الملخص
يُمثّل استبيان الرأي العام (النموذج 40-45) (المعروف سيكومترياً باسم مقياس فاشية كاليفورنيا – California F Scale) أحد أبرز المعالم التاريخية والنظرية في سيكولوجيا الشخصية والقياس النفسي الاجتماعي. طُوّر هذا المقياس في أواخر أربعينيات القرن العشرين ضمن المشروع البحثي الرائد في جامعة كاليفورنيا في بيركلي بقيادة ثيودور أدورنو (Theodor W. Adorno)، وإلسي فرانكل برونسفيك (Else Frenkel-Brunswik)، ودانيال ليفينسون (Daniel J. Levinson)، ونيفيث سانفورد (R. Nevitt Sanford)، والذي تُوّج بنشر كتابهم المرجعي الشخصية الاستبدادية (The Authoritarian Personality) عام 1950. صُمّم المقياس تحت عنوان تمويهي هو “استبيان الرأي العام” لتقليل أثر المرغوبية الاجتماعية، مستهدفاً الكشف عن النزعات الفاشية الكامنة والجاهزية النفسية العميقة لتقبل الأيديولوجيات الشمولية والاستبدادية دون الإشارة الصريحة إلى الجماعات العرقية أو السياسية المحددة.
يتألف المقياس في صيغته النهائية المعيارية (النموذج 40-45) من 30 فقرة تغطي تسعة أبعاد فرعية مترابطة صاغها المؤلفون استناداً إلى التحليل النفسي الفرويدي والنظرية النقدية: النمطية والامتثالية (Conventionalism)، والخضوع السلطوي (Authoritarian Submission)، والعدوان السلطوي (Authoritarian Aggression)، ومعاداة الاستبطان الذاتي (Anti-intraception)، والتطير والتفكير النمطي (Superstition and Stereotypy)، وتمجيد القوة والصلابة (Power and “Toughness”)، والتدميرية والتشاؤمية (Destructiveness and Cynicism)، والإسقاط النفسي (Projectivity)، والهواجس الجنسية المفرطة (Sex). يُجاب عن فقرات المقياس وفق سلم متدرج سداسي النقاط (+1، +2، +3، -1، -2، -3) يُحوّل سيكومترياً إلى درجات رقمية تتراوح بين 1 و 7، حيث تمثل الدرجة 4 نقطة الحياد الفرضية. أظهرت الدراسات الكلاسيكية معاملات ثبات اتساق داخلي تراوحت بين 0.81 و 0.90، وارتباطات بنيوية مرتفعة مع مقاييس معاداة السامية والمركزية العرقية. يستعرض هذا المقال تفصيلاً معمقاً للبنية السيكومترية للمقياس، وخلفيته النظرية، والجدل المنهجي التاريخي حول انحياز الإذعان، واستخداماته البحثية المعاصرة.
الكلمات المفتاحية
الشخصية الاستبدادية، مقياس كاليفورنيا ف، استبيان الرأي العام، ثيودور أدورنو، النزعة الفاشية، الخضوع السلطوي، المركزية العرقية، العدوان السلطوي، القياس النفسي الاجتماعي، القياس السيكومتري.
المؤلفون
طُوّر المقياس من قِبل فريق بحثي متعدد التخصصات ضم نخبة من رواد النظرية النقدية والتحليل النفسي وعلم النفس الاجتماعي بجامعة كاليفورنيا، بيركلي (University of California, Berkeley) بالتعاون مع معهد البحوث الاجتماعية (Frankfurt School):
- ثيودور و. أدورنو (Theodor W. Adorno): فيلسوف وعالم اجتماع ومنظر نقدي بارز في معهد البحوث الاجتماعية بجامعة فرانكفورت وجامعة كاليفورنيا في بيركلي.
- إلسي فرانكل-برونسفيك (Else Frenkel-Brunswik): عالمة نفس ومحللة نفسية نمساوية-أمريكية، باحثة أولى في معهد رعاية الطفل بجامعة كاليفورنيا في بيركلي.
- دانيال ج. ليفينسون (Daniel J. Levinson): عالم نفس اجتماعي، قسم علم النفس بجامعة كاليفورنيا في بيركلي (لاحقاً أستاذ علم النفس بجامعة ييل وجامعة هارفارد).
