علم النفس الاجتماعيعلم نفس الدينمقاييس الشخصية

مقياس الأصولية الدينية

دليل أكاديمي سيكومتري شامل حول مقياس الأصولية الدينية (Religious Fundamentalism Scale) الذي طوّره ألتماير وهانسبيرغر، متضمنًا البناء النظري، والصدق، والثبات، وفقرات المقياس الأصلية.

تاريخ النشر

الملخص

يُعد مقياس الأصولية الدينية (Religious Fundamentalism Scale – RFS)، الذي طوّره عالما النفس بوب ألتماير (Bob Altemeyer) وبروس هانسبيرغر (Bruce Hunsberger) في عام 1992 وتمت مراجعته وتطوير نسخة مختصرة منه عام 2004، أحد أبرز وأدق الأدوات السيكومترية المستخدمة في علم نفس الدين وعلم النفس الاجتماعي لقياس التوجه الأصولي الديني بصرف النظر عن الانتماء الطائفي أو العقدي المحدد. يُعرّف المقياس الأصولية الدينية بوصفها بنية معرفية وتوجهًا سيكولوجيًا يقوم على الاعتقاد بوجود حقيقة دينية أساسية وغير قابلة للخطأ، تتضمن تعاليم محددة وثابتة حول الإله والإنسانية، وأن هذه الحقيقة تواجه قوى شريرة يجب مجابهتها بحزم، مع ضرورة اتباع الممارسات التاريخية غير القابلة للتبديل، واعتقاد معتنقيها بامتلاك علاقة خاصة ومتميزة مع الخالق.

يتألف المقياس في نسخته الأصلية المطولة من 20 فقرة، وفي نسخته المعدلة والمنقحة واسعة الانتشار من 12 فقرة تقاس عبر سلم ليكرت (Likert Scale) المتدرج من (-4: أعارض بشدة تمامًا) إلى (+4: أوافق بشدة تمامًا) أو بنسخة تساعية/سباعية النقاط. أظهرت الدراسات السيكومترية المستفيضة أن المقياس يتمتع بأحادية البعد (Unidimensional Construct)، وثبات داخلي فائق الاتساق عبر عينات وثقافات وأديان متنوعة (معامل ألفا كرونباخ يتراوح باستمرار بين 0.89 و 0.93)، إلى جانب صدق تمايزي وتقاربي وتنبؤي ممتاز في دراسة الارتباطات مع السلطوية اليمينية (Right-Wing Authoritarianism – RWA)، والتعصب، والدغمائية، والمواقف تجاه الأقليات والهويات المتنوعة.

الكلمات المفتاحية

الأصولية الدينية، القياس النفسي، بوب ألتماير، بروس هانسبيرغر، علم نفس الدين، السلطوية اليمينية، التعصب الديني، الدغمائية المعرفية، الاتساق الداخلي، الصدق العاملي، التحليل السيكومتري.

المؤلفون

تم تطوير المقياس بصيغته التأسيسية والمراجعة بواسطة اثنين من رواد القياس النفسي وعلم النفس الاجتماعي:

  • د. روبرت (بوب) ألتماير (Dr. Robert “Bob” Altemeyer): أستاذ مشارك سابق في قسم علم النفس بـجامعة مانيتوبا (University of Manitoba)، كندا. يُعد المرجع العالمي الأبرز في دراسة سيكولوجية السلطوية ونظريات السلطوية اليمينية (RWA).
  • د. بروس هانسبيرغر (Dr. Bruce Hunsberger) (1946–2003): أستاذ ورئيس قسم علم النفس سابقًا في جامعة ويلفريد لورييه (Wilfrid Laurier University)، واترلو، كندا. أحد كبار الباحثين المتخصصين في دراسات الإلحاد، والشك الديني، وعلم نفس المعتقدات.

الغرض

تم تصميم مقياس الأصولية الدينية لسد فجوة منهجية ونظرية عميقة كانت تسود أبحاث علم النفس الديني خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين؛ حيث كانت المقاييس السابقة إما تخلط بين الأصولية كبنية نفسية وبين الالتزام الديني العام أو الأرثوذكسية العقائدية التقليدية، أو أنها كانت مصممة ومصاغة بأسلوب مسيحي غربي لا يصلح للتطبيق عبر الأديان السماوية وغير السماوية الأخرى دون تحيز لغوي ومفاهيمي.

