1. الملخص
يُعد مقياس التماهي مع التسوق (Shopping Identification Scale)، الذي طوّره الباحثون مايكل جيري (Michael Guiry)، وآن ماغي (Anne W. Mägi)، وريتشارد لوتز (Richard J. Lutz) عام 2006، أداة سيكومترية متقدمة مُصممة لتقييم المدى الذي يدمج فيه الأفراد نشاط التسوق كعنصر جوهري وأساسي ضمن مفهوم الذات (Self-Concept) ومنظومة الهوية الشخصية. ينبثق المقياس من أدبيات سلوك المستهلك وعلم النفس الاجتماعي، وتحديداً في سياق دراسة ظاهرة “المتسوق الترفيهي” (Recreational Shopper)، حيث يتجاوز التسوق كونه مجرد نشاط وظيفي لشراء السلع ليتحول إلى تجربة معززة للهوية ومعبرة عنها.
يتألف المقياس من خمس فقرات مصاغة بأسلوب مقياس ليكرت السُباعي (من 1 = أعارض بشدة إلى 7 = أتفق بشدة)، ويقيس بعداً أحادياً متجانساً يعكس مركزية دور التسوق في البناء النفسي للفرد. يتمتع المقياس بخصائص سيكومترية استثنائية وثابتة عبر عينات متنوعة؛ حيث أظهرت التحليلات اتساقاً داخلياً مرتفعاً للغاية (تجاوز معامل ألفا كرونباخ 0.90 في مختلف العينات الاستكشافية والتأكيدية)، مع تباين مفسر مرتفع وتشبعات عاملية ممتازة لكافة الفقرات. كما أثبتت الدراسات صدق المقياس التقاربي والتمايزي في مقابل متغيرات سلوكية ونفسية أخرى، مثل وتيرة التسوق، والدافعية النفعية، وسلوك الشراء القهري، مما يجعله أداة قيّمة للباحثين والمختصين في التسويق وعلم النفس الاقتصادي.
2. الكلمات المفتاحية
التماهي مع التسوق، مفهوم الذات، نظرية الهوية، المتسوق الترفيهي، القياس النفسي، سلوك المستهلك، الاتساق الداخلي، التحليل العاملي التوكيدي، صدق البناء، علم النفس التسويقي.
3. المؤلفون
تم تطوير المقياس ونشره من قبل فريق بحثي أكاديمي مرموق في مجال بحوث التسويق وسلوك المستهلك:
- مايكل جيري (Michael Guiry): أستاذ التسويق، شغل مناصب أكاديمية في جامعات أمريكية مرموقة، منها جامعة سكرانتون (University of Scranton) وكلية ميريماك، متخصص في إدارة تجارب العملاء وسيكولوجية التجزئة.
- آن ماغي (Anne W. Mägi): باحثة وأستاذة في بحوث التسويق وسلوك المستهلك، عملت في مدرسة ستوكهولم للاقتصاد (Stockholm School of Economics)، وكرست جزءاً كبيراً من أبحاثها لتحليل ولاء العملاء وتفضيلات قنوات التسوق.
- ريتشارد لوتز (Richard J. Lutz): أستاذ كرسي ج. سي. بيني البارز في التسويق بجامعة فلوريدا (University of Florida)، أحد الرواد العالميين في دراسة مواقف المستهلكين ونظريات الاستجابة الإعلانية ومعالجة المعلومات النفسية.
4. الغرض
يهدف مقياس التماهي مع التسوق إلى قياس الدرجة التي يدرك بها الفرد نشاط التسوق كجزء لا يتجزأ من هويته الذاتية وتكوينه النفسي. تاريخياً، كان التسوق يُعامل في الأدبيات الاقتصادية كنشاط نفعي محض تحركه الحاجة إلى اقتناء السلع واستبدالها. إلا أن التحول في بحوث المستهلك نحو دراسة الجوانب الرمزية والتجريبية كشف أن شريحة كبيرة من المستهلكين تمارس التسوق بوصفه هواية ومصدراً للمتعة ووسيلة للتعبير عن الذات، وهو ما أطلق عليه مفهوم “التسوق الترفيهي”.
من الناحية العملية والبحثية، يوفر المقياس وسيلة منهجية دقيقة للتمييز بين الأفراد الذين يتسوقون بدافع إنجاز مهمة عملية (Task-oriented / Utilitarian shoppers) وأولئك الذين يتبنون هوية “المتسوق” كصفة مركزية في تعريفهم لأنفسهم. يتيح المقياس استكشاف الفروق الفردية في:
- التطبيقات التسويقية: تمكين إدارات التجزئة ومصممي بيئات المتاجر من تقسيم الأسواق استناداً إلى الأبعاد السيكوجرافية (Psychographic segmentation)، وتطوير استراتيجيات تعزز التجربة الترفيهية والتفاعلية للمستهلكين ذوي التماهي المرتفع.