- ر. نيفيث سانفورد (R. Nevitt Sanford): أستاذ علم النفس ومدير معهد دراسة المشكلات الإنسانية، جامعة كاليفورنيا في بيركلي، ومؤسس نظرية التطور المؤسسي والطلابي.
المراسلات الأكاديمية التاريخية والمحفوظات السيكومترية الأصلية مودعة ومتاحة لدى: أرشيف تاريخ علم النفس الأمريكي (Archives of the History of American Psychology – AHAP) في جامعة أكرون، أوهايو، الولايات المتحدة الأمريكية.
الغرض
نشأ استبيان الرأي العام (النموذج 40-45) استجابة للأزمة الحضارية والأخلاقية الكبرى التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية والمحرقة النازية، حيث سعى الباحثون إلى الإجابة عن التساؤل الجوهري: ما هي المحددات النفسية العميقة داخل بنية الشخصية التي تجعل فرداً ما عرضة لتبني الدعاية الشمولية، والامتثال الأعمى للقيادات الديكتاتورية، والمشاركة في ممارسات التمييز والاضطهاد العرقي؟
يتمثل الغرض الأساسي للمقياس في قياس «النزعات الفاشية الكامنة» (Potential Fascism) على مستوى بنية الأنا، أي قياس الاستعداد غير الواعي لتقبل الاستبداد، دون الحاجة إلى توجيه أسئلة صريحة حول العداء للسامية أو كراهية الأقليات؛ إذ أدرك المؤلفون أن طرح أسئلة مباشرة عن التحيز العرقي قد يؤدي إلى استجابات دفاعية تتأثر بالمعايير الاجتماعية الديمقراطية السائدة في الولايات المتحدة بعد الحرب. ومن هنا، تم إخفاء الهدف الفعلي للأداة تحت مسمى محايد هو “استبيان الرأي العام”، ووُضعت الفقرات في سياق آرائه العامة حول الأسرة، والتنشئة، والعلم، والمصائر البشرية، والقيادة.
يمتد الاستخدام البحثي للمقياس ليشمل مجالات متعددة:
- علم النفس السياسي: فحص العلاقة بين سمات الشخصية غير الديمقراطية والتفضيلات الانتخابية، ودراسة قابلية الجماهير للخضوع للخطابات الشعبوية المتطرفة.
- علم النفس الاجتماعي: قياس الارتباط بين البنية السلطوية والنزوع إلى التنميط العقلي، والامتثال الجمعي، والتمييز ضد الجماعات الخارجية (Out-groups).
- البحث الإكلينيكي وديناميات الشخصية: استكشاف الآليات الدفاعية النفسية (مثل الإسقاط، والتكوين العكسي، وعزل الانفعال) كخصائص مهيكلة لبناء الشخصية ككل، وليس كمجرد أعراض عُصابية فردية.
- علم الاجتماع المعرفي والتربوي: تقييم أثر أساليب التنشئة الأسرية الصارمة والتربية التسلطية على صياغة عقلية غير مرنة وغير متسامحة مع الغموض في مرحلة الرشد.
البناء النفسي
يقوم استبيان الرأي العام على افتراض سيكومتري مركزي مؤداه أن الاستبداد ليس مجرد نسق فكري أو مجموعة اتجاهات سياسية سطحية، بل هو “متلازمة شخصية” (Personality Syndrome) متكاملة تتألف من تسعة أبعاد فرعية مترابطة وظيفياً:
1. النمطية والامتثالية (Conventionalism)
الالتزام الصارم والمتصلب بالقيم التقليدية للطبقة الوسطى والقبول غير النقدي للأعراف السائدة. يرى الفرد ذو الدرجات المرتفعة في هذا البعد أن الانحراف عن السلوك التقليدي يُعد تهديداً وجودياً للاستقرار الاجتماعي، كما يتجلى في الفقرة (1): «الطاعة واحترام السلطة هما أهم الفضائل التي يجب أن يتعلمها الأطفال».
2. الخضوع السلطوي (Authoritarian Submission)
الميل النفسي غير المشروط لإخضاع الذات دون نقاش للسلطات الأخلاقية والقانونية والسياسية للجماعة الداخلية المنتمي إليها. يترافق هذا البعد مع شعور بالحاجة الملحة لوجود قائد قوي ملهم، كما توضحه الفقرة (14): «أكثر ما تحتاجه هذه البلاد هو قادة مخلصون شجعان لا يكلون يضع الشعب إيمانه وثقته فيهم».