يهدف المقياس تحديدًا إلى:

  • قياس التوجه السيكولوجي الأصولي المجرد: تقييم الموقف المعرفي والعاطفي المشترك الذي يرى الحقيقة الدينية كمنظومة مطلقة لا يعتريها شك، قائمة على ثنائية الخير المحض والشر المطلق، بغض النظر عما إذا كان المستجيب مسيحيًا، مسلمًا، يهوديًا، أو هندوسيًا.
  • التمييز بين التدين والأصولية: الفصل بين التمسك بالقيم الروحية والطقوسية من جهة، وبين الانغلاق المعرفي واليقين المطلق باحتكار الحقيقة وتكفير أو إقصاء الآخرين من جهة أخرى.
  • التطبيقات البحثية في علم النفس الاجتماعي والسياسي: استكشاف محددات التحيز العرقي، والعداء للمجموعات الخارجية، والامتثال السياسي للسلطة، ومعاداة التعددية، والعنف القائم على مبررات إيديولوجية.
  • التطبيقات الإكلينيكية والإرشادية: فهم تأثير الصلابة الفكرية والدغمائية الدينية على التكيف النفسي، والصدمات الدينية (Religious Trauma)، والصراعات الأسرية الناتجة عن التمرد العقائدي داخل البيئات المغلقة.

البناء النفسي

يقوم مقياس الأصولية الدينية على نموذج نظري واضح المعالم يعرّف الأصولية كبنية أحادية البعد ولكنها تتضمن شبكة متكاملة من العناصر الإدراكية والسلوكية المترابطة، وتتمثل أبعاد هذه البنية في أربعة مرتكزات رئيسية:

1. الاعتقاد بوجود حقيقة أساسية لا تقبل الجدل (Inerrant Core Truth)

ينطوي هذا المرتكز على يقين مطلق بأن هناك مجموعة من التعاليم الدينية الأساسية والمكتملة التي تمثل الحقيقة الكلية والوحيدة التي لا يمسها الخطأ، وأن هذه الحقيقة كُشفت للبشرية بصورة نهائية ولا تحتمل التأويل النسبي أو التعديل الحداثي.

2. الثنائية الكونية والصراع ضد قوى الشر (Cosmic Dualism & Opposition to Evil)

يتميز البناء النفسي للأصولية برؤية مانوية للعالم تقسم الواقع إلى معسكرين متعارضين: معسكر الحق الإلهي ومعسكر قوى الشر والفساد. ويرى الفرد الأصولي أن التشكيك في المعتقدات لا يمثل مجرد اختلاف فكري، بل هو خضوع مباشر لتأثيرات شيطانية أو مؤامرات خبيثة يجب محاربتها بصرامة وقمع أي تهاون معها.

3. قدسية الممارسات والأعراف التاريخية (Inviolability of Historical Practices)

يشدد هذا المكون على ضرورة تطبيق التعاليم والممارسات الدينية بحرفيتها التاريخية الثابتة، مع رفض أي شكل من أشكال التجديد أو النقد التاريخي أو ملاءمة النصوص مع التطورات الاجتماعية والأخلاقية المعاصرة، والنظر إلى الحداثة بوصفها انحدارًا أخلاقيًا.

4. المكانة الحصرية والامتياز مع الإله (Exclusive Special Relationship)

الشعور بأن أتباع هذه العقيدة المحددة يتمتعون برابطة روحية حصرية وخاصة جدًا مع الإله، وأن الخلاص والنجاة محصوران بهم فقط، في حين يُحكم على بقية البشر بالهلاك أو الضلال، مما يولد حاجزًا نفسيًا واجتماعيًا متينًا يفصل “الجماعة الداخلية” (In-group) عن “الجماعات الخارجية” (Out-groups).

الإطار النظري

ينبثق مقياس الأصولية الدينية من تقاطع نظريات علم النفس الاجتماعي المعرفي مع دراسات الشخصية السلطوية (Authoritarian Personality) التي أسسها ثيودور أدورنو وزملاؤه (Adorno et al., 1950) وطوّرها بوب ألتماير في نظريته الشهيرة عن السلطوية اليمينية (RWA Theory).

وفقًا لألتماير وهانسبيرغر، فإن الأصولية ليست مجرد محتوى لاهوتي ديني، بل هي أسلوب في التفكير (Style of thinking) وكيفية تبني المعتقدات والتمسك بها بصرف النظر عن ماهية تلك المعتقدات. يتلاقى هذا الإطار مع:

  • نظرية الانغلاق المعرفي (Need for Cognitive Closure): التي صاغها آري كروغلانسكي (Arie Kruglanski)، حيث يظهر الأفراد الأصوليون رغبة شديدة في الحصول على إجابات واضحة ونهائية، مع تجنب الغموض المعرفي والالتباس الفكري.
  • نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory): التي طورها هنري تاتجفيل (Henri Tajfel)، وتفسر كيف يعزز التماهي الأصولي التماسك الداخلي للجماعة عبر الاستعلاء الرمزي وتشويه سمعة المجموعات المغايرة.
  • نظرية إدارة الرعب (Terror Management Theory – TMT): التي توضح كيف تعمل الرؤى الدينية المطلقة كدروع نفسية دفاعية تقلل من القلق الوجودي والخوف من الفناء عبر منح الفرد يقينًا بالخلود والحماية الإلهية.