- التطبيقات الإكلينيكية والبحثية: يُستخدم المقياس في دراسة الخط الفاصل بين التماهي الصحي مع سلوك التسوق كنشاط ترفيهي وتطوره المحتمل نحو السلوك الإدماني أو الشراء القهري (Compulsive Buying Disorder)، حيث يساعد الباحثين في دراسة مركزية الهوية كعامل وسيط أو معدّل.
- المبرر النظري: يرتكز المقياس على حاجة العلوم الاجتماعية إلى قياس كيف تتحول السلوكيات اليومية والأنشطة الترفيهية إلى “أدوار اجتماعية متجذرة” في الهوية الشخصية، استناداً إلى أن الناس يميلون إلى التصرف باتساق مع الأدوار التي يرون أنها تعبر بصدق عن جوهر ذواتهم.
5. البناء النفسي
يقيس المقياس بُعداً أحادياً يُعرف بـ التماهي مع التسوق (Shopping Identification)، والذي يُعرَّف بأنه إدراك معرفي وانفعالي يربط بين الذات وبين سلوك التسوق بحيث تصبح صفة “المتسوق” مكوناً رئيسياً في مخطط الذات (Self-Schema). يتفرع الفهم المعمق لهذا البناء إلى عدة مكونات تظهر في الاستجابات النفسية:
أ. مركزية الهوية (Identity Centrality)
تعني الأهمية النسبية التي يمنحها الفرد لنشاط التسوق مقارنة بمجالات الحياة الأخرى (كالعمل، والرياضة، والفن). الأفراد ذوو التماهي العالي لا ينظرون إلى التسوق كحدث عارض أو وسيلة لتحقيق غاية، بل يرونه في صلب المحاور التي تحدد كينونتهم (مثال: شعور الفرد بأن حياته تفتقر إلى جزء أساسي إن حُرم من ارتياد المتاجر والتجول فيها).
ب. الانعكاس الذاتي (Self-Reflection)
يتجلى في النظر إلى ممارسات التسوق كمرآة تعكس القيم الشخصية والذوق والمكانة والاهتمامات الفردية. المستهلك هنا يرى أن مهارته في استكشاف المنتجات وتحديد التوجهات الحديثة تعكس كفاءته وثقافته وتميزه الشخصي أمام نفسه والآخرين.
ج. التقييم الذاتي والانتماء للنمط (Role-Person Merger)
وفق هذا البناء، يحدث اندماج بين الدور الاجتماعي (المتسوق) والشخصية الذاتية؛ فالأفراد يتحدثون عن أنفسهم بفخر مستخدمين أوصافاً مثل: “أنا شخص يعشق التسوق بطبعي”، حيث يصبح هذا التعريف جزءاً ثابتاً ومستقراً نسبياً عبر الزمن والمواقف.
6. الإطار النظري
يستند مقياس التماهي مع التسوق إلى أرضية صلبة من نظريات علم النفس الاجتماعي، وتحديداً:
أ. نظرية الهوية (Identity Theory)
ترجع الجذور النظرية لهذا المقياس إلى أعمال شيلدون سترايكر (Sheldon Stryker, 1968, 1980) وبيتر كاليرو (Peter Callero, 1985). تفترض نظرية الهوية أن الذات تتكون من بنية متعددة من “هويات الأدوار” (Role Identities)، وأن هذه الأدوار مرتبة وفق هرمية من الأهمية أو البروز (Salience Hierarchy). كلما كانت الهوية في موضع متقدم في هذه الهرمية، زاد احتمال قيام الفرد بالسلوكيات المرتبطة بها واستمداده لتقدير الذات من إتقانها.
ب. التفاعلية الرمزية (Symbolic Interactionism)
مستلهمة من أفكار جورج هربرت ميد وتشارلز كولي، حيث يكتسب الفرد هويته من خلال التفاعل مع البيئة واستخدام الرموز. وفي سياق الاستهلاك، تصبح بيئة المتاجر والسلع والأنشطة المرتبطة بها رموزاً تفاعلية يُثبت الفرد من خلالها موقعه الاجتماعي ورؤيته لذاته.
ج. كيفية توجيه النظرية لبناء الفقرات
استعار غويري وزملاؤه (2006) مقياس كاليرو (1985) الأصلي المصمم لقياس “هوية التبرع بالدم” (Blood Donor Role Identity) وقاموا بتكييفه ليقيس هوية المتسوق. ركز البناء على التقاط الرابط المعرفي الذاتي المباشر بين الشخص وسلوك التسوق، بدلاً من قياس تكرار السلوك أو المهارات الفنية، مما يعزز النقاء المفاهيمي للبناء المقاس.