3. العدوان السلطوي (Authoritarian Aggression)
النزوع لمراقبة، وإدانة، ورفض، ومعاقبة أولئك الذين يخالفون القيم التقليدية أو يرفضون الخضوع للسلطة. يتحول هذا العدوان المكبوت داخلياً إلى بطش موجه نحو الأقليات أو المنحرفين عن المعيار الجمعي، كما تعكسه الفقرة (15): «الجرائم الجنسية تستحق ما هو أكثر من مجرد السجن؛ ينبغي جلد هؤلاء المجرمين علناً أو ما هو أسوأ» والفقرة (26): «المثليون ليسوا بأفضل من المجرمين ويجب معاقبتهم بشدة».
4. معاداة الاستبطان الذاتي (Anti-intraception)
رفض كل ما هو ذاتي، وتخيلي، وعاطفي، وحساس؛ ومقاومة التحليل النفسي والوعي الذاتي بالصراعات الداخلية. يميل الفرد هنا إلى النشاطية الخارجية المفرطة لتجنب مواجهة هشاشته النفسية، وتجسد ذلك الفقرة (6): «عندما يواجه المرء مشكلة أو قلقاً، فالأفضل له ألا يفكر فيها، بل أن يشغل نفسه بأمور أكثر بهجة» والفقرة (24): «لو تحدث الناس أقل وعملوا أكثر، لكان الجميع في حال أفضل».
5. التطير والتفكير النمطي (Superstition and Stereotypy)
الإيمان بوجود قوى غيبية أو خرافية تحكم المصير الإنساني، مع الميل المعرفي إلى تصنيف العالم في قوالب جامدة ومطلقة وثنائية التفكير (أبيض أو أسود). تعبر الفقرة (18) عن التطير: «في يوم من الأيام سيثبت أن علم التنجيم يمكنه تفسير الكثير من الأمور»، والفقرة (16) عن التنميط القطعي: «يمكن تقسيم الناس إلى فئتين متمايزتين: الضعفاء والأقوياء».
6. القوة والصلابة (Power and “Toughness”)
الانشغال الدائم بموازين القوة؛ السيطرة مقابل الخضوع، القائد مقابل الأتباع، القوة مقابل الضعف؛ والتماهي المبالغ فيه مع الشخصيات القوية وإظهار صلابة عاطفية زائفة، كما في الفقرة (2): «لا يمكن لأي ضعف أو صعوبة أن تعيقنا إذا امتلكنا ما يكفي من قوة الإرادة» والفقرة (8): «أكثر ما يحتاجه الشباب هو الانضباط الصارم، والتصميم الصلب، والإرادة للعمل والقتال من أجل الأسرة والوطن».
7. التدميرية والتشاؤمية (Destructiveness and Cynicism)
إضفاء طابع العداء والشر العام على الطبيعة البشرية، وتسويغ القسوة بالاعتقاد بأن العالم تحكمه شريعة الغاب، كما في الفقرة (4): «طبيعة البشر هي كما هي، ولذا ستظل الحروب والصراعات قائمة دائماً».
8. الإسقاط النفسي (Projectivity)
إسقاط الدوافع الغريزية المكبوتة (العدوانية والجنسية) على العالم الخارجي؛ وتخيل أن العالم مليء بالمؤامرات والأخطار والمكائد السرية، كما تبينه الفقرة (25): «معظم الناس لا يدركون إلى أي مدى تُدار حياتنا عبر مؤامرات تُحاك في أماكن سرية» والفقرة (20): «في أيامنا هذه، يتطفل المزيد والمزيد من الناس على أمور ينبغي أن تظل شخصية وخاصة».
9. الهواجس الجنسية (Sex)
القلق المفرط وغير المتناسب بشأن الممارسات الجنسية للآخرين والميل للشكوك الأخلاقية، كما يظهر في الفقرة (23): «الحياة الجنسية الجامحة للإغريق والرومان القدماء كانت وديعة مقارنة ببعض ما يحدث في هذا البلد».
الإطار النظري
يستند مقياس فاشية كاليفورنيا إلى تزاوج فكري فريد بين مدرستين من كبريات المدارس الفكرية في القرن العشرين: التحليل النفسي الفرويدي (Psychoanalysis) والنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت (Critical Theory).
