المقاييس النفسيةعلم الاجتماع السياسيعلم النفس السياسي

مقياس أولسن للاغتراب السياسي

يُعد مقياس أولسن للاغتراب السياسي (1969) أداة سيكومترية رائدة في علم النفس السياسي لقياس بُعدي العجز السياسي والسخط السياسي، وتفسير السلوك الانتخابي والاحتجاجي.

تاريخ النشر

الملخص

يُعد مقياس أولسن للاغتراب السياسي (Olsen’s Political Alienation Scale)، الذي طوّره عالم الاجتماع الأمريكي مارفن أولسن (Marvin E. Olsen) عام 1969، أحد أبرز الأدوات السيكومترية المرجعية في حقل علم النفس السياسي وعلم الاجتماع السياسي. صُمم المقياس لتفكيك البنية المعقدة لظاهرة الاغتراب السياسي (Political Alienation) من خلال التمييز الجوهري بين بعدين نفسيين واجتماعيين متمايزين: العجز السياسي (Political Incapability) والسخط السياسي (Political Discontentment). يعكس البعد الأول شعور الفرد بعدم الكفاءة الذاتية وفقدان القدرة على التأثير في القرارات والعمليات السياسية (وهو موضع ضبط داخلي/ذاتي)، بينما يعكس البعد الثاني تقييم الفرد للنظام والمؤسسات السياسية بوصفها فاسدة، غير مستجيبة، وتفتقر إلى المعايير الأخلاقية والشرعية (موضع ضبط خارجي/نظامي).

يتألف المقياس في نسخته المعيارية من مجموعتين من الفقرات التي تقيس كلاً من العجز السياسي والسخط السياسي، وتُستخدم لقياس درجات الاغتراب الكلي والفرعي عبر مصفوفة استجابة متدرجة (مثل مقياس ليكرت أو خيارات الموافقة والمعارضة الثنائية والمتعددة). أظهرت الدراسات السيكومترية عبر العقود تمتع المقياس بخصائص قياسية متقدمة؛ حيث تتراوح معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) للأبعاد الفرعية عادة بين 0.72 و0.85، مع تأكيد التحليل العاملي التوكيدي (CFA) للبنية ثنائية العوامل المستقلة نسبيًا. يوفر المقياس إطارًا قياسيًا يفسر الفروق الدقيقة في السلوك السياسي، مثل الامتناع عن التصويت، والاحتجاج السياسي الراديكالي، والشعور باللامبالاة المدنية.

الكلمات المفتاحية

الاغتراب السياسي, مقياس أولسن, العجز السياسي, السخط السياسي, علم النفس السياسي, القياس النفسي, السلوك الانتخابي, الثقة المؤسسية, الفاعلية السياسية, اللامعيارية السياسية.

المؤلفون

طوّر هذا المقياس عالم الاجتماع والباحث في السلوك السياسي مارفن إي. أولسن (Marvin E. Olsen)، الذي عمل أستاذًا لعلم الاجتماع في جامعة إنديانا (Indiana University) وجامعة ولاية ميشيغان (Michigan State University)، وشغل منصب رئيس جمعية علم الاجتماع التطبيقي (Society for Applied Sociology). تركّزت أعماله البحثية الرائدة على المشاركة المدنية، والديناميات المجتمعية، والتحليل السوسيولوجي للسلطة والتنظيم السياسي.

الغرض

تكمن الغاية الأساسية من تطوير مقياس أولسن للاغتراب السياسي في تقديم حل قياسي وتصوري لمشكلة الخلط النظري والمنهجي التي سادت دراسات الاغتراب السياسي في منتصف القرن العشرين. قبل ظهور مقياس أولسن، كانت الأدبيات تتعامل مع الاغتراب السياسي بوصفه كتلة شعورية واحدة متجانسة تجمع بين شعور المواطن بالضعف والعجز من جهة، وشعوره برفض النظام السياسي وانعدام الثقة فيه من جهة أخرى. جاء المقياس ليحقق الأغراض البحثية والتطبيقية التالية:

  • التشخيص السيكومتري الدقيق: التمييز بين المواطنين الذين يشعرون بقلة حيلتهم الفردية أو عدم فهمهم للسياسة (العجز السياسي) وأولئك الذين يفهمون النظام جيدًا لكنهم يرفضون ممارساته ومخرجاته الأخلاقية والوظيفية (السخط السياسي).
  • تفسير أنماط السلوك السياسي: التنبؤ بنوعية المشاركة السياسية؛ حيث تشير النظريات إلى أن الفرد الذي يجمع بين “الكفاءة السياسية العالية” و”السخط السياسي المرتفع” يميل إلى الانخراط في أشكال الاحتجاج غير التقليدية والحركات السياسية التصحيحية أو الراديكالية، بينما يميل الفرد الذي يعاني من “العجز السياسي المرتفع” إلى الانسحاب الكامل واللامبالاة الانتخابية (Political Apathy).
  • التقييم المؤسسي والسياساتي: قياس مستوى الصحة الديمقراطية وشرعية النظم الحاكمة في المجتمعات المختلفة عبر دراسة توجهات الرأي العام ومستويات الاغتراب الشعبي قبل وبعد الأزمات الاقتصادية أو الفضائح السياسية.

البناء النفسي

يقوم البناء النفسي (Psychological Construct) للاغتراب السياسي عند مارفن أولسن على نموذج ثنائي الأبعاد، يُعرّف الاغتراب بأنه فجوة نفسية وإدراكية تفصل الفرد عن نظامه السياسي ومؤسسات الحكم. يتفرع هذا البناء إلى بعدين رئيسيين:

1. العجز السياسي (Political Incapability / Powerlessness)

يمثل هذا البعد الإدراك الذاتي للفرد بأنه يفتقر إلى الموارد المعرفية، والمهارات، والقدرة الفعالة للتأثير في صنع القرارات الحكومية. يتميز هذا البعد بكونه ذا إسناد داخلي (Internal Attribution)؛ حيث يرى الفرد أن العمليات السياسية معقدة للغاية وتتجاوز قدرته على الاستيعاب أو الفعل، وأن صوته الانتخابي لا قيمة له في ميزان القوى الفعلي. يتطابق هذا البعد مع مفهوم انعدام الفاعلية السياسية الذاتية (Political Self-Efficacy).

2. السخط السياسي (Political Discontentment / Cynicism & Normlessness)

يمثل هذا البعد التقييم السلبي الموجه نحو الفاعلين السياسيين، والنخب الحاكمة، والمؤسسات العامة. ينطوي على قناعة الفرد بأن القادة يتصرفون بدوافع شخصية نفعية، وأن النظام يفتقر إلى النزاهة والمصداقية الأخلاقية والشفافية. يُعد هذا البعد ذا إسناد خارجي (External Attribution)؛ حيث لا يلوم الفرد قدراته الذاتية، بل يرى أن قواعد اللعبة السياسية مشوهة وغير عادلة، وهو ما يرتبط بمفاهيم الشك السياسي (Political Cynicism) واللامعيارية السياسية (Political Anomie).

ترتبط هذه الأبعاد ديناميكيًا لتنتج مصفوفة من الأنماط السلوكية والوجدانية؛ فالعلاقة بينهما ليست تلازمية حتمية، إذ يمكن للفرد أن يسجل درجات منخفضة في العجز (يشعر بكفاءته التامة) لكنه يسجل درجات مرتفعة جدًا في السخط، مما يجعله مواطنًا ناقدًا ومحركًا للتغيير السياسي.

الإطار النظري

يستند مقياس أولسن إلى تقاطع نظري غني يجمع بين نظريات علم الاجتماع الكلاسيكي ونظريات علم النفس الاجتماعي والسلوكي:

1. نموذج ملفين سيمان للاغتراب (Melvin Seeman’s Alienation Paradigm)

تأثر أولسن بشكل مباشر بالورقة التأسيسية التي نشرها عالم الاجتماع ملفين سيمان (1959) بعنوان “On the Meaning of Alienation”. قام سيمان بتفكيك مفهوم الاغتراب الماركسي والوجودي إلى خمسة متغيرات نفسية اجتماعية قابلة للقياس: انعدام القوة (Powerlessness)، وانعدام المعنى (Meaninglessness)، واللامعيارية (Normlessness)، والعزلة (Isolation)، والاستلاب الذاتي (Self-Estrangement). قام أولسن بنقل هذه التصنيفات وتكثيفها في سياق سياسي محدد، مدمجًا انعدام القوة وانعدام المعنى في بُعد “العجز السياسي”، ودمج اللامعيارية والعزلة وفقدان الثقة في بُعد “السخط السياسي”.

2. نظرية الثقة والفاعلية لوليام غامسون (William Gamson’s Hypothesis)

يرتبط المقياس بنموذج وليام غامسون (1968) حول العلاقة بين الثقة السياسية والفاعلية؛ حيث افترض غامسون أن الجمع بين الثقة المنخفضة (السخط المرتفع) والفاعلية العالية (العجز المنخفض) يشكل البيئة الخصبة للتمرد والنشاط السياسي التغييري، وهو ما أثبتته الدراسات التجريبية اللاحقة باستخدام مقياس أولسن.