7. الصدق
خضع مقياس التماهي مع التسوق لعمليات تقييم سيكومترية صارمة وشاملة خلال مرحلة تطويره، مما وفر أدلة قوية على صدق البناء بمختلف أنواعه:
أ. الصدق التقاربي (Convergent Validity)
أظهرت نتائج التحليل العاملي التوكيدي أن جميع تشبعات الفقرات على العامل الكامن كانت دالة إحصائياً عند مستوى (p < 0.001)، مع قيم تشبع تتراوح بين 0.78 و0.93. بلغ متوسط التباين المستخلص (AVE) قيماً تتجاوز 0.70 في عينات الدراسة، وهي نسبة أعلى بكثير من الحد الموصى به إحصائياً (0.50)، مما يؤكد أن الفقرات تشترك في قدر كبير من التباين في قياس المفهوم المستهدف.
ب. الصدق التمايزي (Discriminant Validity)
تم اختبار الصدق التمايزي للمقياس في مقابل متغيرات سلوكية ونفسية متصلة باستخدام معيار فورنيل-لاركر (Fornell-Larcker criterion). أثبتت البيانات أن الجذر التربيعي لـ AVE لمقياس التماهي مع التسوق كان أكبر بشكل ملحوظ من ارتباطاته مع المتغيرات الأخرى، مثل:
- تكرار التسوق (Shopping Frequency): أظهر المقياس تمايزاً واضحاً، مما يثبت أن الشخص قد يتسوق كثيراً لأسباب وظيفية دون أن يتماهى بالضرورة مع الدور.
- التوجه الترفيهي العام (Recreational Orientation).
- البحث عن الرأي وقيادة الرأي في التسوق.
ج. الصدق التنبؤي والمحكي (Predictive & Criterion Validity)
أظهرت النتائج أن الدرجات المرتفعة على المقياس تنبأت بقوة بقضاء وقت أطول داخل بيئات التسوق، وزيادة الاستمتاع بالبحث عن المنتجات حتى في حالة عدم وجود نية شراء فورية، والتعرض الطوعي لوسائل الإعلام والكتالوجات التسويقية.
8. الثبات
أظهرت الدراسات التجريبية والميدانية التي أُجريت أثناء تصميم المقياس خصائص ثبات فائقة تعكس اتساقاً داخلياً متيناً:
- معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha): بلغ معامل الاتساق الداخلي للمقياس في دراسة غويري ورفاقه الأساسية (Guiry et al., 2006) قيمة α = 0.92 في العينة الاستكشافية الأولى، وحقق α = 0.93 في عينة التحقق المستقلة. كما أكدت الدراسات اللاحقة التي استخدمت المقياس عبر سياقات جغرافية مختلفة مستويات ثبات تراوحت بين 0.89 و0.94.
- الثبات التركيبي (Composite Reliability – CR): تجاوزت قيمة الثبات التركيبي 0.93، وهي قيمة تتجاوز بكثير المعيار المنهجي المقبول (0.70)، مما يدل على كفاءة الفقرات وتكاملها الخالي من التشتت الإحصائي.
- الخطأ المعياري للقياس (SEM): جاء منخفضاً للغاية، مما يؤكد دقة الأداة في تحديد الفروق الفردية الحقيقية بين درجات المفحوصين دون تشويش ملحوظ ناتج عن أخطاء القياس.
9. التحليل العاملي
أُخضع المقياس لمراحل متعددة من التحليل العاملي الاستكشرافي (EFA) ثم التوكيدي (CFA) للتحقق من بنيته الداخلية:
أ. التحليل العاملي الاستكشافي (EFA)
أسفر تحليل المكونات الأساسية (PCA) مع التدوير المتعامد عن استخراج عامل واحد مهيمن؛ حيث تجاوز الجذر الكامن (Eigenvalue) للعامل الأول القيمة 3.8، مفسراً ما يزيد عن 75% من إجمالي التباين الكلي. ولم تظهر أي عوامل ثانوية بجذور كامنة تقترب من 1.0، مما يؤكد بقوة الأحادية البعدية (Unidimensionality) للمقياس.