وفقاً لهذا التصور، تتشكل الشخصية الاستبدادية في المقام الأول نتيجة نموذج تنشئة أسرية قمعي ومتصلب. يمارس الوالدان في هذه الأسر انضباطاً صارماً قائماً على التهديد وسحب الحب غير المشروط، مع فرض الطاعة العمياء لقرارات السلطة الأبوية. في ظل هذا المناخ القمعي، يعجز الطفل عن التعبير عن مشاعر الغضب أو الإحباط الطبيعية تجاه والديه خوفاً من العقاب أو الإخصاء الرمزي؛ مما يدفعه إلى كبت هذا العدوان في اللاشعور وتوظيف حيل دفاعية متطرفة.
تؤدي هذه الدينامية النفسية إلى نتيجتين حاسمتين في بنية الأنا (Ego) والأنا الأعلى (Superego):
- تضخم الأنا الأعلى الخارجي وضعف الأنا الداخلي: يصبح الأنا عاجزاً عن التوسط المرن بين متطلبات الهو (Id) وصرامة الأنا الأعلى، فيتحول الأنا الأعلى إلى سلطة خارجية متطابقة مع رموز القوة المجتمعية، بينما يعاني الأنا من هشاشة دائمة وضعف في التماسك (Ego-weakness).
- الإزاحة والإسقاط (Displacement & Projection): يُزاح العدوان المكبوت تجاه الوالدين بعيداً عن السلطة الأصلية (التي يجري تقديسها دفاعياً عبر الخضوع السلطوي والتكوين العكسي) ويُعاد توجيهه نحو أهداف بديلة آمنة اجتماعياً: الأقليات العرقية، والجماعات المهمشة، والمنبوذين، والخارجين عن القوانين التقليدية (عبر العدوان السلطوي).
من منظور مدرسة فرانكفورت النقدية، لا تنفصل هذه العمليات النفسية الفردية عن البنية السوسيو-اقتصادية للمجتمعات الرأسمالية الصناعية المتقدمة؛ حيث تسهم عقلانية التنميط والتسليع والبيروقراطية الخانقة في تجريد الفرد من استقلاليته الذاتية، مما يجعله “ذاتاً مغتربة” تبحث عن الخلاص الوهمي بالذوبان في الكيانات الجمعية الشمولية، وتفريغ قلقها الوجودي في شكل عداء للآخرين.
الصدق
خضع استبيان الرأي العام لعمليات فحص مكثفة للصدق عبر سلسلة من الدراسات التجريبية والميدانية الممتدة على مدى عقود:
1. صدق المحك والصدق التلازمي (Concurrent & Criterion Validity)
في دراسات بيركلي الأصلية التي شملت أكثر من 2000 مشارك، ارتبط مقياس (F) ارتباطاً موجباً وقوياً بمقاييس التحيز الأخرى المصممة بالتوازي:
- الارتباط بمقياس معاداة السامية (A-S Scale): تراوحت معاملات الارتباط بين r = 0.53 و r = 0.73 (بمتوسط ارتباط بلغ 0.65).
- الارتباط بمقياس المركزية العرقية (Ethnocentrism E-Scale): تراوحت المعاملات بين r = 0.65 و r = 0.86 (بمتوسط 0.75)، مما أثبت أن الفاشية الكامنة كما يقيسها المقياس تنبئ بدرجة عالية بمشاعر العداء تجاه مختلف الجماعات الخارجية.
2. الصدق التمايزي (Discriminant Validity)
أظهرت المقابلات الإكلينيكية المعمقة واختبار تفهم الموضوع (TAT) مع الأفراد الذين حصلوا على أعلى 25% وأدنى 25% على المقياس تمايزاً نوعياً قاطعاً؛ حيث اتسم ذوو الدرجات العالية بصلابة معرفية، ورفض الاعتراف بالصراعات النفسية، وتثمين القوة، بينما أظهر منخفضو الدرجات مرونة في التفكير، وقدرة على نقد الذات والوالدين بموضوعية، وتقبلاً أوسع للتنوع البشري.
3. الصدق التنبؤي (Predictive Validity)
في تجارب لاحقة، أثبت المقياس قدرته على التنبؤ بالسلوك الامتثالي في تجارب الضغط الاجتماعي الكلاسيكية (مثل تجارب سولومون آش Solomon Asch)، والتنبؤ بمستويات أعلى من الطاعة المدمرة في تجارب ستانلي ميلغرام الشهيرة (Stanley Milgram)، حيث أظهر المشاركون الأكثر طاعة للأوامر بإيذاء الآخرين درجات أعلى دلالة إحصائياً على مقياس F مقارنة بالمتمردين.