الصدق

خضع مقياس أولسن للاغتراب السياسي للعديد من اختبارات الصدق السيكومتري في دراسات مجتمعية وانتخابية واسعة:

  • صدق البناء (Construct Validity): أظهرت تحليلات الارتباط بين متغيرات المقياس ومقاييس سوسيو-ديموغرافية اتساقًا نظريًا عاليًا؛ حيث ارتبط العجز السياسي سلبًا بالمستوى التعليمي والطبقة الاجتماعية والدخل، بينما لم يُظهر السخط السياسي ارتباطًا خطيًا بسيطًا بالتعليم، بل ارتبط بالتوجهات الإيديولوجية وتقييم أداء الحكومة.
  • الصدق التقاربي (Convergent Validity): أظهرت دراسات التحقق وجود ارتباطات موجبة ودالة إحصائيًا ($r = 0.58$ إلى $r = 0.74$) بين بعد السخط السياسي ومقاييس الشك السياسي (Political Cynicism Scale) التابعة لمركز الدراسات السياسية (CPS/NES)، فضلًا عن ارتباط بعد العجز السياسي بقوة مع مقياس الفاعلية السياسية لجامعة ميشيغان ($r = -0.65$).
  • الصدق التمايزي (Discriminant Validity): نجح المقياس في التمايز عن مقاييس الاغتراب الاجتماعي العام والاكتئاب النفسي؛ حيث أثبت التحليل العاملي أن الاغتراب السياسي يمثل مجالًا متخصصًا لا يطابقه الشعور بالانعزال الاجتماعي غير السياسي.
  • الصدق التنبؤي (Predictive Validity): أثبتت الدراسات قدرة المقياس على التنبؤ بسلوك التصويت، والمشاركة في التظاهرات، والانتماء إلى الأحزاب البديلة بحجوم أثر متوسطة إلى كبيرة ($R^2$ تتراوح بين 0.18 و0.32 في نماذج الانحدار اللوجستي).

الثبات

أظهرت الدراسات السيكومترية استقرارًا واتساقًا عاليين لفقرات مقياس أولسن عبر عينات مسحية مختلفة:

  • الاتساق الداخلي (Internal Consistency): تراوحت معاملات ألفا كرونباخ لبُعد العجز السياسي بين 0.74 و0.82، في حين تراوحت لبُعد السخط السياسي بين 0.78 و0.86 في المسوح الميدانية للرأي العام.
  • الثبات النصفي (Split-Half Reliability): حقق المقياس معاملات ثبات نصفي معدلة بمعادلة سبيرمان-براون (Spearman-Brown) تجاوزت 0.79 في التطبيقات الأصلية التي أجراها أولسن.
  • استقرار إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت الدراسات التتبعية (Panel Studies) استقرارًا ملحوظًا لبعد العجز السياسي عبر فترات زمنية متباعدة (معاملات ارتباط تراوحت بين 0.68 و0.75 على مدى 12 شهرًا)، بينما اتسم بعد السخط السياسي بمرونة أكبر ارتباطًا بالأحداث السياسية الآنية.

التحليل العاملي

أكدت دراسات التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتوكيدي (CFA) البنية العاملية الثنائية لمقياس أولسن:

  • التحليل العاملي الاستكشافي: عند تطبيق التدوير المائل (Oblimin Rotation) أو المتعامد (Varimax)، تشبّعت الفقرات بوضوح على عاملين متميزين يفسران معًا أكثر من 52% من التباين الكلي. تشبعت فقرات التعقيد وفقدان القدرة الفردية على العامل الأول (العجز السياسي) بتشبعات عاملية ($Loading > 0.55$)، بينما تشبعت فقرات عدم الثقة واستغلال السياسيين على العامل الثاني (السخط السياسي) بتشبعات عاملية ($Loading > 0.60$).
  • التحليل العاملي التوكيدي: أظهر نموذج العوامل الثنائية المستقلة/المترابطة مؤشرات مطابقة ممتازة مقارنة بنموذج العامل الأحادي العام:
    • مؤشر المطابقة المقارن ($CFI > 0.94$)
    • مؤشر تكر-لويس ($TLI > 0.92$)
    • جذر متوسط مربعات خطأ التقريب ($RMSEA < 0.055$)
    • مؤشر الكاي تربيع إلى درجات الحرية ($\chi^2/df < 2.5$)

