى الاشمئزاز (Mental Imagery). لا يُقاس التخيل الذهني هنا بوصفه مجرد تذكر معرفي مجرد، بل بوصفه تجربة شبه حسية نشطة يستعيد فيها الفرد ملامح حسية وبصرية وروائح متخيلة مرتبطة بالنفايات الفيزيائية بمجرد مواجهة منبه غذائي.
يتألف البناء النفسي من عناصر جوهرية مترابطة تُشكل نواته المفاهيمية:
- حيوية الصورة الذهنية (Vividness): درجة وضوح وقوة التفاصيل البصرية التي يستحضرها العقل؛ فالمستهلك الذي يسجل درجات مرتفعة لا يفكر فقط في كلمة “نفايات” بصورة مجردة، بل تتشكل في وعيه صور حية لسلات المهملات أو أكوام الفاكهة التالفة.
- التداخل التلوثي المتصور (Perceived Contaminative Overlap): الربط النفسي بين تاريخ المادة الخام وحالتها الراهنة؛ حيث يفترض العقل البشري لا شعورياً أن الطعام يحمل جوهر البيئة السابقة التي ارتبط بها (أي القمامة أو الهدر)، وهو ما يسمى في علم النفس بـ “العدوى الدائمة”.
- الارتباط الدلالي المباشر (Direct Semantic Association): سهولة وسرعة استدعاء مفاهيم الرفض والنفايات من الذاكرة الدلالية عند قراءة وصف المنتج الغذائي.
يمثل هذا البناء حلقة الوصل (متغير وسيط / Mediator) بين المثير الخارجي (الإعلان عن الغذاء المنقذ) ورد الفعل السلوكي (انخفاض نية الشراء أو الامتناع عن التذوق)، حيث أثبتت الدراسات أن قوة التخيل الذهني للنفايات تفسر انخفاض تفضيل المستهلك حتى عند إدراك المستهلك بأن المنتج نظيف ومطابق للمعايير الصحية تماماً.
الإطار النظري
يستند المقياس إلى تلاقي منظومتين نظريتين بارزتين في علم النفس المعرفي والأنثروبولوجيا النفسية:
1. نظرية العدوى السحرية والاشمئزاز (The Law of Contagion & Disgust)
تعود أصول هذه النظرية إلى دراسات جيمس فريزر ومارسيل موس، والتي طورها لاحقاً عالم النفس الأمريكي الشهير بول روزين (Paul Rozin) وزملاؤه في دراساتهم حول سايكولوجية الاشمئزاز. ينص “قانون التلامس أو العدوى” (Law of Contagion) على المبدأ النفسي الشهير: “ما لامس الشيء مرة، يظل ملامساً له إلى الأبد” (Once in contact, always in contact). فعندما يعتقد المستهلك أن مكوّناً غذائياً كان معرضاً لأن يكون نفاية مادية، يُسقط العقل صفات القمامة (القذارة، البكتيريا، الاضمحلال) على المنتج النهائي حتى بعد معالجته وتعقيمه وتغيير شكله كلياً.
2. نظرية المعالجة الذهنية عبر التخيل (Mental Imagery Theory)
تستند هذه النظرية إلى أعمال ماكينيس وبرايس (MacInnis & Price, 1987) وإيلينا كريشنا (Aradhna Krishna) في التسويق الحسي؛ حيث تؤكد على أن الصور الذهنية تعمل كبدائل حسية حقيقية تؤثر في الوظائف الفسيولوجية. استحضار صورة القمامة ينشط مسارات عصبية مشابهة لتلك التي تنشط عند رؤية القمامة فعلياً، مما يؤدي إلى ردود فعل نفور بيولوجية تمنع الفرد من استهلاك المادة الغذائية لحمايته من التسمم المتخيل.
الصدق
خضع المقياس لسلسلة صارمة من اختبارات الصدق السيكومتري في الدراسات الأصلية المنشورة من قِبل دي فيسر-أدموندسون وآخرين (2021)، والتي شملت تجارب مخبرية وميدانية مع عينات استهلاكية تجاوزت مئات المشاركين:
- صدق البناء (Construct Validity): أظهرت تحليلات النمذجة بالمعادلة البنائية (SEM) أن جميع فقرات المقياس تتشبع بقوة على عامل كامن واحد يعبر بدقة عن التخيل الذهني للنفايات المادية، مع مؤشرات ملاءمة ممتازة.
- الصدق التقاربي (Convergent Validity): ارتبطت درجات المقياس ارتباطاً إيجابياً دالاً إحصائياً مع مقاييس الاشمئزاز المتوقع (Anticipatory Disgust) عند مستوى دلالة ($p < .001$)، ومع مقاييس التلوث المدرك، مما يبرهن على أن المقياس يلتقط بالفعل الجوانب العاطفية والمعرفية المرتبطة بالنفايات.
- الصدق التمايزي (Discriminant Validity): أثبتت التحليلات تميز هذا البناء عن مفاهيم مجاورة مثل: إدراك القيمة الغذائية، والوعي البيئي العام، والاهتمام بالصحة الشخصية؛ حيث لم تتجاوز الارتباطات المتبادلة حدود التباين المشترك المقبول، مما أكد استقلالية المقياس عن التقييمات المعرفية العقلانية للجودة.
- الصدق التنبؤي (Predictive Validity): أظهرت النتائج التجريبية أن الدرجات المرتفعة على المقياس تنبأت بقوة وبصورة دالة سلبياً بالرغبة في الشراء (Willingness to Pay) وانخفاض تقييم الطعم المتوقع.