الثبات
أظهر استبيان الرأي العام بمختلف صياغاته التجريبية، ولا سيما النموذج النهائي 40-45، مؤشرات ثبات قياسية مرتفعة في العينات الأصلية وعينات التحقق اللاحقة:
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): تراوحت معاملات الارتباط النصفي المصححة بمعادلة سبيرمان-براون (Spearman-Brown split-half reliability) بين 0.81 و 0.97 عبر مجموعات العينات المختلفة (طلاب جامعة، مساجين، متدربون عسكريون، ونقابات عمالية)، بمتوسط عام استقر عند 0.90 للنموذج 40-45.
- متوسط ارتباط الفقرة بالمجموع (Item-Total Correlation): أظهرت التحليلات التمييزية (Discriminative Power) لمعظم الفقرات قدرة إحصائية فارقة في التمييز بين الأرباعيات العليا والدنيا عند مستوى دلالة p < 0.001، مع متوسط ارتباط ثنائي النقطة تجاوز 0.45 لمعظم البنود.
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أفادت دراسات المتابعة (عبر فترات زمنية تراوحت بين 3 إلى 8 أشهر) بمعاملات استقرار زمني بلغت بين 0.71 و 0.82، مما يؤكد أن الاستبيان يقيس سمات مستقرة نسبياً في البنية النفسية وليس مجرد حالات انفعالية عابرة.
التحليل العاملي والجدل المنهجي
على الرغم من النجاح الأولي للمقياس، فقد واجه الاستبيان نقداً سيكومترياً لاذعاً في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، تمحور حول نقطتين جوهريتين:
1. مشكلة انحياز الإذعان (Acquiescence Response Set)
صيغت جميع فقرات مقياس (F) الأصلية الثلاثين في اتجاه واحد إيجابي (صياغة مؤيدة للاستبداد). أشار باحثون مثل كريستي (Christie)، وجاكسون وميسيك (Jackson & Messick, 1957) إلى أن الدرجات العالية قد لا تعكس بالضرورة توجهاً فاشياً خالصاً، بل ربما تعكس نزعة استجابية سلبية عامة تتمثل في “الموافقة على أي تصريح مؤكد بغض النظر عن محتواه” (Yeah-saying). ودفع هذا الجدل جاكسون وميسيك إلى تطوير نسخة معكوسة بالكامل للفقرات لاختبار الفرضية، ووجدوا أن معامل الارتباط الإيجابي بين الصيغة الأصلية والمعكوسة لم يكن سالباً بالقدر المتوقع، مما أظهر أن جزءاً من التباين كان يُعزى إلى نمط الاستجابة الإذعاني وليس للأيديولوجيا وحدها.
2. التحليل العاملي الاستكشافي والتوكيدي
أثبتت تحليلات العوامل المتعددة (Factor Analysis) أن الأبعاد التسعة النظرية التي افترضها أدورنو وزملاؤه لم تتشكل كعوامل مستقلة متعامدة أو متباينة نقياً، بل تشبعت في الغالب على عامل عام أحادي طاغٍ يمثل “المحافظة السلطوية الصلبة” أو على عاملين إلى ثلاثة عوامل متداخلة تشمل: الخضوع والعدوان التقليدي، والصلابة المعرفية/التفكير النمطي، والتطير التآمري. مهّد هذا النقد لاحقاً لظهور مقاييس أكثر انضباطاً سيكومترياً ومتوازنة الاتجاه، مثل مقياس السلطوية اليمينية (RWA) لبوب ألتماير (Bob Altemeyer) في ثمانينيات القرن العشرين.
أداة القياس
تتضمن المواصفات الفنية والخصائص الإجرائية لاستبيان الرأي العام (النموذج 40-45) ما يلي:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-report Inventory) لتقييم الشخصية والاتجاهات الأيديولوجية الكامنة.
- شكل الأداة: استبيان ورقي مقنن يُطبق فردياً أو جمعياً بدون حد زمني صارم (يستغرق عادة ما بين 15 إلى 25 دقيقة).