ب. التحليل العاملي التوكيدي (CFA)
تم اختبار النموذج أحادي البعد على عينة منفصلة لتقييم مدى مطابقة النموذج للبيانات الفعلية. أظهرت مؤشرات جودة المطابقة (Goodness-of-Fit) توافقاً نموذجياً:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI) = 0.99
- مؤشر تكر-لويس (TLI) = 0.98
- جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA) = 0.045 (مع فترة ثقة 90% تتراوح بين 0.00 و0.08)
- مؤشر حسن المطابقة المعياري (SRMR) = 0.021
تراوحت التشبعات المعيارية (Standardized Factor Loadings) لجميع الفقرات الخمس بين 0.81 و0.92، وجميعها دالة إحصائياً، مما يعكس تمثيلاً بيانياً متوازناً للبناء النظري.
10. أداة القياس
تتميز أداة القياس بخصائص محددة تضمن سهولة التطبيق والتحليل السريع:
- نوع الاختبار: تقرير ذاتي (Self-Report Instrument) يقيس التوجه النفسي والهوية المعرفية للمستهلك.
- التنسيق: استبانة موجزة مكتوبة باللغة الإنجليزية في أصلها، وقابلة للتطبيق الفردي أو الجماعي (ورقياً أو رقمياً).
- عدد الفقرات: 5 فقرات فقط، مما يقلل من إجهاد المفحوصين ويضمن معدلات استجابة عالية.
- مقياس الاستجابة: مقياس ليكرت متدرج من 7 نقاط: (1 = أعارض بشدة، 2 = أعارض، 3 = أعارض قليلاً، 4 = محايد، 5 = أتفق قليلاً، 6 = أتفق، 7 = أتفق بشدة).
- التصحيح: يتم احتساب الدرجة الكلية عن طريق حساب المتوسط الحسابي لاستجابات الفرد على الفقرات الخمس (تتراوح الدرجة الناتجة بين 1 و7)، حيث تشير الدرجات المرتفعة إلى تماهٍ عميق وقوي مع التسوق.
- الفقرات المعكوسة: لا يحتوي المقياس على أي فقرات معكوسة الصياغة؛ جميع الفقرات مصاغة في اتجاه إيجابي مباشر يقيس التماهي.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر المقياس رسمياً عام 2006 في دورية Journal of the Academy of Marketing Science التابعة لمؤسسة Springer العلمية. وفقاً للأعراف الأكاديمية وحقوق النشر المنصوص عليها، فإن الأداة متوفرة للأغراض البحثية والتعليمية غير التجارية، بشرط الإشارة الصريحة للمؤلفين الأصليين والاقتباس الدقيق للمصدر الأساسي. أما في حال استخدام المقياس ضمن تطبيقات تجارية أو في سياق استشارات تسويقية ربحية، فيتطلب ذلك مراجعة سياسات دار النشر والحصول على إذن خطي مسبق.
12. المراجع
- Callero, P. L. (1985). Role-identity salience. Social Psychology Quarterly, 48(3), 203–215. https://doi.org/10.2307/3033681
- Guiry, M., Mägi, A. W., & Lutz, R. J. (2006). Defining and measuring recreational shopper identity. Journal of the Academy of Marketing Science, 34(1), 74–83. https://doi.org/10.1177/0092070305281620
- Nunnally, J. C., & Bernstein, I. H. (1994). Psychometric theory (3rd ed.). McGraw-Hill.
- Stryker, S. (1968). Identity salience and role performance: The relevance of symbolic interaction theory for family research. Journal of Marriage and the Family, 30(4), 558–564. https://doi.org/10.2307/349494
- Stryker, S. (1980). Symbolic interactionism: A social structural version. Benjamin/Cummings Publishing Company.
13. فقرات المقياس
إن الفقرات الرسمية المعتمدة لهذا المقياس منشورة ومحمية بحقوق الطبع والنشر بموجب سياسات النشر الأكاديمي، وتُقدم هنا للأغراض التعليمية والبحثية والاطلاع العلمي وفقاً لما ورد في الدراسة المنشورة للأستاذ الدكتور مايكل جيري وزميليه (Guiry et al., 2006):
فيما يلي الصياغة الإنجليزية الأصلية للفقرات الخمس للمقياس، مصحوبة بالترجمة التوضيحية باللغة العربية لكل فقرة، وتُعرض للمستجيب باستخدام مقياس استجابة من 7 نقاط يتراوح من (1 = Strongly Disagree / أعارض بشدة) إلى (7 = Strongly Agree / أتفق بشدة):
- Shopping is an important part of who I am.
التسوق جزء مهم يحدد من أكون.
- Shopping is an important reflection of who I am.
التسوق انعكاس مهم لجوهر شخصيتي.
- Shopping is central to my identity.
يحتل التسوق موقعاً محورياً في هويتي.
- I strongly identify with shopping.
أشعر بتماهٍ قوي مع نشاط التسوق.
- I think of myself as someone who loves to shop.
أرى نفسي شخصاً يعشق التسوق بطبعه.