أداة القياس

  • نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي سيكومتري (Self-report Psychometric Scale).
  • الشكل والتصميم: استبيان ورقي أو إلكتروني يتألف من فقرات تقريرية تعكس مواقف الفرد تجاه السياسة والنظام.
  • عدد الفقرات: يتراوح بين 8 إلى 12 فقرة في الصيغ المعيارية الشائعة (مقسمة بالتساوي على البعدين).
  • نطاق الاستجابة: مقياس ليكرت خماسي النقاط (1 = أعارض بشدة، إلى 5 = أوافق بشدة) أو مقياس ثنائي التفرع (أوافق / أعارض) في النسخ المسحية المبكرة.
  • قواعد التصحيح: تُجمع الدرجات لكل بُعد على حدة لحساب درجات فرعية مستقلة، أو تُجمع للحصول على درجة كلية تمثل الاغتراب السياسي الإجمالي بعد عكس الفقرات المصاغة إيجابيًا.
  • الفقرات المعكوسة: تُعكس درجات الفقرات التي تدل على الفاعلية السياسية أو الثقة في نزاهة المسؤولين قبل حساب المجموع الكلي.
  • الفئة المستهدفة: المواطنون البالغون، وطلاب الجامعات، والناخبون المؤهلون.
  • الفئة العمرية: 18 عامًا فما فوق.
  • طريقة التطبيق: فردي أو جماعي (استقصاء مسحي، بحث ميداني، أبحاث الرأي العام).
  • مدى الدرجات: في النسخة الخماسية المكونة من 8 فقرات، يتراوح مدى الدرجة الكلية من 8 إلى 40؛ حيث تشير الدرجات المرتفعة إلى مستويات متقدمة من الاغتراب السياسي.

الأذونات والرسوم وسنة الاختبار

نُشر المقياس لأول مرة في عام 1969 في المجلة العلمية المحكمة Social Forces. وبوصفه أداة قياس بحثية كلاسيكية طُورت في إطار أكاديمي مدعوم من مؤسسات جامعية، فإن المقياس متاح للاستخدام في الأبحاث الأكاديمية والتربوية دون رسوم تجارية (Public Domain / Open Academic Access) تحت شروط الاستشهاد العلمي السليم بالمرجع الأصلي. لأغراض الاستخدامات التجارية أو التضمين في منصات ربحية، يتعين مراجعة سياسات حقوق النشر الخاصة بالناشر الأصلي (Oxford University Press / University of North Carolina Press).

المراجع

  • Finifter, A. W. (1970). Dimensions of political alienation. American Political Science Review, 64(2), 389–410. https://doi.org/10.2307/1953840
  • Gamson, W. A. (1968). Power and discontent. The Dorsey Press.
  • Mason, W. M., House, J. S., & Martin, S. S. (1985). On the dimensions of political alienation in America. Sociological Methodology, 15, 111–151. https://doi.org/10.2307/270848
  • Olsen, M. E. (1969). Two categories of political alienation. Social Forces, 47(3), 288–299. https://doi.org/10.2307/2575027
  • Seeman, M. (1959). On the meaning of alienation. American Sociological Review, 24(6), 783–791. https://doi.org/10.2307/2088565

فقرات المقياس

فيما يلي الفقرات الأصلية لـ Olsen’s Political Alienation Scale بلغتها الإنجليزية الأصلية دون أي تعديل أو ترجمة وفقًا للمصدر العلمي:

Category I: Political Incapability (Powerlessness / Inefficacy)

  1. Voting is the only way that people like me can have any say about how the government runs things.
  2. People like me don’t have any say about what the government does.
  3. Sometimes politics and government seem so complicated that a person like me can’t really understand what’s going on.
  4. I don’t think public officials care much about what people like me think.

Category II: Political Discontentment (Cynicism / Distrust / Normlessness)

  1. These days you don’t really know who you can count on in politics.
  2. Most politicians are in politics for all they can get out of it personally.
  3. The people running the country don’t really care what happens to the average person.
  4. Most government officials are not really interested in the problems of the average man.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 29). مقياس أولسن للاغتراب السياسي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/scales/olsen-political-alienation-scale/
looti, Mohammed. “مقياس أولسن للاغتراب السياسي.” عرب سايكلوجي, 29 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/scales/olsen-political-alienation-scale/.
looti, Mohammed. “مقياس أولسن للاغتراب السياسي.” عرب سايكلوجي. أغسطس 29, 2026. https://arabpsychology.com/scales/olsen-political-alienation-scale/.