الصدق

خضع مقياس الأصولية الدينية لفحوصات تجريبية صارمة للتحقق من خصائصه السيكومترية وقدراته الصدقية عبر دراسات شملت آلاف المشاركين من خلفيات دينية متعددة (مسيحيون، مسلمون، يهود، هندوس، وبوذيون):

  • الصدق التقاربي (Convergent Validity): أظهر المقياس ارتباطات موجبة قوية ودالة إحصائيًا مع مقياس السلطوية اليمينية (RWA) بقيم معاملات ارتباط تتراوح بين (r = .65 إلى .75)، ومع مقاييس التوجه الديني الظاهري (Extrinsic Religiosity) والتصلب المعرفي والدغمائية.
  • الصدق التمايزي (Discriminant Validity): أثبتت الدراسات قدرة المقياس على التمايز بوضوح عن مقاييس التدين الجوهري غير المتعصب (Intrinsic Non-dogmatic Religiosity)، ومقاييس طلب الحقيقة والبحث الديني (Quest Religiosity) التي أظهرت ارتباطًا سالبًا قويًا مع الأصولية (r = -.40 إلى -.55).
  • الصدق التنبؤي (Predictive Validity): أظهر المقياس قدرة تنبؤية فائقة بالتحيز ضد الأقليات الجنسية، ومعاداة التعددية الثقافية، ورفض الحريات الفردية، وتأييد السياسات العقابية الصارمة والحروب ذات الطابع الأيديولوجي.
  • الصدق عبر الثقافات (Cross-Cultural Validity): أكدت دراسات لاحقة أجريت في دول إسلامية ويهودية وأوروبية تطابق البنية الصدقية للمقياس وقدرته على قياس نفس السمة الكامنة بنفس الكفاءة.

الثبات

أظهرت التحليلات الإحصائية عبر عقود من الاستخدام اتساقًا داخليًا وثباتًا استثنائيًا لمقياس الأصولية الدينية:

  • معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha): بلغت قيم الاتساق الداخلي للنسخة الأصلية المكونة من 20 فقرة ما بين 0.91 و 0.93 في العينات الكندية والأمريكية الأصلية. أما في النسخة المنقحة والمختصرة (12 فقرة)، فقد تراوح معامل ألفا باستمرار بين 0.90 و 0.92 عبر مختلف العينات الطلابية وعينات المجتمع العام.
  • ثبات إعادة التطبيق (Test-Retest Reliability): سجل المقياس معاملات استقرار زمني عالية على مدار فترات زمنية تراوحت من عدة أسابيع إلى عدة أشهر (معامل ثبات إعادة الاختبار r = .85 إلى .89)، مما يشير إلى أن الأصولية الدينية تقيس سمة شخصية وموقفًا إدراكيًا ثابتًا نسبيًا وليست مجرد حالة انفعالية عابرة.
  • معاملات الاتساق البيني للفقرات (Inter-Item Correlations): تراوحت معاملات الارتباط بين الفقرات والدرجة الكلية المصححة بين 0.50 و 0.78، مما يؤكد خلو المقياس من الفقرات الضعيفة أو غير المتجانسة.

التحليل العاملي

أكدت نتائج التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتحليل العاملي التوكيدي (CFA) وجود بنية أحادية العامل مهيمنة تفسر النسبة الكبرى من التباين الكلي في استجابات الأفراد:

  • التحليل العاملي الاستكشافي: يسفر استخراج العوامل عبر طريقة المكونات الأساسية (Principal Components) عن عامل رئيسي أحادي يستوعب ما يزيد عن 45% إلى 55% من التباين الإجمالي، مع تشبعات قوية لجميع الفقرات على هذا العامل (تشبعات تتراوح من 0.55 إلى 0.82).
  • التحليل العاملي التوكيدي ومؤشرات حسن المطابقة: أظهر نموذج العامل الواحد في النسخة المكونة من 12 فقرة مطابقة ممتازة للبيانات:
    • مؤشر المطابقة المقارن (CFI) > 0.95
    • مؤشر توكر-لويس (TLI) > 0.94
    • جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA) < 0.055
    • جذر متوسط المربعات المتبقية القياسي (SRMR) < 0.040
  • توازن الفقرات والتحكم في النزعة للموافقة: تم بناء المقياس بحيث تكون نصف الفقرات ممسوحة ومصاغة إيجابيًا (مؤيدة للأصولية) والنصف الآخر مصاغًا بصيغة عكسية (مناهضة للأصولية)، مما يلغي أي تحيز في الاستجابة ناتج عن الميل للموافقة السلبية (Acquiescence Bias).