الثبات
تم التحقق من ثبات المقياس عبر تجارب متكررة اشتملت على فئات منتجات غذائية متنوعة (مثل الحساء المصنوع من خضراوات فائضة، والمشروبات المخمرة من بقايا الفواكه، والخبز المعاد تدويره):
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): سجل معامل ألفا كرونباخ ($lpha$) قيماً مرتفعة باستمرار عبر الدراسات التجريبية؛ حيث تراوحت بين $0.88$ و $0.94$ في الدراسة الأولى والدراسات التتبعية.
- الموثوقية المركبة (Composite Reliability – CR): تجاوزت قيم الموثوقية المركبة عتبة $0.90$ في جميع النماذج، مما يشير إلى خلو المقياس من أخطاء القياس العشوائية وتجانس فقراته بصورة ممتازة.
- متوسط التباين المستخلص (Average Variance Extracted – AVE): تجاوزت قيمة AVE حاجز $0.75$ في مختلف التحليلات، وهو ما يتجاوز المعيار الأكاديمي الموصى به ($0.50$)، مؤكداً أن العامل يفسر أكثر من ثلاثة أرباع تباين الفقرات المكونة له.
التحليل العاملي
أجريت تحليلات عاملية متقدمة لتحديد وتأكيد البنية الداخلية للمقياس وفق أعلى المعايير المنهجية:
التحليل العاملي الاستكشافي (EFA)
كشف التحليل العاملي الاستكشافي باستخدام طريقة المحاور الرئيسية مع التدوير المتعامد (Varimax) عن تشبع جميع الفقرات على عامل وحيد يمتلك جذراً كامناً (Eigenvalue) أكبر بكثير من 1.0، وفسر هذا العامل ما يزيد عن $78%$ من التباين الكلي للمتغيرات، مما أثبت الأحادية المطلقة للبناء النفسي.
التحليل العاملي التوكيدي (CFA)
أكدت نتائج التحليل العاملي التوكيدي ملاءمة النموذج أحادي البعد للبيانات الواقعية، حيث سجلت المؤشرات القيم التالية في العينات التجريبية:
- مؤشر المطابقة المقارن ($ ext{CFI}$) >$0.98$
- مؤشر تكر-لويس ($ ext{TLI}$) >$0.97$
- جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب ($ ext{RMSEA}$) <$0.05$
- جذر متوسط المربعات المتبقية القياسي ($ ext{SRMR}$) <$0.03$
- تراوحت جميع تشبعات الفقرات المعيارية (Standardized Factor Loadings) بين $0.83$ و $0.95$، وجميعها دالة إحصائياً عند مستوى ($p < .001$).
أداة القياس
تتميز أداة القياس بكونها موجزة وعالية الكفاءة الإحصائية، مما يجعلها سهلة الدمج في الاستبيانات المعقدة دون التسبب في إجهاد المجيبين (Respondent Fatigue):
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Scale) يقيس الاستجابة المعرفية للتخيل الذهني.
- التنسيق: مقياس متدرج يعتمد صيغ ليكرت أو الفروق الدلالية وفقاً لسياق التجربة.
- عدد الفقرات: يتكون المقياس النموذجي من 3 إلى 4 فقرات مركزة ومصممة بعناية.
- مقياس الاستجابة: مقياس ليكرت سباعي من 1 إلى 7 (حيث 1 = لا يثير ذلك إطلاقاً / لا يرتبط أبداً، و 7 = يثير ذلك بقوة بالغة / يرتبط بشدة).
- طريقة التصحيح: تُجمع درجات الفقرات ويُحسب المتوسط الحسابي لها؛ تشير الدرجة المرتفعة إلى استحضار قوي ومكثف لصور النفايات المادية في العقل، في حين تعكس الدرجة المنخفضة خلو الإدراك الذهني من أي ارتباطات سلبية بالمخلفات.
- الفقرات المعكوسة: لا توجد فقرات معكوسة في النسخة الأساسية للمحافظة على الوضوح المباشر للارتباط الصوري وتجنب تشويش المستجيبين.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة النشر: 2021.
- حقوق النشر: المقياس محمي بحقوق النشر لصالح جمعية التسويق الأمريكية (American Marketing Association – AMA) ومؤلفي الدراسة الأصليين.
- الأذونات والاستخدام: يُسمح باستخدام المقياس للأغراض الأكاديمية والبحثية غير التجارية بموجب الاستخدام العادل للأبحاث العلمية، شريطة الاستشهاد بالورقة الأصلية بدقة وفق معايير APA. أما الاستخدامات التجارية أو الاستشارية في الشركات فتتطلب إذناً رسمياً من الناشر أو المؤلفين.
- الرسوم: لا توجد رسوم مالية على الباحثين وطلاب الدراسات العليا عند استخدامه لأغراض البحث الأكاديمي البحت.
المراجع
- De Visser-Amundson, A., Peloza, J., & Kleijnen, M. (2021). How association with physical waste attenuates consumer preferences for rescue-based food. Journal of Marketing Research, 58(5), 870–887. https://doi.org/10.1177/00222437211024029
- Krishna, A. (2012). An integrative review of sensory marketing: Engaging the senses to affect perception, judgment and behavior. Journal of Consumer Psychology, 22(3), 332–351. https://doi.org/10.1016/j.jcps.2011.08.003
- MacInnis, D. J., & Price, L. L. (1987). The role of imagery in information processing: Review and extensions. Journal of Consumer Research, 13(4), 473–491. https://doi.org/10.1086/209082
- Morales, A. C., & Fitzsimons, G. J. (2007). Product contagion: Changing consumer evaluations through physical contact with “disgusting” products. Journal of Marketing Research, 44(2), 272–283. https://doi.org/10.1509/jmkr.44.2.272
- Rozin, P., & Fallon, A. E. (1987). A perspective on disgust. Psychological Review, 94(1), 23–41. https://doi.org/10.1037/0033-295X.94.1.23