- عدد الفقرات: يتألف النموذج الكلاسيكي 40-45 من 30 فقرة. (ملاحظة فنية معيارية: الفقرة رقم 13 المتعلقة بالسلطات الألمانية السابقة لما قبل الحرب مؤرخة بسياقها الزمني التاريخي، ولذا يُوصى إحصائياً بإسقاطها في التطبيقات الحديثة ليصبح المقياس 29 فقرة).
- مقياس الاستجابة: مقياس تدريج سداسي الرتب بدون نقطة محايدة صريحة في ورقة الإجابة، تتراوح خياراته بين:
- +1: تأييد طفيف، موافقة طفيفة (+1: slight support, agreement)
- +2: تأييد معتدل (+2: moderate support)
- +3: تأييد قوي (+3: strong support)
- -1: معارضة طفيفة، عدم موافقة طفيف (-1: slight opposition, disagreement)
- -2: معارضة معتدلة (-2: moderate opposition)
- -3: معارضة قوية (-3: strong opposition)
- نظام التصحيح وتوزيع الدرجات (Scoring System):
تُحوّل الاستجابات على الفقرات ذات الصياغة الأصلية إلى درجات رقمية إيجابية على متصل يمتد من (1) إلى (7) درجات على النحو الآتي:- الاستجابة (-3) تُحوّل إلى 1
- الاستجابة (-2) تُحوّل إلى 2
- الاستجابة (-1) تُحوّل إلى 3
- الاستجابة المتروكة (أو الحياد الفرضي) تُمنح 4
- الاستجابة (+1) تُحوّل إلى 5
- الاستجابة (+2) تُحوّل إلى 6
- الاستجابة (+3) تُحوّل إلى 7
(يُلاحظ أن مفتاح التصحيح يقفز من الدرجة 3 للاستجابة -1 إلى الدرجة 5 للاستجابة +1، مع تخصيص الرقم 4 كقيمة محايدة افتراضية).
- استخراج الدرجة الكلية وتفسيرها:
تُحسب الدرجة الكلية للمفحوص عن طريق جمع درجات كافة البنود ثم قسمة المجموع على عدد الفقرات (30 أو 29 في حال استبعاد البند 13) للحصول على متوسط درجة الفقرة (Mean Item Score)؛ حيث تشير الدرجات المرتفعة (التي تقترب من 7) إلى نزعات استبدادية فاشية عالية، في حين تشير المتوسطات المنخفضة (القريبة من 1) إلى اتجاهات ديمقراطية ومتحررة.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر استبيان الرأي العام (California F Scale – Form 40-45) لأول مرة بصيغته المعيارية الكاملة عام 1950 ضمن كتاب The Authoritarian Personality الصادر عن دار النشر Harper & Brothers (Harper & Row لاحقاً). يُعد المقياس حالياً وثيقة تاريخية وعلمية تقع ضمن الملكية العامة الأكاديمية (Public Domain) لأغراض البحث العلمي غير التجاري والتدريس الجامعي. لا يتطلب استخدام المقياس دفع أي رسوم مالية، شريطة الالتزام بالأمانة العلمية والاقتباس الأكاديمي الدقيق للمصدر التاريخي ومؤلفيه الأربعة، وبالرجوع إلى النسخ التوثيقية المودعة لدى أرشيف تاريخ علم النفس الأمريكي في جامعة أكرون.
المراجع
- Adorno, T. W., Frenkel-Brunswik, E., Levinson, D. J., & Sanford, R. N. (1950). The Authoritarian Personality. Harper & Brothers.
- Altemeyer, B. (1981). Right-Wing Authoritarianism. University of Manitoba Press.
- Christie, R., & Jahoda, M. (Eds.). (1954). Studies in the scope and method of “The Authoritarian Personality”. Free Press.
- Duckitt, J. (1992). Psychology and prejudice: A historical analysis and integrative framework. American Psychologist, 47(10), 1182–1193. https://doi.org/10.1037/0003-066X.47.10.1182
- Jackson, D. N., & Messick, S. (1957). A note on “ethnocentrism” and acquiescent response sets. The Journal of Abnormal and Social Psychology, 54(1), 132–134. https://doi.org/10.1037/h0040685
- Milgram, S. (1974). Obedience to Authority: An Experimental View. Harper & Row.
- Sanford, N. (1973). Authoritarian personality after forty years. Psychiatry, 36(2), 209–222. https://doi.org/10.1080/00332747.1973.11023758