أداة القياس

توضح النقاط التالية الهيكلية التنظيمية والخصائص الإجرائية للمقياس:

  • نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Instrument).
  • تنسيق الاستجابة: سلم تساعي النقاط (+4 إلى -4) يتم تحويله إحصائيًا إلى مدى من 1 إلى 9 لكل فقرة، أو سلم سباعي النقاط (1: أعارض بشدة إلى 7: أوافق بشدة).
  • عدد الفقرات: 12 فقرة في النسخة المنقحة لعام 2004 (و20 فقرة في النسخة الأصلية لعام 1992).
  • قواعد التصحيح وعكس الدرجات: يتم عكس درجات الفقرات ذات الصياغة السلبية قبل جمع الدرجات الكلية. الدرجات المرتفعة تعكس مستويات أعلى من الأصولية الدينية.
  • الفقرات المعكوسة (في النسخة المكونة من 12 فقرة): الفقرات رقم 2، 4، 7، 9، 10، 12.
  • الفقرات المباشرة: الفقرات رقم 1، 3، 5، 6، 8، 11.
  • الفئة المستهدفة: المراهقون والبالغون من مختلف الفئات السكانية والديانات.
  • زمن التطبيق: يتراوح بين 5 إلى 10 دقائق.
  • مدى الدرجات: في النسخة التساعية المكونة من 12 فقرة، يتراوح المدى الإجمالي للدرجات من 12 (الحد الأدنى للأصولية) إلى 108 (الحد الأقصى للأصولية).

الأذونات والرسوم وسنة الاختبار

نُشر المقياس في نسخته الأصلية عام 1992، ثم نُشرت نسخته المنقحة ذات الـ 12 فقرة عام 2004 في دورية The International Journal for the Psychology of Religion. يتميز المقياس بكونه مفتوح المصدر ومتاح مجانًا للأغراض الأكاديمية والبحثية غير التجارية، وقد وضع المؤلفان المقياس في الملك العام للباحثين لتشجيع الدراسات العلمية الرصينة دون الحاجة لدفع رسوم أو شراء تراخيص باهظة، بشرط الاستشهاد الدقيق والمناسب بالدراسات الأصلية للمؤلفين.

المراجع

فقرات المقياس

فيما يلي النص الأصلي الحرفي لفقرات مقياس الأصولية الدينية المنقح (Revised Religious Fundamentalism Scale – 12 Items) كما وردت بدقة في منشورات ألتماير وهانسبيرغر (Altemeyer & Hunsberger, 2004):

  1. God has given humanity a complete, unfailing guide to happiness and salvation, which must be totally followed.
  2. No single book of religious teachings contains all the intrinsic, fundamental truths about life. (*)
  3. The basic cause of evil in this world is Satan, who is still constantly and vigorously fighting against God.
  4. It is more important to be a good person than to believe in God and the right religion. (*)
  5. There is a particular set of religious teachings in this world that are so true, you can’t go any “deeper” because they are the basic, bedrock message that God has given to humanity.
  6. When you get right down to it, there are basically only two kinds of people in the world: the Righteous, who will be rewarded by God; and the rest, who will not.
  7. The scriptures of the world contain some general truths, but they are also full of errors, myths, and the mistaken beliefs of the ignorant people who wrote them. (*)
  8. The fundamentals of God’s religion should never be tampered with, or compromised with others’ beliefs.
  9. Flexibility in religion is always a virtue, and intolerance is always a vice. (*)
  10. “Satan” is just the name people give to their own bad impulses. There is really no such thing as a diabolical “Prince of Darkness” who tempts us. (*)
  11. Whenever science and sacred scripture conflict, science is probably wrong.
  12. There is no body of teachings, or set of scriptures, which is completely without error. (*)

ملاحظة: الفقرات المشار إليها بالعلامة (*) هي فقرات عكسية الصياغة (Reverse-scored items) ويتم عكس قيم استجاباتها عند حساب الدرجة الكلية.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 26). مقياس الأصولية الدينية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/scales/religious-fundamentalism-scale/
looti, Mohammed. “مقياس الأصولية الدينية.” عرب سايكلوجي, 26 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/scales/religious-fundamentalism-scale/.
looti, Mohammed. “مقياس الأصولية الدينية.” عرب سايكلوجي. أغسطس 26, 2026. https://arabpsychology.com/scales/religious-fundamentalism-scale/.